تقارير المراجع العام.. اتهامات بالجملة .. ومتهمون طلقاء اقتصادي: أكثر من 90% من مخالفاتها لم تذهب للعدالة

عرض المادة
تقارير المراجع العام.. اتهامات بالجملة .. ومتهمون طلقاء اقتصادي: أكثر من 90% من مخالفاتها لم تذهب للعدالة
تاريخ الخبر 11-06-2018 | عدد الزوار 1351

قانوني: هناك مخالفات يصعب على القانون معاقبة مرتكبيها

سياسي: تقرير المراجع العام أقصر وسيلة لوضع (الكلبشات)

الخرطوم: إنتصار فضل الله

بالطبع لاتخلو تقارير المراجع العام سنوياً من الإشارة إلى المخالفات المالية والإدارية، وبمبالغ كبيرة تشمل أفراداً أو مؤسسات، لكن القليل منها ما يذهب إلى المحاكم، كما أن بعض التقارير أشارت إلى قروض لم يتحقق المراجع العامة من أوجه صرفها ولا متابعة مصادرها قبل سنوات خلت، مما يطرح تساؤلاً ملحاً حول مدى فاعلية إسقاطات هذه التقارير على صعيد المحاسبة القضائية، فالمراجع العام يتلو بيانه ثم يمضي إلى تقرير جديد في العام الذي يليه، الأمر الذي يجعل من بعض المخالفات وكأنها باتت منسية بالتقادم، (الصيحة) استطلعت خبراء اقتصاديين وقانونيين حول هذه القضية عبر هذا التحقيق:

تجاوزات بالجملة

وحسبما أشار (خبراء اقتصاديون) أن آخر تقرير للمراجع العام اتهم عدداً كبيراً من مؤسسات الدولة بالفساد وأشار حتى إلى مخالفات في وزارة المالية، وحملها المسؤولية باعتبارها الوزارة المنوط بها مراقبة المال العام وتوجيهه، بينما أبان خبراء اقتصاديون لـ(الصيحة) أن المالية تعاقدت مع شركات غير مسجلة وغير مؤهلة أيضاً ولم يحدث أن تعرّضت لمساءلة، وأشاروا إلى ديون لم تسدد وتجاوزات لشاغلي المناصب الدستورية، وتجاوزات في الحج والعمرة وديوان الزكاة والأوقاف، إلى جانب الاعتداءات التي دارت سيناريوهاتها داخل الصناديق القومية، أضف إلى ذلك الشيكات المرتدة وفاقد الضرائب والتضارب في حجم عائدات النفط، وعدم ظهور أموال في الحسابات الختامية فيما يتعلق بالخصخصة، بالإضافة إلى أموال أخرى سددت لمؤسسات حكومية ولم تصلها كاملة، واعتبروا أن الأخطر من ذلك كمية العقودات المبرمة والمبالغ المستلمة لمشاريع تنموية ضخمة لم يتم تنفيذها نهائياً.

طبق من ذهب

ووفقاً لرؤية الخبير الاقتصادي الدكتور الطاهر أحمد الريح أن حجم الفساد الذي مازال مسطراً في مستندات المراجع العام، ولم يتعرَّض المتهمون فيه لمساءلة حتى هذه اللحظة تفوق نسبته (90%)، وأن الجهات العدلية المختصة لم تحقق في الاتهامات التي يتم تقديمها في طبق من ذهب أمام البرلمان، وقال لـ(الصيحة ) إن انتشار ظاهرة الفساد وتغلغلها من مكان إلى مكان آخر وبصورها المختلفة أبرز حجم آثارها السلبية على الاقتصاد والمجتمع بل في نواحي الحياة كافة، بالتالي أصبح يمثل حالة من حالات التفكك التي تعتري المجتمع لتفقده قيمه ومبادءه الإنسانية والأخلاقية، وهو ناتج في المقام الأول من عدم احترام القانون وضعف في المفهوم العام للمواطنة التي كانت لها آثارها المدمرة أيضاً على النواحي الاجتماعية والاقتصادية وهذا ما جعل رؤوس الفساد يتمتعون بالحياة الرغدة.

