زواج القاصرات الفرح الملغوم واغتيال البراءة

عرض المادة
زواج القاصرات الفرح الملغوم واغتيال البراءة
تاريخ الخبر 01-06-2018 | عدد الزوار 596

تم خداعها بأن زواجها تمثيلية فلقيت حتفها في اليوم التالي

كيف تحدَّت تهاني الفقر وأغلقت الباب في وجه المليونير العجوز

بلدو: زواج القاصرات اعتداء جنسي على الأطفال

سقطت من أعلى بناية بعد أن اكتشفت استحالة الحياة مع رجل يكبرها في السن

ياسمين: وجدت نفسي طفلة وزوجة أحمل على كتفي أعباء جمَّة

حكايات يرويها: معاوية السقا

عرف الإنسان الأول زواج صغيرات السن منذ عصور ما قبل التاريخ، وكما يبدو ذلك جلياً من النقوش على جدران الكهوف، استمر الأمر على هذا الحال حتى في عصور الإمبراطوريات الشهيرة مثل الرومانية والفارسية والبيزنطية وعصور المغول، وفي خلال عهود الظلام في أوربا، وامتد الأمر ليشمل رقعة واسعة من العالم. نسبة للتوارث وولاية العرش فقد عهد لمجموعة من الصغيرات باعتلاء سدة الحكم ولو صورياً خاصة في عهود المماليك ولذلك كان يتم تزويجهن باكراً. وقد اعترض على ذلك عدد من عقلاء الملوك مثل الظاهر بيبرس البندقداري وقطز وقلاوون. وفي العهد الجاهلي كانت الفتيات يقتلن ويوءدن ولذا كان أمر زواج القاصرات يعتبر ترفاً.

جزء من المنظومة

والسودان كجزء من المنظومة العالمية عرف من خلال الحقب المختلفة زواج القاصرات منذ مملكة نبتة والممالك المسيحية ومروراً بالحكم التركي والمصري والإنجليزي وعطفاً على مملكة سنار وعصر المهدية، وخلال الحقب الوطنية وإلى هذه اللحظة.

لم يكن التغزُّل في الفتيات الصغيرات عيباً ولا حراماً في نظر الكثيرين بل إن الكثير من عيون شعر الحقيبة وأغاني الرواد قد تم نظمها في طفلات بالمعنى الحقيقي للطفلة ومن أمثلة ذلك:

(يا نعيم الدنيا)

(غضبك جميل شكلك بديع)

لكن كمان جنوا النصاح

ومن الغناء الشعبي:

متين لبستي التوب

كبرتي علي أنا

وغيرها من الأغنيات الكثيرة جدا.

تجربة شخصية

لم تجد ياسمين أدنى حرج وهي تسرد تجربتها الخاصة وتفاصيل معاناتها جرّاء زواجها المبكر قبل عشرين عاماً، وهي لم تكمل حينها الرابعة عشرة من عمرها وفي محاولة لإيصال رسالة للفتيات والأسر بخطورة هذا الزواج الملغوم وتبعاته في إلحاق الظلم بحق الطفولة، وقتل الأحلام البريئة روت ياسمين تفاصيل زواجها برجل يكبرها بـ 23 عاماً وهي ما تزال في الصف الثامن.

أحلام مشروعة

تقول كنت متفوقة في المدرسة وكان لدي كثير من الصديقات اللواتي ما زلت أذكرهن حتى الآن، وكنت أحلم أن أدخل الجامعة مثل أي فتاة أخرى ولم أكن أتمتع آنذاك بنضج فكري يؤهلني لاتخاذ قرار مصيري كالزواج، غير أن شاباً تقدم لخطبتي في ذلك الوقت، وبتشجيع من والدي وإخوتي للعريس وافقت على مضض.

طفلة وزوجة

وتضيف ياسمين لعبوا بعقلي وأقنعوني به ولم أعرف حينها ماذا أقول لأجد نفسي طفلة وزوجة تحمل على كاهلها أعباء جمّة لم يستطع صغر سني استيعابها.

ومما شجع ياسمين أكثر على فكرة الزواج كما تقول، الأفلام والمسلسلات التي كانت تصور جمال الحياة الزوجية وخلوها من المشاكل، من دون التركيز على المسؤوليات الكثيرة، التي بالكاد تستطيع أن تقوم بها الزوجة الناضجة، والتي تدرك تحمل مسؤولية بيت وأسرة.

