هاجس الفقر يلاحقهم عمّال الكمائن.. ضياع بحكم القانون (80%) نسبة العطالة و(30) ألف عامل تم تشريدهم قسراً

عرض المادة
هاجس الفقر يلاحقهم عمّال الكمائن.. ضياع بحكم القانون (80%) نسبة العطالة و(30) ألف عامل تم تشريدهم قسراً
تاريخ الخبر 21-05-2018 | عدد الزوار 369

بعد (10) أعوام من الصراع لم يجدوا سوى كرستالات المياه تعينهم

(جبر الله) قصة كفاح ضاعت بين ليلة وضحاها

عيسى : نحن ضعفاء ونريد أن نأكل بالحلال .. ولكن !!

تحقيق : إنتصار فضل الله

اشتكى العاملون بكمائن الطوب من الظروف الاقتصادية السيئة التي يعيشونها نتيجة العطالة، وقالوا لـ(الصيحة ): (ليس لدينا مصادر دخل نعيش منها، ولم نجد وسائل أخرى بما يفي الغرض وأن الدولة لم تفِ بوعودها لنا إبان إزالة الكمائن الواقعة بمنطقة الجريف شرق، وتركتنا نواجه طوفاناً من المعاناة لا نهاية له)، وكشف عدد من المواطنين أن نسبة العطالة وسط العاملين في الكمائن من أبناء المنطقة بلغت (80%) من العدد الكلي البالغ (30) ألف عامل، وأضافوا : هناك مجموعة كبيرة من المطاعم والبقالات والطواحين ومحلات الاتصالات والصيدليات، أوصدت أبوابها وتأثرت جراء هدم الكمائن التي يضم ما تبقى منها عدد قليل من العمالة ، بعضهم جاء من المناطق المتاثرة بالحروب ووجدوا فرص عمل مناسبة لهم في المنطقة، وأن (20%) منهم طلاب ثانوي وآخرون بالجامعات، لم تتوفر لهم فرص عمل، تعرضوا للتشرد بالكامل وناشدوا الحكومة بمراعاة أوضاعهم.

استياء وقلة حيلة

عيسى عبد الرحمن آدم، طالب في المرحلة الثانوية وواحد من سكان المنطقة، جاء من مدينة كوستي قبل أربع سنوات كان يعمل في( دق) الطوب، استفاد من عمله الذي مكنه من توفير الرسوم الدراسية ودعم أسرته من خلال توفير بعض الاحتياجات الأساسية، قال إنه لا يعرف سوى هذه الصنعة رغم أنها شاقة ومرهقة وأضرارها الصحية كثيرة، لكنها تسد الجوع وتحميهم من ارتكاب المعاصي كالسرقة والاحتيال والتشرد، وأن كل العاملين معه متزوجون ويعيلون أسراً ويعانون الضعف المادي ويريدون أن ( يأكلوا ويشربوا ) بالحلال في ظل الظروف الحالية، وبدا مستاءً حزيناً لأن هناك أيادي خفية سعت لتشريدهم وطردهم وإزالة ما تبقى من كمائن، ولم يبق أمامهم سوى العمل في جمع (كرستالات) المياه الفارغة وإعادة بيعها كـ(خرد) للتجار وأصحاب مصانع البلاستيك، وهذا محمد إبراهيم أيضا عامل في (دق )الطوب دعا إلى ضرورة دمجهم في سوق العمل نظراً لأنهم يعانون أوضاعاً اقتصادية سيئة جداً، مؤكداً أن الكمائن كانت بمثابة مصدر الدخل الوحيد لهم ولكن تمت محاربتها بشدة.

على باب الله

بالرغم من الدخل الضعيف الذي يجنيه من صناعة الطوب الأحمر.. لم يفكرجبر الله الزاكي البالغ من العمر 35 عاماً في هجر المهنة واستبدالها بأخرى.. فقد بدأ العمل في كمائن الطوب الواقعة بمنطقة (الجريف شرق) وهو طفل لم يكمل (سبع سنوات)، حيث كان يقوم بحمل الطوب على أكتافه ووضعها في المكان المخصص لها، ومع مرور الوقت أصبح يجيد الصناعة التي تمكن من خلالها توفيق أوضاعه المعيشية ـ وتوفير (لقمة) العيش لأسرته المكونة من عشرة أفراد، توفي والدهم ولم يترك لهم سوى (ماعز) واحدة باعتها والدته بسعر بسيط جدا كي توفر ثمن علاج الربو الذي أصاب طفلتها الصغيرة، يؤكد (جبر الله) أن عملية هدم الكمائن جعلته في صفوف العطالة باحثاً عن عمل .

