الجمهوريون بين الوهم والحقيقة (14)

عرض المادة
الجمهوريون بين الوهم والحقيقة (14)
607 زائر
22-06-2018

ويمضي محمود في خطرفاته وخزعبلاته التي أوحت إليه أنه الإنسان الكامل والمسيح المحمدي ونبي الرسالة الثانية وصاحب المقام المحمود و(الأصيل) الذي بلغ من المكانة ما لم يبلغه الرسول صلى الله عليه وسلم، حيث أسقط عن نفسه الصلاة دون غيره من البشر للدرجة التي جعلت تلاميذه يقدسونه ويعتقدون أن من حكموا عليه بالإعدام يصارعون الله تعالى ولن يفلحوا في مسعاهم .

عجبت أن ابنته أسماء بعاطفة البنوة لوالدها تصر على المضي في ذلك الضلال معرضة نفسها لخطر الردة رغم أنها اعترفت بأنها لم تكن تتوقع موته .

لماذا يا أسماء تأخذك العزة بالإثم، ولماذا لا تتخذين موقفاً تاريخياً يهز أركان تلك التخاليط ويكتب لك عند الله، وهل تظنين أن والدك الضال المضل يغني عنك من الله شيئاً يوم الحساب؟

الأصول الفلسفية لنظرية الإنسان الكامل عند الجمهوريين

وحدة الوجود

يرى محمود محمد طه أن الحقيقة الوجودية واحدة كما أشرنا إلى ذلك سابقاً. وهذه الحقيقة الواحدة عنده هي: المطلق في صرافة ذاته ومراتب تنزلاته حسب زعمه، يقول محمود: "ليس في الوجود إلا الله.. والمخلوقات هي مظاهر قدرته.. هي قدرته مجسدة.. وقدرته ليست غيره، وإنما هي عند التناهي ذاته.. والمخلوقات هي الله.. والإنسان طليعتها في ذلك" تعالى الله علواً كبيراً..

ورغم أن مقولات محمود توحي في ظاهرها أنه يؤمن بوجود واحد هو الله – سبحانه وتعالى – وأن الموجودات هي تعينه في الوجود الخارجي، كما هو الحال، عند أصحاب وحدة الوجود المنتسبين إلى التصوف.. إلا أن البحث في مضمون هذه المقولات يقودنا إلى أن محمودا لا يؤمن أصلا بوجود الله سبحانه وتعالى، فالله – تعالى – عنده – هو الإنسان الكامل، أما مصطلح "الذات المطلقة"، الذي يشير به إلى "الذات الإلهية"، إنما هو مجرد لفظ دون مضمون. "فالذات المطلقة – ذات لا اسم لها أو صفة، بل هي فوق العبارة وفوق الإشارة، ذات يجردها محمود حتى من صفة الإطلاق حين يقول: "إبداء ذات الله لخلقه، إنما يتم عن طريق تقييد الإنسان الكامل للمطلق، فهو في كل لحظة يقيد من المطلق ما به يزيد علمه وتتجدد عبوديته وتتسع حياته".

كما أن اسم الجلالة في شهادة التوحيد – عند محمود – اسم للإنسان الكامل وليس لله تعالى.

يقول محمود: "لقد جاءت لا إله إلا الله بهذه الصياغة على أتم صورة، فهي من طرف نفي "لا"، ومن الطرف الآخر اثبات "لا".. وليس الحق في طرف النفي وحده، ولا هو ف يطرف الاثبات وحده، وإنما الحق برزخ بين ملتقى بحري النفي والاثبات. قال تعالى (مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ * بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَا يَبْغِيَانِ). والبرزخ ههنا كلمة الله. فكأنه قال لا إله إلا إلهاً هو الله. وإنما الله برزخ بين المطلق في إطلاقه وبين جميع الخلق.. وهذا يعني أن أول تنزلات المطلق إلى القيد كان تنزله إلى مرتبة الاسم وهو "الله".

ويقول: "أول مراتب القيد هو مرتبة الاسم، وأول الأسماء "الله"، وهي مرتبة "الذات المحمدية"، التي هي أول قابل للتجليات الإلهية".

وفي تحليلي لهذه المقولات، أقول: إذا كان الطرفان هما "المطلق في إطلاقه" من جانب، "الخلق" من جانب آخر.. والحق – حسب زعم محمود – ليس في طرف النفي وحده – أي طرف الخلق.. وليس هو في طرف الاثبات وحده – أي طرف المطلق، وانما الحق برزخ بين ملتقى بحري النفي والاثبات.

