إنها الردة والانتكاسة

عرض المادة
إنها الردة والانتكاسة
552 زائر
06-06-2018

نتيح هذه المساحة اليوم للمحامي الضليع الأستاذ الصديق يونس إبراهيم وهو يتناول مسودة قانون التعديلات المتنوعة وهو قانون في نظره يمثل ردة وانتكاسة في مسيرة تحقيق العدالة، فلنقرأ سويًا ما جاء في رسالته:

لقد علمنا من خلال الإعلام؛ بأنَّ هنالك قانوناً قد صدر باسم قانون التعديلات المتنوِّعة، وقد قُدِّمت بشأنه محاضرة بواسطة مولانا عوض حسن النور وزير العدل السابق بدار نقابة المحامين بالخرطوم. ومن ضمن ما جاء في هذا القانون إلغاء مرحلة المراجعة لأحكام المحاكم العليا، وقد اعتُبر ذلك إنجازاً تأسيساً على أنَّه سيُسرِّع من حسم القضايا بطريقة ناجزة وسريعة.

ولعمري أنَّ هذا التَّعديل الخاص بإلغاء المراجعة لأحكام المحاكم العليا يمثل خطراً بيناً على تحقيق العدالة، لأنَّ مرحلة المراجعة قد كشفت من خلال التَّجربة والممارسة أنَّ هناك أحكاماً كثيرة صدرت من المحاكم العليا وكانت مخالفة للقانون وأحكام الشَّريعة الإسلاميَّة. وأنا هنا لا أُلقي القول جزافاً؛ وإنَّما أتحدَّث عن تجربة من خلال العمل في دوائر المحكمة العليا لمدة عشر سنوات، وأيضاً من خلال ممارستي لمهنة المحاماة لمدة تربو على خمس وثلاثين سنة.

ولقد وقفتُ على كثيرٍ من الأحكام الصَّادرة من المحاكم العليا والتي تمَّ إلغاؤها بواسطة دوائر المراجعة في المحكمة العليا، وفي ضوء هذه الأحكام التي أشرت إليها فإننَّي لا أرى أي مبرر قانوني لإلغاء مرحلة المراجعة بالنِّسبة للأحكام الصَّادرة من المحاكم العليا، خاصَّة وأنَّ الطريق لمرحلة المراجعة ليس طريقاً سالكاً وسهلاً، حيث أنَّه طريق استثنائي وليس حقا أصيلاً كالاستئناف والطعون، وهو حقٌّ مُقيَّد حيث أنَّه لا يُقبل طلب المراجعة إلا بعد التَّدقيق الشَّديد والتَّمحيص لأنَّ الأحكام الصادرة من المحاكم العليا لا تخضع للمراجعة إلا إذا كانت تلك الأحكام قد جاءت مخالفة للقانون وأحكام الشَّريعة الإسلاميَّة.

ومن الملاحظ أنَّ أحكام المحاكم العليا غالباً ما تأتي مشتملة على حيثيَّات من قاضي المحكمة العليا الذي يُحرِّر الرأي الأول، ويوقِّع عضوا المحكمة العليا الآخَرَان من الدائرة بعبارة أوافق دون سرد أي حيثيَّات وأسباب لتلك الموافقة للرأي الأول وهذا ما يقدح في تلك الأحكام الصَّادرة من المحاكم العليا .

وقد سبق أن كتبتُ مقالاً قبل سنوات في الصحف تناولت فيه الطريقة التي تصدر فيها الأحكام من المحاكم العليا وقدمتُ مقترحاً بأن يحرِّر كل عضو في المحكمة العليا رأيه ويحتفظ به قي سريَّة تامَّة، ويلتقي أعضاء المحكمة العليا في نهاية المطاف للمداولة، وهذه الطريقة بنظري هي الطريقة المثلى لتحقيق العدالة، حيث أن كل قاضٍ من قضاة المحكمة العليا في الدائرة الثلاثية لن يكون متأثراً بما حرَّره القاضي الذي كتب الرَّأي الأول، كما أنَّ هذه الطريقة التي قدَّمتها كمقترح تضمن أنَّ قاضي المحكمة العليا قد وقف على ملف القضيَّة واطَّلع عليه بطريقة تُحقِّق العدل المنشود والإنصاف والسوية المطلوبين.

وفي هذا الشَّأن فقد علمت بأنَّ القانون لم يُعرض بعد على المجلس الوطني، وهذه سانحة تدعوني بأن يناقش أعضاء المجلس خاصةً الذين لهم إلمام ومعرفة بالقانون أن يُخضعوا هذا القانون للمداولة والنِّقاش المستفيض لأنَّ إلغاء مرحلة المراجعة تمثل في رأيي ردَّة في العدالة ورجعة للوراء وانتكاسة وخطراً ماحقاً، وسيتضَّح ذلك من خلال الممارسة التي تترتَّب على هذا التَّعديل. وإزاء ما تقدَّم فإنني ألتمس من أعضاء المجلس الوطني أن يُسقطوا هذه المادة من قانون التَّعديلات المتنوِّعة الخاصَّة بإلغاء مرحلة المراجعة لأحكام المحاكم العليا...

الصـديق يونـس إبراهـيم

المحــامي .. ســنار

   طباعة 
0 صوت
التعليقات : تعليق
« إضافة تعليق »
اضافة تعليق
اسمك
ايميلك

/500
تعليقك
7 + 2 = أدخل الكود
روابط ذات صلة
روابط ذات صلة
المادة السابقة
المواد المتشابهة المادة التالية
جديد المواد
جديد المواد
الغبن المكتوم - أحمد يوسف التاي
إعلام العمل الطوعي - أحمد يوسف التاي
حالة توهان - أحمد يوسف التاي
في ما عدا ذلك أنت حر - أحمد يوسف التاي
الحصانات - أحمد يوسف التاي