القِدَّة عطشانة!!

عرض المادة
القِدَّة عطشانة!!
282 زائر
01-06-2018

طبعاً بتاعين نمرة اثنين؛ ما "ح يكونوا" عارفين معنى "القِدَّة" يعني شنو.. رغم أنهم سمعوا بها كثيراً في أغنية الفنان كمال ترباس التي تقول: "يا أخوان البنات القِدَّة عطشانة.. بتدور الرجال البحملو بُطَانَة.. والبجري نسيبتو ومرتو طلقانة.. ونسيبة البجري"..

وقبل أن ندخل في موضوعنا نقول إن "القِدَّة" هي الحبل المصنوع من الجلود سواء أكانت جلود البقر أم جلود الجِمال.. وهناك الكثير من القرى والأرياف السودانية تستعمل "القِدَّة" في عملية نسيج العناقريب.. وقد تطور الأمر لاحقاً الى الحبال المصنوعة من السَعَف، ولاحقاً جداً من الحبال المصنوعة من البلاستيك.. وربما سمع الكثيرون عن "القِد والقَدِيد" وبينما يُسمى الحبل المصنوع من الجِلد بالقِدِّ يسمى اللحم المجفف والمصنوع في شكل شرائح طويلة بالقَدِيد.. وقد ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال "إنما أنا ابن امرأة من قريش كانت تأكل القَدِيد".. فالقَدِيد هو "الشرموط" المعروف عندنا بالسودان، والمقصود به شرائح اللحم المنشفة والمجففة لمدة طويلة، تجعلها تفقد الرطوبة، وتظل متماسكة ومحتفظة بفائدتها الغذائية لفترة طويلة جدا.. وقد ذهب أهل المدن في أيامنا هذه الى تسمية لحم الفخدة حتى بعد فرمها "بالشرموط" مع أن الشرموط هي اللحم المعمول في شرائح وليس المفروم.. أما "القِدَّة" العطشانة الواردة في أغنية الفنان كمال ترباس ــ ولا أعرف من هو شاعرها ــ فالمقصود بها السوط الذي يستعمل عند "العرب" في جَلْدِ الناس أو جَلْدِ البهائم أو يستعمل كأداة للتخويف أو كسلاح فعال.. وهناك بعض الفئات من الناس والقبائل لديها عقدة "فوبيا" من السوط أكثر من أي سلاح آخر حتى لو كان سلاحاً نارياً.. وعندما تكون القِدَّة عطشانة، فهذا يعني أنها تطلب أن تلهب ظهور الفتيان الذين يتحمَّلون "بُطَانها"، والبُطَان هو نوع من المبارزة والمنافسة بالجَلْدِ بالسوط.. ولا أدري إن كانت هذه العادة ــ عادة البُطَان ــ قد جاءتنا من العرب أم أنها وليدة لثقافتنا المحلية.. على كل حال هذه العادة الآن محصورة تقريباً في منطقة الجعليين الواقعة ما بين الخرطوم ومنطقة بربر، وقد ترحل معهم أينما ذهبوا في بلاد السودان، ولعل بعض أهل العلوم الاجتماعية قد يجدون الدوافع النفسية والاجتماعية التي تجعل أهلنا هناك يُعرِّضون أنفسهم للضرب بالسوط أو القِدَّة عند الاحتفال في دارة الدلوكة.. وعندهم أن من يرغب في الحصول على "الشَبَّال" من إحدى الراقصات في الحفل فعليه أن يتحمَّل شر هذا الشَبَّال. ويقولون في ذلك المثل الجعلي المشهور "الشَبَّال بي شرو".. وهذا يقابل القول العربي "الغنم بالغرم" فأنت لن تحصل على شيء كويس إلا إذا قابلته بدفع قيمته.. والبعض يقولون إن عادة البطان هذه ما هي إلا ظاهرة من ظواهر تعذيب الذات ويسمونها في علم النفس"الماسوشية" MASOCHISIM، وتقابلها من الناحية الاخرى ظاهرة السادية SADISIM ويقولون إن هذه العادة ربما أُخذت من ممارسات بعض الطوائف الدينية التي تذهب الى درجة تعذيب الذات وجَلْدها وتجريح الوجه والصدر، عقاباً لذواتهم على تقصير أدوه في حياتهم تجاه زعماء أو حكماء دينيين كانوا قد فرطوا في حمايتهم، مما جعلهم يحتفلون بأعيادهم في شكل جَلْد للذات وتعذيب للنفس.. كما يحدث عند بعض مذاهب الشيعة.

وربما نلاحظ أن كثيراً من المدن قد اختفت فيها ظاهرة الضرب بالسوط إلا في أحيان نادرة ولأغراض العَرْضِ فقط، وقد استبدلت الظاهرة "بالعرضة" والتنطيط وسط الأهازيج الحماسية.. وصار الناس "ينططوا" نسوان ورجال ولا يجدون من يخرج عليهم بالسوط.. ومن المؤكد أن في استعمال الجَلْد بسوط العنج اسكاتاً وكتماً لكثير من الذين يدخلون الى دائرة الحفل ويخربون انتظامه.. خاصة إذا كان هؤلاء الشبان "مبسوطين شوية" فالجَلْد يقلل من عدد الذين تدفعهم "الهيجة" والانبساط، ولا يدخل في دائرة الحفل إلا من يستطيع أن يدفع ثمن دخوله في شكل عشرين جَلْدة بسوط العنج حتى يتقطع لحمه وتنزف دماؤه.. وهذا يا أولادنا معنى "القِدَّة عطشانة".. أما حكاية "النسيبة" فهي معروفة في كل السودان.. وخاصة في دارفور، فالنسيبة محترمة جداً، ومن قبائل دارفور من لا يذكر اسم نسيبته أو يأكل معها أو يسلم عليها وهو واقف، وعندنا في نهر النيل إذا قال لك أحدهم "نسيبتك" فهذا الرجل قد وصل معك حداً بعيداً في الشتم والسِباب.. وإذا هربت أو جريت او "زغت" قالوا لك "نسيبتك" وأضافوا لها أن "مرتك طلقانة".. ويبقى أن نسأل اخواننا المتخصصين في علوم الاجتماع وعلم النفس أن يقوموا بدراسة موضوع "البُطَان" والقِدَّة العطشانة.. ومَرَتَك الطلقانة..

   طباعة 
0 صوت
التعليقات : تعليق
« إضافة تعليق »
اضافة تعليق
اسمك
ايميلك

/500
تعليقك
7 + 2 = أدخل الكود
روابط ذات صلة
روابط ذات صلة
المادة السابقة
المواد المتشابهة المادة التالية
جديد المواد
جديد المواد
الشيَّة في العيد !!؟ - د. عبد الماجد عبد القادر
حلاوة قطن!! - د. عبد الماجد عبد القادر
الفساد (خَشُم بيوت)!! - د. عبد الماجد عبد القادر
الأول مشترك - د. عبد الماجد عبد القادر
حبل المهلة يربط ويفضِّل - د. عبد الماجد عبد القادر