قفص حديدي

وتتابع "وافقت على الزواج ودخلت (القفص الحديدي)، الذي تطلب مني عملاً متواصلاً لخدمة بيتي وزوجي، وعند إنجابي الطفل الأول، ازدادت الضغوطات عليَّ، ولم أعد أعرف من أين أبدأ ومن أين أنتهي، وشعرت أنني تائهة، لا أدرك كيف أتصرف وما تزال ياسمين تشعر بغصة كبيرة، وهي ترى صديقاتها قد تقدمن في دراستهن، وحصلن على الشهادات الجامعية، وتضيف "صديقاتي يحملن الآن شهادات عليا في الطب والهندسة، واستفدن من تجارب الحياة أكثر مني، وأنا لم أتعلم سوى تنظيف المنزل ورعاية الأطفال.

عدي فات

وتردف عمري الآن 34 عاما، وزوجي 58 عاماً، وابني الكبير في الجامعة، وهذا يشعرني بأنني أضعت سنوات عمري التي مرت سريعاً، ولم أعش طفولتي البريئة.

ومن واقع تجربتها، ترجو ياسمين من الأسر رفض تزويج بناتهم في أعمار صغيرة، حتى وإن وافقت الفتاة على ذلك، فهي لا تدرك مصلحتها في هذا العمر، ولن تستطيع تحمل مسؤوليات ما تزال صغيرة عليها. وتدعو إلى عدم المقارنة بين النساء اللواتي تزوجن في عمر أقل من ذلك، واستطعن تحمل المسؤولية وأعباء الحياة وتربية الأبناء، مبينة أن الحياة اختلفت، ولا تستطيع فتاة اليوم، تحمل الأعباء نفسها التي كانت النساء في الماضي يتحملنها.

رفض بات

وترفض ياسمين الآن، تزويج ابنتها البالغة من العمر 17 عاماً، ولا تتصور أن تخوض هذه الطفلة بنظرها التجربة ذاتها، بعد أن ذاقت سلسلة من المرارات عبر عشرين عاماً، وتؤكد لن أقبل تزويجها، إلا بعد أن تنهي دراستها الجامعية، لتصبح قادرة على الاختيار بعقل وفكر ناضجين، وعندما أجد بأنها مستعدة لخوض تجربة الزواج، سأقوم بتوجيهها ومساعدتها.

راية التحدي

صدمة كبرى تلقتها القاصر

تهاني بعدما أخبرتها والدتها بأن عبد الجبار الرجل الثري يرغب في الزواج منها فما كان منها إلا أن ترفض وبشدة الزواج من رجل عجوز، كهذا تهاني كانت مندهشة عندما تزوج ذات الرجل من أميمة ذات الأربع عشر ربيعاً ولم تكن تتخيل أن يأتي الدور عليها لتكون هدفاً لنزوات الرجل العجوز الثري ولكنها رفعت راية التحدي والعصيان في وجه والدتها وتمسكت برأيها الرافض للزواج وهي ما تزال في سن صغيرة برغم كل ما تلاقيه من تعذيب وضرب من قبل والدتها لإجبارها على الموافقة.

تأخر الإنجاب

وبحسب البروفسور الحسن محمد استشاري أمراض النساء والتوليد أن زواج القاصرات يؤدي إلى اضطرابات الدورة الشهرية وتأخر الحمل، هذا بجانب الآثار الجسدية (تمزق المهبل والأعضاء المجاورة له من آثار الجماع) وازدياد نسبة الإصابة بمرض هشاشة العظام إضافة إلى أمراض مصاحبة لحمل صغيرات السن من أبرزها حدوث القيء المستمر عند حدوث الحمل لدى صغيرات السن وفقر الدم والإجهاض حيث تزداد معدلات الإجهاض والولادات المبكرة وذلك إما لخلل في الهرمونات الأنثوية أو لعدم تأقلم الرحم على عملية حدوث الحمل ما يؤدي إلى حدوث انقباضات رحمية متكررة تؤدي لحدوث نزيف مهبلي والولادة المبتسرة (المبكرة) وارتفاع حاد في ضغط الدم قد يؤدي إلى فشل كلوي ونزيف وحدوث تشنجات وزيادة العمليات القيصرية نتيجة تعسر الولادات في العمر المبكر، وارتفاع نسبة الوفيات نتيجة المضاعفات المختلفة مع الحمل وظهور التشوهات العظمية في الحوض والعمود الفقري بسبب الحمل المبكر، وكشف بروف الحسن عن وجود آثار على صحة الأطفال منها اختناق الجنين في بطن الأم نتيجة القصور الحاد في الدورة الدموية المغذية للجنين والولادة المبكرة وما يصاحبها من مضاعفات مثل: قصور في الجهاز التنفسي لعدم اكتمال نمو الرئتين واعتلالات الجهاز الهضمي وتأخر النمو الجسدي والعقلي وزيادة الإصابة بالشلل الدماغي والإصابة بالعمى والإعاقات السمعية والوفاة بسبب الالتهابات.