استفهامات عديدة

استفهامات عديدة طرحها (الريح) حول اختفاء نسبة (50%) من الدعم الاجتماعي لم تصل الأسر الفقيرة وكان المراجع العام قد أشار إليها نهاية العام الماضي، بالإضافة إلى عدم التحقيق في المخالفات التي تمت في عقودات وعطاءات الشراء بالرغم من أن المتورطين فيها مازالوا يستنشقون الهواء في أجواء آمنة، وتساءل: أين ذهبت الأموال التي تم تحصيلها من إيرادات المشاريع الزراعية بالبلاد؟ علاوة على فساد الولايات وعلى سبيل المثال ماحدث في مشروع إنارة الفاشر، والدورة المدرسية بالنيل الأبيض ومياه القضارف وغيرها، واعتبر أن هناك جهات حكومية لها نصيب الأسد في الفساد المالي ولكنها ظلت بعيدة عن المساءلة، ويؤكد أن وجود محكمة للفساد من شأنها أن تعيد الأموال الهاربة بالإضافة إلى ضرورة رفع شعار من أين لك هذا ؟ لكافة المسؤولين بالسلطة دون فرز.

فساد مستتر

الخبير المصرفي عبد القادر محمد في حديثه لـ(الصيحة) يرى إن كثيراً من الفساد المالي ناتج عن استغلال بعض الإداريين الثغرات القانوني والقرارات الإدارية الخاصة بالفساد الأمر الذي يصعب على العدالة أن توقف مرتكبيه بالإضافة إلى الخلل الإداري الناتج من تعيين أشخاص لا يملكون الخبرة والسيرة الذاتية والسلوك الأخلاقي الذي يحثهم على العمل بصدق وأمانة، خاصة عندما يتم تعيينهم في أماكن إدارية حساسة وصاحبة قرار ليسوا أهلاً لها، ومنحهم ثقة زائدة بعيداً عن الرقابة الإدارية وهذا يعتبر نوعاً من الفساد.

وأعطى (عبد القادر) بعض الأمثلة لمؤسسات ارتكبت مخالفات وفساد مالي بحسب تقارير المراجع العام ومن بينها جهاز الجمارك الذي ظل يتحصل رسوماً ضخمة بطرق غير قانونية، تمثلت في رسوم غرامة الموديل ورسوم المخالفة والأجر الإضافي ومبيعات الأرانيك، وتساءل عن أموال المزادات التي تقيمها الجمارك للتخلص من عربات ومهملات بلغت قيمتها ملايين الجنيهات، ودائماً ما يتم توزيعها مناصفة بينها وجهات أخرى دون سند قانوني، كما أشار إلى التجاوزات بالهيئة العامة للحج والعمرة وآخرها كان تحصيل مبلغ( 1،2 ) مليون ريال سعودي من الجميع خلال العام 2016م كاحتياطي للخدمات وأنها لن تورد المبلغ للجهات المعنية في المملكة العربية السعودية، كما لم تقم بإرجاعه للحجاج، مشيراً بأن كل هذه المخالفات لم توضع حتى الآن في دائرة المحاسبة.

إهدار كبير للمال

ومازال الحديث لـ(عبد القادر) الذي أكد وجود إهدار كبير للأموال دون رقابة بالهيئة، مثل تضخم البعثة الإدارية للحج إلى 178 فرداً رغم أن المهام التي تؤديها تقوم بها البعثة المركزية، وأنها قامت بصيانة الفيلا مقر البعثة بجدة وتهيئتها للضيافة بمبلغ 150 ألف ريال سعودي واستأجرت شقة للضيافة بمبلغ 60 ألف ريال وصرف حوافز بمبلغ 490 ألف ريال سعودي بالرغم من صرف استحقاقات البعثة كاملة، وأشار عبد القادر إلى زيادة في المصروفات الحكومية التي وصلت إلى 25% عما كان عليه في العام 2015 بصرف مبلغ 5،69 مليار جنيه ، ووصف عملية ترفيع تذاكر سفر بعض الدستوريين وصرف نثريات إضافية لهم، بدون تصديق مجلس الوزراء بالمخالفات الإدارية، مما يؤكد أن ولاية وزارة المالية على المال العام بها الكثير من الثغرات والعيوب.

