المعايدة عبر (مواقع التواصل الاجتماعي).. الوجه الآخر للعزلة

عرض المادة
المعايدة عبر (مواقع التواصل الاجتماعي).. الوجه الآخر للعزلة
تاريخ الخبر 22-06-2018 | عدد الزوار 111

الظروف الاقتصادية الطاحنة سلبت العيد إحساس البهجة

البث المباشر عبر الفيس بوك بات كلمة السر في التواصل والمعايدات

سبعيني يتحسر على غياب لمة الحوش الكبير وطعم الشواء في الهواء الطلق

اختصاصية اجتماعية: تفكير الناس في الهم المعيشي صرفهم عن فكرة التواصل

بروف بلدو: الأدوات الجديدة حاولت توفير طرق لا تستوجب قطع مسافات

الخرطوم: معاوية السقا

ما يميز المجتمع السوداني عن سائر الشعوب التداخل المجتمعي والعلاقات الأخوية التي تجمع بين الناس مما جعل المجتمع السوداني من أكثر المجتمعات ترابطًا وتكافلاً، والعيد يعد مناسبة سعيدة للتواصل والتراحم بين الناس لا سيما صلة الرحم التي أوصى بها ديننا الحنيف، وفي هذا الجانب على وجه الخصوص ضرب المجتمع السوداني النموذج الأمثل في تواصله مع الأرحام لا سيما في مناسبات الأعياد .

العيد الجاب الناس

وإذا ما نظرنا إلى واقعنا الاجتماعي بنظرة فاحصة نجد ان الكثير من المفاهيم التي كانت سائدة مضت إلى زوال وحدثت تحولات كبيرة في المجتمع فرضتها الظروف الاقتصادية الطاحنة، فبات جل الناس يتعاملون بواقعية وفقاً للمتاح من إمكانات، وقد ألقت الظروف الاقتصادية بظلالها حتى على العلاقات الاجتماعية بين الناس بما فيها صلة الرحم لأن متوسط دخل الفرد لا يكفي بالكاد تدبير الأمور المعيشية ناهيك عن بند الترحيل الخاص بالتواصل الاجتماعي وصلة الأرحام .

ظروف طاحنة

في هذا الصدد تقول سامية عبد الله المختصة الاجتماعية إن الظروف الاقتصادية تلعب دوراً مهماً في الاستقرار الأسري وتعافي المجتمع وترابطه وكلما ارتفع دخل الفرد شعر بالأمان وبالتالي يرتفع إحساسه بالآخرين. وتضيف سامية: الظروف الطاحنة التي نعيشها الآن ألقت بظلالها على المجتمع وجعلت الكثيرين من الناس ينشغلون ويلهثون وراء الهم المعيشي وتناسوا في غمرة هذا اللهث أهم عادة تميز المجتمع السوداني وهي التواصل، وتؤكد سامية أنها على ثقة أن السواد الأعظم من المجتمع اكتفوا برسائل نصية قصيرة عبر الوتساب دون أن يكلف أحد نفسه أن يصل أحد اقربائه في مكانه .

لحظة عابرة

عمر عبد اللطيف لا يختلف كثيرًا في رأيه عن المختصة الاجتماعية سامية، ويؤكد أن الظروف الاقتصادية حالت دون التواصل بينهم وبين الأهل والأحباب نسبة لارتفاع تكلفة الترحيل، إذ بلغت أجرة الركشة لأقرب حارة قرابة 50 جنيهاً، وهذا أمر لا يقوى عليه الكثيرون.

ويضيف عبد اللطيف: في ظل تكلفة المعيشة العالية وغلاء الأسعار بجانب مجابهة التزامات العيد من كسوة وخبائز باتت الأسر ترتب الأولويات وغابت الكثير من المظاهر التي كانت تميز الأعياد عند السودانيين أهمها التواصل الاجتماعي ومباهج الفرحة والاستعداد المبكر والذبائح وإقامت الولائم والرحلات الترفيهية كلها ظواهر تلاشت بسبب الضغط الاقتصادي وعدم توفر السيولة، لأن التزامات العيد أفرغت الجيوب وجعلت معظم الأسر خالية الوفاض فمر العيد كلحظة عابرة ومعظم الناس اكتفت بالنوم لساعات طوال من جراء الإنهاك واللهث وراء توفير سيولة تعينهم على مجابهة أعباء العيد والتزاماته .

