ما لا نعرفه عن الطيب صالح

عرض المادة
ما لا نعرفه عن الطيب صالح
935 زائر
09-06-2018

لم أكن أعرف شيئاً عن تدين الروائي الكبير الطيب صالح إلا بعد قراءة مقال صديقه الأديب الأريب عبدالله الناصر بالرغم من أني كنت أتابع بعض ما ينشر من خواطره الأدبية الرائعة في الصفحة الأخيرة من مجلة (المجلة) فقد كشف لي الناصر شيئاً من تدين عميق سكن ذلك القلب الكبير ورأيت أن أشرككم في الاستمتاع بهذه الخاطرة الرمضانية التي حكيت عن الطيب صالح عقب أدائه صلاة التراويح خلف قارئ للقرآن شجي الصوت اهتز له الطيب كما نهتز نحن هذه الأيام بصوت الشيخين الحافظين المجيدين الزين ونورين .

من ذكريات رمضان (عندما بكى الطيب صالح)

تلقيتُ دعوة من وزارة الثقافة السودانية للتحدث عن ذكرياتي مع الطيب صالح - رحمه الله - وقد تأثرت للدعوة الكريمة من وزارة كريمة، وتأثرت أكثر لإحياء حزن الطيب صالح في قلبي وذاكرتي، فقد كان أثيراً عزيزاً سافرت معه إلى مؤتمرات، أدبية كثيرة، وذهبنا سوية إلى بلدان كثيرة، ورحلنا إلى الصحراء معاً في أثر شاعر الصحراء الأول ذي الرمّة، وفي ليالي رمضان في لندن كنا نلتقي.. وأذكر أننا كنا نقيم حفلة إفطار، كنت أدعو لها بعض الأدباء العرب، والسعوديين والعاملين بالمكتب. وكنا- عادة - نحول تلك الليلة إلى ليلة أدبية رمضانية تمتد أحياناً إلى قبيل الفجر، وكان الطيب صالح - رحمه الله - يستمتع بهذه الليلة، وكان يتحدث فيها عن ذكرياته الرمضانية بشجن وكان يصغي إلى أحاديث الآخرين بشغف..

أذكر أننا في إحدى السنوات أحيينا ليلة ممتعة عن شخصيتين عظيمتين هما عبدالله بن عمر وعبدالله بن العباس رضي الله عنهما، وقد شارك في تلك الليلة من الأخوان السعوديين الصديق الدكتور الإعلامي محمد صبحي والصديق الدكتور محمد الماجد.. كان الطيب صالح محباً لعبدالله بن عمر، وكان يكتب عنه حلقات في مجلة المجلة.. كان معجباً بتقوى ابن عمر وزهده في الدنيا، والإعراض عنها رغماً عن مكانته العظيمة في نفوس الناس، فقد رفض القضاء وعندما حاول عثمان رضي الله عنه أن يوليه هذا المنصب، أبى إباء شديداً جعل الخليفة عثمان يغاضبه، وعندما قتل عثمان طلب إليه كثير من الصحابة أن يبايعوه بالخلافة، فرفض ذلك.. وكان زاهداً في المال مع أنه كان يتعاطى التجارة، ولكن ريعها كان يذهب لله والمسلمين.. وكان الطيب يحكي ما رواه أبو أيوب الراسبي من أن تجارة لابن عمر ربحت ذات مرة أربعة آلاف درهم، وفي الصباح وجدوا ابن عمر يستدين علفاً لراحلته لأنه فرق تلك الدراهم كلها في ليلته تلك على فقراء المسلمين، حتى إن رجلاً وقف وسط السوق وأخذ ينادي: يا معشر التجار «ما تبتغون من الدنيا وهذا ابن عمر أتته الدنيا ليلاً ثم أصبح يستدين علفاً لراحلته»؟!!