وإذا كان محمود يزعم من جانب آخر أن هذا البرزخ هو "الذات المحمدية" – الإنسان الكامل.. فهذا يعني ان الحق الذي ليس هو أي من طرفي النفي والاثبات في شهادة التوحيد "لا إله إلا الله" – عند محمود – هو في حقيقته الانسان الكامل، تعالى الله عما يقول الظالمون علواً كبيراً.

والإنسان الكامل – كما يدعي محمود – هو الذي قامت به جميع أسماء الله الحسنى وصفاته الواردة في الكتب السماوية وفي القرآن الكريم خاصة، هو مصدر الوجود، فكل الوجود مستمد منه، وهو بكل شئ عليم وعلى كل شئ قدير!! (كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا).

ومحمود حين يستخدم مصطلح "الذات المطلقة"، وإن كان يبدو في الظاهر أنه يشير إلى الذات الإلهية، إلا أنه في الواقع إنما يشير إلى "حقيقة الإنسان" التي – كما يزعم – تكمن في سويداء قلبه. و"حقيقة الانسان" – عند محمود – ليست سوى الكمال المطلق – أي كمال الله سبحانه وتعالى. والذي حال دون اكتشاف الإنسان "لحقيقته" – كما يزعم محمود – هو جهله بالاشياء وخوفه منها نتيجة الأوهام والخرافات التي ترسبت في عقله. ومحمود هنا يعني خوف الانسان من آلهة لا وجود لها لأن الألوهية – عنده – في ذات الإنسان وليست خارجها، ولذلك يرى محمود إلا سبيل لتحقيق الكمال المطلق للذات الإنسانية إلا بتوحيد بنيتها التي انقسمت على ذاتها نتيجة الكبت والخوف – أي بانفتاح العقل على القلب حيث تكمن الحقيقة الأزلية، وهذا هو ما يعنيه محمود حين يشير إلى ما وصفه "باللحظة الحاضرة" التي يدعي أن ذات الله فيها – تعالى الله علواً كبيراً، يقول محمود: "إن العقل يتأرجح بين طرفين أو نقيضين بغية التوحيد بينهما فيتم له من ثم الاستواء في "اللحظة الحاضرة" وهذه هي الحكمة من خلق الازواج – كما يقول – لأن العقل لا يدرك الأشياء إلا بأضدادها". والزوجان أو النقيضان – عند محمود – هما أصل الوجود. فالحياة – كما يصورها محمود – تبدأ من المادة غير العضوية التي تترقى حتى تصل مرتبة "الذات الإلهية" وقمة الأزواج – عنده – المادة العضوية التي هي أحد الزوجين والذات الإلهية والتي هي الزوج الآخر، وهو في ذلك يقول صراحة: "وفي قمة الأزواج الله والإنسان الكامل!! تعالى الله عما يقول الظالمون علواً كبيراً.

وواضح أن محمود محمد طه قد أخذ هذه الفكرة بكاملها من نظرية التطور الداروينية والتي سنفصل القول فيها بعد أن نفرغ من هذا المبحث.

يرى محمود أن توحيد البنية البشرية يتم بانفتاح العقل على القلب كما ذكرنا ونضيف هنا أن آية توحيد البنية البشرية – عنده – هي ان يفكر الإنسان كما يريد، وأن يقول كما يفكر، وأن يعمل كما يقول، ثم لا تكون عاقبة قوله ولا عمله إلا خيراً وبراً بالأحياء والأشياء وهذه المقولة تعني عند محمود – أن يحقق الانسان حريته المطلقة – أي أن يتحرر الإنسان من القيد ليبلغ مرتبة الكمال المطلق، فالأصل – عند محمود – الإطلاق، وما القيد إلا لازمة مرحلية، وانما كان الإطلاق أصلا، لأن محمودا لا يرى لترقي الإنسان حداً يقف عنده، فنهاية العبد – كما يدعي – كمال الرب تعالى الله عما يقول الظالمون علواً كبيراً.

   طباعة 
0 صوت
التعليقات : تعليق
« إضافة تعليق »
اضافة تعليق
اسمك
ايميلك

/500
تعليقك
4 + 3 = أدخل الكود