معايدات صامتة

في خضم هذه المعطيات التي فرضها الواقع المرير وتدني مستوى دخل الفرد مع ارتفاع تكلفة مستوى المعيشة اكتفى الكثيرون بالتواصل عبر "السوشيال ميديا" عبر رسائل نصية قصيرة أو مقاطع صوتية أو مكالمات هاتفية مستفيدين من الخدمات التي توفرها شركات الاتصالات وعبر رنين مستمر لهاتفك الجوال ينبهك إلى استقبال رسالة تلو الأخرى من جميع الأصدقاء والأقارب وحتى الأهل يمطرونك بالتمنيات الدافئة تصل عشرات الرسائل النصية والصور المذيلة بمعايدة وترد عليها بالمثل أو لا ترد لكن المؤكد أنك في الغالب لا تنبس بكلمة واحدة ولا يصدر لك صوت ولا حركة ، إذ تكتم الرسائل صخب التواصل مما أفرغ العيد من الكثير من المعاني السامية أهمها زيارة الأهل والأحباب.

صورة مشهدية

وإذا ما عدنا الى الوراء واسترجعنا بعض الصور المشهدية التي كانت تميز الأعياد في السابق تمر في ذهننا الكثير من المشاهد والصور التي تجسد عظمة الشعب السوداني، مشهد الأبواب المفتواحة طيلة أيام العيد لكثرة الزوار القادمين وتوافدهم الذي لا يجعل لك مجالاً لإغلاق الباب، وربما تحتاج عدداً من الكراسي يزيد على حاجتك اليومية، فتستعيرها من جارك ساعة أو ساعتين حتى يرحل الضيوف، وتجد بيتك يعج بالأحاديث التي لن تفهمها دائماً بسبب تشابك خطوط الكلام بين الناس .

الحوش الكبير

في هذا الصدد يقول السبعيني عبد الحفيظ عبد القادر بعد أن نفث زفرات حرى وخنقته العبرة: كل زمن برجالو العيد في زماننا يختلف كثيرًا عما نشاهده اليوم ونحسه، إحساسنا بالعيد كان عالياً، ويستمر هذا الإحساس طيلة أيام العيد كان أهم ما يميز العيد الحوش الكبير الذي يعبر عن الكيان الأسري المترامي الأطراف والمجتمع في مكان معين تتم فيه مناقشة الأمورالاجتماعية المتلعقة بالأسرة، فيما يتعلق بالزواج، أو الطلاق، أو المشاكل الأسرية التي تعترض طريق الأسرة ووحدتها ولمة الحوش الكبير لا تحلو إلا بالأعياد.

شاي العصر

ويضيف العم عبد الحفيظ: العيد في زماننا والعودة إلى الزمن الجميل أمر في غاية الجمال، سواء كان بالشرود الذهني من الجحيم الحالي أو بالحكاوى للأجيال عن سوء حظهم بحرمانهم من تلك اللحظات التي ستظل عالقة في الأذهان، ويقول العم عبد الحفيظ واحدة من مسلمات الأسرة في الأعياد في زمننا أن يأتي الجميع عقب صلاة العيد للحوش الكبير تقوم البنات بدورهن في الحوش الكبير بعملية النظافة والرش تهيئة للمناخ الذي سيعم المكان تقوم النساء بإشعال النيران مبكراً لشواء اللحوم على الهواء الطلق وتكون الأبواب مشرعة، ونحلف على كل المارة بالجلوس لتناول اللحوم لا نضع الصحون الصغيرة بل الصواني الكبيرة، وعليها شرائح البصل وبهاراتها المعروفة، وأشار أن الجميع يأكل ولا صوت يعلو غير الضحكات المتبادلة بين الحضور، والأحاديث الجانبية بين الأسرة سواء مع الخالات او العمات أو الحبوبات، أو زوجات الإخوان أو الأعمام والآباء والأخوات بعدها تكون أجمل اللحظات وهو أمر ثابت ونسميه شاي العصرية الجميع يتناول الشاي وهم في فرحة بلا هموم بلا مشاكل ، فلا مجال للهموم والمشاكل داخل البيت الأسري لأنها تحل على الفور ولا يمسك أحد على الآخر .