طال الانتظار

ويضيف أنه ظل يطرق أبواب المؤسسات لإيجاد أي وظيفة وإن كانت حارس بوابة أو استقبال ولكن بلا فائدة، والآن انضم إلى زملائه الذين سبقوه على جمع (كرستالات) المياه الفارغة ليجابه بها متطلبات شهر رمضان، ولا أمل لديه في إعادة نشاط الكمائن مرة أخرى نسبة لتحويل المنطقة إلى سكنية وسياحية، إن معظم أصحاب الكمائن مواطنون وشرطة وجميعهم تم تعويضهم بينما ضاعت حقوق العمالة، وأظهر المواطن صديق محمد عبد الرحمن مخاوفه من أن يسوء حالهم أكثر من الآن، وقال إن نزع أراضي الكمائن دون الإيفاء بوعود السلطات الخاصة بتوفير وظائف للعمال فيه إجحاف وظلم كبير وخداع، فتلك الأراضي انتزعت ووزعت لقطع سكنية، ومباني استثمارية وبعضها ضاع في مهب الريح، نتيجة ذلك تشرد العمال والأسر وفقدت المهنة تاريخها العريق.

ضرر كبير

وهذه الخالة (سلوى) اتخذت مساحة صغيرة في الكمائن ونصبت عليها (راكوبة ) مغطاة بجوالات الخيش، كمحل تمارس من داخله تجارتها في بيع الشاي و(الباكمبا) للعاملين في صناعة وإنتاج الطوب الأحمر، تعكس مدى الضرر الذي لحق بها حيث كانت تنعم بالاستقرار وسط الزبائن، وبعد أن انتقلت إلى موقع آخر وصفته بالـ(ميت ) تقلص زبائنها، تمني نفسها وتدعو الله في كل وقت أن يزول الخطر من على الكمائن القليلة التي تبقت، لأنها تعمل على توفير الخدمة للعاملين بها، وفي شهر رمضان تعد لبعضهم الطعام بشكل مستمر، ولفتت إلى قيام مشكلة قطوعات الإمداد المائي بالمنطقة ومدى تأثر المواطنين به ودعت السلطات للنظر في موقف الخدمات بالجريف.

تغير الوضع

(300) عام عمر صناعة وإنتاج الطوب الأحمر في منطقة (الجريف شرق)، فعلى امتداد الشريط النيلي كانت توجد أكثر من (929) كمينة، يعمل بها حوالى (30) ألف عامل، يقفون على عملية الإنتاج وهم ينشدون ( هيلا هيلا ) ويتغنون بأغنيات مختلفة، لا يشعرون بحرارة الشمس أو الوقت وكانت هناك حوالى (800 ) سيارة تعمل في مجال تحميل الطوب كل سيارة يعمل بها عدد (2) عامل وسائق، بحسب ما أفادنا العم أحمد الأمين، من أقدم العاملين في الكمائن، مضيفاً: بلغ عدد التجار أصحاب الكمائن (500) تاجر، وكانت المنطقة تعجُّ بالحركة والنشاط والحيوية، وعرفت بدورها العظيم في مد كل تجار ولاية الخرطوم بالطوب لتشييد المنازل والمؤسسات الخدمية الحكومية والخاصة، ولا يشكو أبناؤها من العطالة لأنهم انخرطوا في الصناعة التي ورثوها من أجدادهم، حيث كان يتقاضى الفرد منهم (400) جنيه في اليوم لأن الإنتاجية كانت مرتفعة جداً غير أن الحال لم يستمر .