وكان الطيب معجباً بابن عباس معجباً بذكائه، وفصاحته وسرعة بديهته، وحسن تخلصه، وتفقهه، وغزارة علمه، فقد كان حِبر الأمة، إلى جانب شاعرية ابن عباس أديباً حافظاً للشعر وأيام العرب، وكان شديد التسامح في إلقاء الشعر، والتحدث به وعنه فقد كان يلقي قصائد عمر بن أبي ربيعة في المسجد، وكانت له أحاديث معه ومع الحطيئة وكثير من الشعراء، وكان الطيب يقول في معرض حديثه إن قومه ينتسبون إلى بني العباس وهم فرع يقال لهم «الخضر» نسبة إلى رجل يلقب بالأخضر كناية عنه أنه أسمر اللون وكانت العرب تطلق على الأسمر أخضر، وأن هذا الرجل من سلالة العباس رضي الله عنه وأنهم رحلوا من أرض الحجاز واستقروا في السودان أيام الفتوحات الإسلامية..

وأذكر أنه ذات مرة صلى" معنا الطيب صلاة التراويح حيث كنا نقيمها في المكتب في منطقة «بالجريفيا» حيث إن كثيراً من السفارات الإسلامية والمكاتب الثقافية تقوم هناك.. وقد طلبوا إقامة الصلاة لدينا.. وكان يؤمنا آنذاك الأخ الصديق الدكتور إبراهيم السعدان وكان طالباً يحضّر لشهادة الدكتوراه.. وكان صوته عذباً جميلاً، وله رونق خاص.. ولقد كان حينها نحيلاً، نحيفاً، أسيفا.. فلما قضينا الصلاة.. التفت إليّ الطيب صالح وقال: يا أخي لست أدري ذكّرني هذا الشاب بعبدالله بن مسعود رضي الله عنه، هكذا والله تخيلته.. ثم أمسك بيدي، وحدّق في وجهي ، وكأنه يستقرئ شيئاً، أو يتذكر شيئاً..!! ثم قال: ألم يكن مكتبكم هذا مكتباً لرئيس وزراء بريطانيا ونستون تشرشل، ذلك الصهيوني المتعصب في صهيونيته؟ قلت بلى كان مكتباً له، وتسلم وزارته هنا.. قال: ما ظنك لو أنه قام من قبره، وسمع هذا الشاب يقرأ القرآن في مكتبه!! ألن يقول ما قاله أبو جهل وقد اعتلى ابن مسعود صدره، وأخذ يحزّ رقبته بسيفه فقال: لقد ركبت مركباً صعباً يا رويعي الغنم..! ثم ذرفت دمعة من عين الطيب صالح..!!

قد يقول قائل إنك لتكاد تجعل من الطيب صالح قديساً، مع أن ذلك لا يظهر عليه، ولا في رواياته بالشكل الذي تصوره!! وأقول: أشهد أن الطيب كان عميق الإيمان، عميق الإحساس بالله، معتزاً بتاريخه، معتزاً بعروبته، معتزاً بتراثه وبثقافته العربية إلى أبعد الحدود، ولقد كان مؤمناً حقاً ولكنه ذلك الإيمان الشفيف الرهيف، الذي قد لا تراه في المظهر ولكنه يذهب إلى أعماق، أعماق الروح. أذكر أنه طلب إليَّ مرة أن أذهب به إلى قبور شهداء معركة اليمامة من الصحابة والحفاظ في منطقة الجبيلة وذهبنا سوياً، ووقف يدعو طويلاً ويبكي طويلاً، وقد كتب عن تلك الرحلة في مجلة المجلة..

رحم الله الطيب صالح فقد كان أديباً نادراً وعربياً نادراً ومؤمناً صادق الإيمان وكان رجل أخلاق وشمم.

   طباعة 
1 صوت
التعليقات : تعليق
« إضافة تعليق »
اضافة تعليق
اسمك
ايميلك

/500
تعليقك
2 + 8 = أدخل الكود