قهوة المساء

وواصل العم عبد الحفيظ حديثه بالقول: كان العيد عنوانه السعادة والحب المتبادل، وأتذكر أجمل اللحظات تأتي مساء عقب صلاة العشاء، لمة البن والقهوة لها طعم آخر مع الأسرة وأتذكر أن جدتنا كانت هي التي تتولى أمرها من قلية البن ورائحته التي تسود المكان وهي تقول: "قبل ما تشموا البن ما في زول يقعد مع مرتو اتلخبطوا فكانت عليها الرحمة حكيمة الحوش الكبير قراراتها ملزمة للجميع.

حسرة على الماضي

ويتحسر العم عبد الحفيظ على ما مضى، مشيرًا أن العيد في زمننا الحالي فقد الكثير من المعاني، الكل مهووس بالواتساب ومن المفارقات الغريبة أن الرجل بات يهنئ زوجته عبر الواتساب وهو معها في بيت واحد، وإذا ما قارنا بين التواصل الاجتماعي في العيد بين الأمس واليوم نجد أن الفارق بين المشهدين هو اختلاف الزمن وتغيّر مفهوم التواصل بين الناس فكلما توغلت التكنولوجيا في حياة الإنسان أصبحت هناك وسائط أكثر تربط بين الناس وهي تهدف بالأساس لتسهيل التواصل بينهم وتوفير الوقت والجهد البدني. إلا أنها بدلاً من ذلك، أثرت بشكل مختلف أثار تساؤلات الناس حول حقيقة كونها زادت من التواصل أم رسخت العزلة الاجتماعية .

تعزيز العلاقات

في هذا الصدد يقول بروفسور علي بلدو استشاري الأمراض النفسية والعصبية والخبير النفسي المعروف: في المجتمعات الجماعية يعتبر التفاعل المباشر بين الأفراد أداة أساسية في تعزيز العلاقات بين الأفراد، لتكوّن بالنهاية شبكة علاقات متماسكة ومن هنا يكون للمشاركة أهمية جوهرية لا يمكن للوسائل الوسيطة تعويضها، فالمشاركة بحد ذاتها في الأعياد والمناسبات هي باعث أساسي للمتعة لكن الأدوات الجديدة من التواصل حاولت تغيير مفهوم المشاركة وتوفير طرق جديدة لا تستوجب قطع مسافات.

تفاصيل الحياة اليومية

ويضيف المختص المعروف: لا يمكن إنكار تأثير شبكات التواصل وأدواتها المختلفة على شكل التواصل بين الناس، فبات التواصل أكثر حين يتبادل الناس ويتشاركون تفاصيل حياتهم عبر برامج مثل فيسبوك والوتساب ويسجلون بثاً مباشراً أحياناً وهي نتيجة طبيعية لحالة الغرق المعلوماتي التي تعيشها المجتمعات.

الحفاظ على روح الجماعة

ويؤكد بلدو: في بعض التسجيلات المصورة حاول أصحابها إيصال بعض الرسائل المهمة، تفيد بضرورة أن نحسن طرق تواصل الناس معاً واسترجاع شكل المشاركة الأصلي للحفاظ على روح الجماعة وقوّتها. كما تؤكد فكرة واحدة؛ وهي أن الرسائل النصية التي نرسلها في المناسبات السعيدة أو الحزينة ليست كافية، ولا تشكل بديلاً عن التواصل المباشر الذي يحمل التأثير الأكبر على النفس والعلاقات .

خلاصة القول

وبحسب ما قيل من إفادات نخلص إلى أن "السوشيال ميديا" اختصرت الكثير من المسافات ووفرت الجهد والمال خاصة في ظل الظروف الاقتصادية الطاحنة التي يمر بها المجتمع غير أنها طمست الكثير من الملامح التي كانت تميز المجتمع السوداني في الأعياد لاسيما التواصل المباشر الممزوج بالإلفة والحميمية.

0 صوت
التعليقات : تعليق
« إضافة تعليق »
اضافة تعليق
اسمك
ايميلك

/500
تعليقك
2 + 5 = أدخل الكود