الدروشة

عرض المادة
الدروشة
393 زائر
04-06-2018

الدهاء والمكر متلازمتان من متلازمات السياسة، ونقيضهما النوايا الحسنة والعفوية...والعفوية لا تصلح في السياسة فلابد من دهاء سياسي لإدارة الشؤون السياسية، والدهاء المطلوب في حده الأدنى هو الفطنة وحسن التدبير والرشد، وإعمال كل ذلك وتسخيره للمصلحة العامة لا الخاصة.

و"العفوية" الممقوتة في إدارة الشأن السياسي والشؤون العامة في الدولة لن أجد لها تعريفاً وتوصيفاً أدق مما جرى على لسان والي الخرطوم الفريق عبد الرحيم قبل أيام إذ قال إن ولايته (ماشة بالبَركة ساي)...والله يا عم عبد الرحيم ليست ولايتك وحدها كل السودان ماشي بـ "البَرَكة" والمشي بالبركة في الاصطلاح هو: ترك الأمور لتمضي دون تخطيط أو تدبير أوتَدبُر أو تدخل .. ويقابل ذلك في العامية أيضاً: " خليها على الله" محل ما تمشي ترسي".

نستطيع القول أيضاً إن السياسة السودانية منذ الاستقلال كانت تُدار بـ (العفوية) وحسن النوايا التي أشرت إليها في بداية حديثي، واستمرت تلك الحالة منذ حكومة الأزهري إلى انقلاب الجبهة الإسلامية الذي دبره الدكتور حسن الترابي، حيث تقلبت الأنظمة التي حكمت البلاد من الأيدولوجيا إلى البراغماتية. وأما العفوية التي كانت تدار بها البلاد فيكفي فقط أن نشير إلى الحديث الذي أدلى به وزيرالدولة بالإسكان الأسبق عمر حضرة حينما تحدث عن "المرأة" التي جاءت للشريف حسين الهندي وأخبرته بأمر التخطيط لانقلاب نميري وما كان يدور من اجتماعات سرية لإحكام خطة الانقلاب في منزل جارتها، وقد تعامل الهندي والأزهري مع الأمر بعفوية شديدة، وتجاهل تام، وما كانت إلا أيام قلائل حتى سمعوا بعدها (المارشات) وتحول حكام السودان بعد نجاح الانقلاب إلى مشردين ولاجئين وسجناء بسبب "العفوية" التي أداروا بها البلاد أمنياً، والشيء نفسه حدث مع الصادق المهدي عندما كشف له مدير أمنه العميد عبد الرحمن فرح تحركات (الإنقاذ) حيث تجاهل الأمر وتعامل معه بـ "عفوية" شديدة، وقال لمدير أمنه: "أنا متأكد ما حيقوم أي انقلاب "..وكان قبل ذلك تُنزع (الإبر) من الدبابات وتوضع في مكان ما بمكتب وزير الدفاع ورئيس الوزراء الصادق المهدي للحيلولة دون الانقلابات، فما أغنى عنهم ما كانوا يفعلون.

في تقديري وبناءً على كثيرٍ من المعطيات والملاحظات المتطابقة يمكن القول إن بلادنا ما زالت تُدار بـ "العفوية" وخبط العشواء والزهد في التخطيط السليم والمناهج العلمية، ولعل هذه واحدة من روافد الفشل والتخبُّط و"الدروشة" التي مازالت تغذي أزمات البلاد.. اللهم هذا قسمي فيما أملك.

نبضة أخيرة:

ضع نفسك دائماً في الموضع الذي تحبُّ أن يراك فيه الله، وثق أنه يراك في كل حين.

   طباعة 
0 صوت
التعليقات : تعليق
« إضافة تعليق »
اضافة تعليق
اسمك
ايميلك

/500
تعليقك
1 + 2 = أدخل الكود
روابط ذات صلة
روابط ذات صلة
المادة السابقة
المواد المتشابهة المادة التالية
جديد المواد
جديد المواد
هذه أولاً يا سيادة الرئيس - أحمد يوسف التاي
صلاة الفجر، أم الرغيف؟ - أحمد يوسف التاي
صناع الجهل - أحمد يوسف التاي
ما بتاكل خليك برا - أحمد يوسف التاي