أضرار مادية ومعنوية

وفي العام (2006م) صدر قرار من وزارة التخطيط العمراني، قضى بإزالة كمائن الطوب الأحمر في المناطق الحضرية على طول الشريط النيلي الممتد من الحلفايا إلى سوبا شرقاً وغرباً، وبداية تم إيقاف الكمائن الواقعة في مساحة (600) متر جنوب وشمال كبري المنشية، وقتها رضخ التجار والعمال للأمر طالما فيه خير للصالح العام مقابل بدائل أخرى للتوظيف كما ذكر (الأمين ) ولم يستثن القرار كمائن الجريف شرق وأم دوم، ولكن عدم إنفاذ الوعود تسبب في أضرار معنوية ومادية للمواطنين الذين يقطنون المنطقة من بائعات الأطعمة والشاي والعمالة من الشباب الذين مازالوا يشكون الفقر والحاجة .

اتفاقية ومقترح

ويواصل الأمين موضحاً أنه تم توقيع اتفاقية بموجبها التزمت وزارة التخطيط والتنمية العمرانية بالاحتفاظ لأهالي المنطقة بمزاولة المهنة التاريخية، واقترحت مواقع بديلة لإنشاء الكمائن ، مع تقديم كل التسهيلات التي تحقق لهم الاستقرار، وأعلنت أن التمليك وتسليم المواقع البديلة سوف يتم قبل بدء الموسم الجديد للصناعة، غير أن الاتفاق لم يراوح مكانه، وضربت به الوزارة عرض الحائط وبدأت في تنفيذ حملات الإزالات، وريداً رويداً تمكنت من السيطرة على عدد كبير من أراضي الكمائن، الأمر الذي جعل المنطقة تعيش حالة غليان من الداخل وأصابت التجار والعاملين وملاك الأراضي حالات من عدم الاستقرار، فلم يجدوا وسيلة سوى التمدد إلى مناطق أخرى ولكنهم واجهوا ملاحقات سلطات المحلية في معيشتهم وتجاهل الحكومة عمداً لحقوقهم .

مشكلة حقيقية

واتفق السر أحمد مالك مع حديث الأمين حول المعضلة التي أصبحت مشكلة حقيقية لجميع أهل المنطقة نسبة لارتباط نسيجهم الاجتماعي بحرفة إنتاج الطوب التي وظفت عدداً كبيراً جداً من أبناء الجريفات، واستفادت الأسر من ايجار أراضيها لبعض التجار، غير أن حجم الأضرار المادية والمعنوية بعد التدمير الذي طال كميات كبيرة جداً من المنتج أمام أعين المواطنين الذين لزموا الصمت في وقت سابق فاقم الأزمة، فظهرت أصوات تعلن احتجاجها على تلك العمليات التي تمت دون رضاء المواطنين وبالقوة، بناءً عليه قدمت الوزارة المعنية بالأمر مقترحاً بديلاً آخر في منطقة (الشيخ الأمين) لإسكات أصواتهم، علماً أن المقترح ليس هو البديل الذي يتناسب مع إنتاجية تلك الحرفة بالتحديد، فحسب خبرة السكان في المجال أن مكونات المنتج التي تتمثل في الـ(طمي ـ ماء ـ روث أبقار ) غير متوفرة في المنطقة البديلة بالتالي أعلنوا رفضهم للكمائن التقليدية وطالبوا بقيام مدينة صناعية تضم العاملين في القطاع وتساعد في تحسين أوضاعهم المعيشية بدل الكمائن التي دمرت قسراً وهذا لم يتحقق .

ختاماً

عمال الكمائن الذين التقيناهم يشكلون مجتمعاً قائماً بذاته.. يعيشون داخل قلعة مظلمة لا يملكون مصادر رزق تعين أسرهم، هؤلاء في أتم الحاجة لإيجاد وسائل دخل من خلال تمليكهم مشاريع صغيرة تفادياً للمزيد من الأضرار وإغلاق بيوتهم، نظراً إلى أن العمل في جمع (قوارير) المياه الفارغة لا يضمن لهم حياة مستقرة وإذا وفر لهم احتياجات اليوم.. فغداً لا.. (الصيحة ) تضم صوتها إليهم وتناشد السلطات بالإيفاء بالوعود وإعطاء كل صاحب حق حقه .

0 صوت
التعليقات : تعليق
« إضافة تعليق »
اضافة تعليق
اسمك
ايميلك

/500
تعليقك
2 + 6 = أدخل الكود