الفرق بين الصيد والحراسة

عرض المادة
الفرق بين الصيد والحراسة
359 زائر
27-05-2018

يقوم الإنجليز العاملون في قطاع الحسابات والمراقبة والمراجعة بالتهكم والسخرية من المراجعين من زملائهم ويصفونهم إما بكلب الصيد أو كلب الحراسة (Catching Dog or Guarding Dog) ويكاد يكون من المعروف أن أول ما يتلقاه (المراجع) من تدريب على مهنته أنه يمثل (كلب حراسة) على المال العام وليس كلب صيد. وهو بهذا الفهم يدخل إلى المهنة وهو على قناعة بأن دوره الأكبر في أن يمنع الأخطاء من الوقوع وأن يبتعد قدر الإمكان عن الجري وراء ما يعتقد أنه خطأ.

ومن المؤكد أن الفارق كبير جداً ما بين مهمة الحراسة وما بين التصيد والجري وراء الفريسة. ويقول كثير من الإداريين إن بعض المراجعين قد ينسى دوره في إصحاح المسار ليتحول هو نفسه إلى (مشكلة) تبحث عن الأخطاء.. وبعضهم يقول إن الكثير من الأمور التي يضعها المراجعون في خانة (التجاوزات المالية) قد لا تعدو أن تكون في حقيقتها غير أنها استعمال لبعض بنود الصرف بديلاً لبعضها بعد أن تنفذ المخصصات المالية.. مثلاً أحد المديرين نفد عنده البند الخاص بشراء قطع الغيار وكان عليه أن يدفع استحقاقات العاملين المخصصة في بند آخر.. ولم يجد أمامه غير أن يتصرف من هذا البند لذاك وفي هذه الحالة قد يقوم المراجع باعتبار أن هذا تجاوز مالي.. وفي نهاية الأمر تتجمع التجاوزات المختلفة للمؤسسة الواحدة أو لمجموعة المؤسسات لتجعل الأمر يبدو وكأن " القيامة قد قامت ".

وقد أوردنا هذه المقدمة بمناسبة أنه وفي نهاية كل عام تصدر التقارير الخاصة بمراجعة الحسابات الختامية للدولة وعادة يعلنها المراجع العام أمام البرلمان. وقد تعوّد كثير من الزملاء الصحفيين على أن يهتموا فقط بحجم الأموال التي يقول المراجع العام أنها (متجاوزة) وقد ينسون أنه كان من الأوجب أن يتابعوا الإجراءات التي اتخذت بواسطة ديوان المراجعة لإرجاع تجاوزات العام الماضي أو العام الذي قبله أو الذي سبقه بعشرة أعوام .. ومن ناحية أخرى يكون الأجدر بالزملاء في الصحف أن ينظروا في حجم التحوطات ومعايير الضوابط التي اتخذها أو التي كان يجب أن يتخذها ديوان المراجع العام ليمنع بها حدوث الاختلاسات والتجاوزات المالية.. وهذا يقودنا إلى ضرورة الاهتمام بدور المراجع العام في منع التجاوزات المالية وليس دوره في تصيد هذه التجاوزات والإعلان عن حجمها بنفس الطريقة التي يتم الإعلان عادة وتبدو وكأنها النتائج السنوية للامتحانات. وبهذه المناسبة حكى لي محاسب ذو علاقة وثيقة مع الدولة المجاورة بتاعة (الجنوبيين) أن " الناس ديل" ليس لديهم أي ثقافة خاصة بـ(المراجعة) ولا يعرفون شيئاً اسمه المراجعة أو (التدقيق) وقال إنهم ذات مرّة عندما سألوا مدير إحدى المؤسسات عن تفاصيل مستندات الصرف استغرب جداً وقال لهم كيف تسألون عن شيء تم صرفه أصلاً.. وعندما راجعوا كشف المرتبات وجدوا أن شخصاً ميتاً تشير الكشوفات إلى أنه ما زال يصرف مرتباً ومازال أولاده كذلك يصرفون مرتبات، وكان تفسير المدير المسؤول أن أولاد (المرحوم) لا يجدون من يعولهم.. وقال صديقنا (المراجع) إنه وجد دفتراً للفواتير يقوم المدير بتحرير الفواتير منه لشراء مواد غذائية على نفس الفاتورة الخاصة بقطع الغيار ونفس الفاتورة الخاصة بالجازولين والصادرة من دكان (التشاشة) وقال إن إيصالات وأذونات صرف الأسبوع الجاري يجدها عند ست الطعمية أو ست الزلابية.. وأخيراً نقول إن ميزانية شركة واحدة من شركات إنتاج السيارات اليابانية تعادل عشرة أضعاف الدخل القومي لجمهورية مصر العربية وجمهورية السودان مجتمعة.. وبالتالي فإن حجم الاختلاسات فيها يعادل عشرة أضعاف الاختلاسات في هاتين الدولتين المتجاورتين ومجتمعتين .

المهم يا أهلنا – ناس المراجع العام – عليكم أن تعملوا على تلافي الأخطاء من الوقوع فيها ثم تنظروا فيما إذا وفقتم في تحصيل فاقد الأعوام السابقة.. بدلاً من الجري وراء " التجاوزات المالية " التي قد تكون في حقيقتها الصرف على بنود نافذة من بنود أخرى .. وهذه لا تمثل اختلاسات ولا تعدياً على المال العام إنما هي تصرف اقتضته الضرورة.

   طباعة 
0 صوت
التعليقات : تعليق
« إضافة تعليق »
اضافة تعليق
اسمك
ايميلك

/500
تعليقك
1 + 8 = أدخل الكود
روابط ذات صلة
روابط ذات صلة
المادة السابقة
المواد المتشابهة المادة التالية
جديد المواد
جديد المواد
غيروا المستشار؟؟؟ - د. عبد الماجد عبد القادر
نحنا مانا يانا ؟!!! - د. عبد الماجد عبد القادر
من يحكم أمريكا ؟(4) - د. عبد الماجد عبد القادر
من يحكم أمريكا ؟(3) - د. عبد الماجد عبد القادر
من يحكم أمريكا ؟(2) - د. عبد الماجد عبد القادر