توجه خاطئ

المحلل السياسي إبراهيم حمد النيل أرجع المخالفات الإدارية والمالية إلى خلل السياسات المتبعة الأمر الذي فرّخ العديد من العناصر التي سنحت لها فرص التلاعب بموارد البلاد، وأكد أن تقرير المراجع العام الذي يقدَّم بشكل سنوي يعتبر أقصر وسيلة لوضع (الكلبشات) في أيدي الفاسدين ونفض هياكل الدولة والمؤسسات الحكومية منهم، وطالب بضرورة التحقيق في الأموال الطائلة التي تنهب سنوياً ومعرفة مصادر صرفها حتى تكون هناك عدالة في الحساب والعقاب.

منظومة مرتبة

وكان قد كشف المراجع العام في آخر تقرير قدمه خلال شهر نوفمبر العام الماضي عن فساد مالي كبير في عدد من المؤسسات الحكومية، خاصة السيادية منها فضلاً عن زيادة الإنفاق الحكومي بنحو( 25%)، وأضاف أن نسبة الاسترداد بلغت فقط 10% من المبلغ المعتدى عليه، وطبقاً للتقرير فإن الحكومة تساهم في 100 شركة لا توجد لها إيرادات في الموازنة العامة، وأن عدد الشركات المدرجة في الموازنة فقط 20 من جملة 120 شركة حكومية، واعتبر أن هناك جهات حكومية لها نصيب الأسد في الفساد المالي، وأن هناك جهات فيها تعمل وفق منظومة مرتبة وشبكات مترابطة.

مشكلة كبيرة

وحول الأسباب التي تجعل الفساد متجزراً بهذا الشكل أرجعها البروفيسور طارق حسن أستاذ القانون إلى عدم تفعيل القانون خاصة فيما يتعلق بالمحاكمات، ويعتقد أن ضعف تطبيق مواد القانون هي السبب الرئيسي للفساد وهروب الفاسدين من العدالة بجدارة.

قضايا صغيرة !!

ويؤكد طارق أن محكمة الفساد التي تم إنشاؤها مؤخراً لم تبدأ حتى الآن بالنظر في قضايا الفساد الكبرى، فما زال هناك الكثيرون طلقاء، واتفق مع حديث الخبير الاقتصادي (الريح) حول أن الطبقة الفاسدة الكبرى هي الطبقة التي لا يستطيع القانون ملاحقتها، وهناك قيادات نافذة في مختلف القطاعات لم يتم ملاحقتها حتى الآن، وحول الأموال التي تنهب يرى أن هناك مليارات الجنيهات التي تنهب سنوياً خاصة فيما يتعلق بتهريب الذهب وبيع النفط.

وحول دور الفساد في تدهور الاقتصاد يؤكد طارق أنه من الأسباب الرئيسة التي تؤدي إلى نخر الاقتصاد من الداخل وهو أشبه بالسرطان الذي يضرب الجسد فينهكه ثم يقتله وفي الغالب تكون نسبة الإصابة كبيرة جداً، ولا يوجد اقتصاد خالي من الفساد ولكن عندما يصل الفساد إلى نسبة مرتفعة من شأنه أن يقضي على موارد الدولة فهنا يأتي الخوف ويجب أن يعمم القانون ويطبق على الجميع خاصة وأن هناك اتهامات بين أيدي القضاء.

مطالبات ضرورية

إن الشروع في معالجة الفساد بأشكاله كافة، والتخلص من هذه الظاهرة سواءً كانت تتعلق بالفساد الإداري أو الاقتصادي، أو الأخلاقي المتعلقة بالرشاوى أوالنصب أوالاحتيال، كلها تتطلب تطبيق القرارات الصادرة والمضادة للفساد بحزم وبالسرعة المطلوبة، لتكون القوانين والجزاءات الصارمة في انتظار المتهمين، وعلى الجانب الآخر يجب قيام الإعلام بواجبه بدون خوف بحسب ما اتفق عليه الخبراء.

0 صوت
التعليقات : تعليق
« إضافة تعليق »
اضافة تعليق
اسمك
ايميلك

/500
تعليقك
6 + 5 = أدخل الكود
روابط ذات صلة