آثار نفسية وجسدية

وتعدد نهال الباحثة الاجتماعية الآثار النفسية والجسدية الناجمة عن زواج القاصرات، وتقول في هذا الصدد يتسبب زواج القاصرات في أضرار نفسية وجسدية عند الطفلة المتزوجة، كما ينطوي هذا الأمر على مخاطر نفسية وجسدية تهدد صحة أطفال الأمهات القاصرات. أما عن الجانب الصحي البدني للطفلة المتزوجة، فإن زواج الطفلة يتسبب في معاناتها من الحرمان العاطفي من حنان الوالدين، والحرمان من عيش مرحلة الطفولة، مما قد يؤدي إلى حدوث ارتداد لهذه المرحلة في صورة أمراض نفسية. ويمكن للقانون أن يحد من كل هذه الآثار ويتغلب على العادات المترسخة لدى سكان بعض القرى، بتوفير برامج التوعية والتثقيف، عن طرق محاربة الأمية لتفسير مدى خطورة الزواج على الطفلات دون سن الزواج، أو غير المؤهلات بدنياً للمعاشرة الزوجية وما يترتب عنها من حمل ومسؤوليات. كما أنه يؤدي إلى نتائج صحية واجتماعية خطيرة، لذلك لا بد من تكثيف الجهود الدولية والوطنية للحد من هذه الظاهرة، وذلك بإصدار قوانين تمنع الزواج المبكر والحد من الدوافع التي تتسبب في هذه الظاهرة.

اعتداء جنسي

ولتشريح الظاهرة بشقيها النفسي والاجتماعي جلست للبرفيسور علي بلدو استشاري الأمراض النفسية والعصبية الذي ابتدر حديثه بقوله: قبل أن أدلف إلى تشريح الظاهرة لابد من إضاءات حول نظرة المجتمع السوداني للمرأة قاصراً كانت أم لا، حيث تعاني المرأة في مجتمعنا من عدة إشكاليات أهما التمييز ويبدأ التمييز السلبي منذ لحظة الولادة وكثيراً ما تتلقى الفتيات كلمات ترغب في التخلُّص منهن بالزواج مثل ( يحلها الحلا أمها و( ربنا يخارجهن ليك ما يبورن) وغيرها.هذا إلى جانب الإساءة لمن ربته والدته بأنه( تربية نسوان) والأمثال التي تحتقر المرأة والمنتشرة بكثرة، ويشير بروف بلدو أن زواج القاصرات هو مصطلح غير صحيح يعطي انطباعاً خاطئاً بحيث أن توافر النية والإرادة معدوم في حالة الطفل وبالتالي هذا لا يعتبر زواجاً ولا يعتبر اغتصاباً وإنما اعتداءً جنسياً على الأطفال وانتهاك لحقوق الطفل. وفي إضاءة يقول المختص النفسي والاجتماعي المعروف بأنه كان شاهداً علىى حالة طفلة لم تتجاوز الرابعة عشر من عمرها تم تزويجها لشخص يكبرها بثلاثين عاماً مما أدخلها في حالة اكتئاب شديد جعلها تقدم على الانتحار بالسقوط من أعلى بناية إلا أنه تم إنقاذها ولكن لتعيش باقي العمر بلا قدمين بعد أن تم بترها في عملية جراحية لاحقة.

اغتيال البراءة

وفي حادثة أخرى ماتزال عالقة بذهني والحديث مازال لبلدو وهي حالة طفلة صغيرة تم خداعها بأن حفل زواجها ماهو إلا تمثيلية أو احتفال لتلقى حتفها بعد ذلك في ليلة الدخلة جراء الصدمة العصبية والنزيف الحاد لتموت وهي في عامها الثاني عشر بعد أن تم اقتلاعها من لعبها وقريناتها.

ألم نفسي

ويقول د. بلدو إن الآثار النفسية لهذه الظاهرة تتمرحل ما بين الألم النفسي الحاد والتوتر والخوف والقلق والاضطراب الذهني وعدم القدرة على التأقلم والشعور بآثار الصدمة والعنف وفقدان الثقة في الآخرين، كما تتولد في نفس القاصر درجة عالية من العدوانية والعنف والرغبة في الانتقام قد تدفعها لقتل زوجها أو ولدها، وفي ختام إفادته لــ(الصيحة) يقول د.بلدو إن مثل هؤلاء القاصرات بحاجة إلى علاج نفسي واجتماعي وإعادة تأهيل ودمج في المجتمع وإزالة هذه الآثار السالبة العالقة بنفسياتهن حتى يعدن كطفلات بريئات.

0 صوت
التعليقات : تعليق
« إضافة تعليق »
اضافة تعليق
اسمك
ايميلك

/500
تعليقك
2 + 7 = أدخل الكود