المفاصلة القصة الكاملة.. التداعيات والظلال ماذا قال البشير بعد إعلان الطوارئ وبماذا رد الترابي ؟

عرض المادة
المفاصلة القصة الكاملة.. التداعيات والظلال ماذا قال البشير بعد إعلان الطوارئ وبماذا رد الترابي ؟
تاريخ الخبر 20-05-2018 | عدد الزوار 292

المفاصلة.. بين سيناريو الصنعة وإحداثيات الواقع

زعماء دول هنأوا البشير بعد المفاصلة والكسب الاقتصادي مؤجل

النظام الخالف للترابي محاولة لجب الماضي واستشراف أخضر تحيط به الأشواك

الخرطوم: أحمد طه صديق

في الرابع من شهر رمضان المبارك الموافق التاسع عشرمن ديسمبر 1999 تحركت قوات عسكرية إلى مبنى المجلس الوطني وعدد من المراكز الحيوية بالخرطوم، ومن ثم أعلنت حالة الطوارئ في البلاد، وبعد يوم واحد من إعلانها عقد الرئيس البشيرمؤتمراً صحفياً اعتبره المراقبون بأنه تاريخي بالنظر إلى تداعيات حيثياته التي أدت إلى مفاصالة بين عرّاب النظام د. حسن الترابي وحكومة الإنقاذ الذي كان راعيها منذ حضانتها إلى أن خرجت للعلن بوجه متخفٍ في ثياب القومية ثم ما لبث أن أزاحت قناع التكتيك حيث خرج الشيخ من قمقمه ليمسك بخيوط اللعب السياسي علناً عطفاً على الحركة الإسلامية التي يستمد منها الشيخ كارزيما الزعامة مرتكزاً على قدراته الاستثنائية في مجال الحراك السياسي والفكري ، مما أفرز مركزية أحدية تقاطعت مع المؤسسة الرسمية الحاكمة، التي كانت تتململ كثيراً إلى أن قرر الشيخ أن يقطع الطريق عليها بإجراء تعديلات دستورية عبر البرلمان الذي كان يمسك بخيوطه، وهو ما اعتبرته الرئاسة محاولة انقلاب ناعم فسارع الرئيس البشير بإعلان حالة الطوارئ وبعدها أعلن دون مواربة حيثيات الخلاف عبر المؤتمر الصحفي الذي كان نقطة تحول في مسار الإنقاذ.

ماذا قال البشير؟

ذكر الرئيس في المؤتمرالصحفي أن القرارات جاءت لإعادة هيبة الدولة التي أضعفتها الهيئة القيادية للمؤتمر الوطني وأشار بأنه ضد النظام الأساس للمؤتمر الوطني لأنه يضع السلطة في يد الهيئة القيادية متناسين أن هناك حكومة ورئيساً وقال إنه ليس لديه خلاف مع قواعد المؤتمر الوطني بل مع المؤسسات الفوقية التي جاءت بطرق يعلمها الجميع، وقال إن الأمر بلغ في الأيام الماضية مرحلة خطيرة لدرجة أن تقوم الهيئة القيادية بتكوين لجنة محاسبة له شخصياً بحجة التغييب من الاجتماعات وقال إن هناك استهدافاً واضحاً لهز سلطة الدولة وإسقاطها وأن ذلك انعكس في العصيان والرفض لتوجيهاته وقراراته التي يصدرها بشأن دفع مرتبات المعلمين وإزالة نقاط التحصيل عبر الولايات من قبل بعض الولاء وكذلك رفض المجلس الوطني لطلباته وخطاباته وقال إنه لا يمكن لبلد مثل السودان أن يدار برئيسين وأشار بأن الترابي أعلن صراحة لطلابه رفض مناقشة التعديلات الدستورية بالمجلس الوطني الذي يجعل الرئيس منسقاً بين الجهازين التنفيذي والتشريعي وخلص إلى أن الوضع بات يمثل الوضع قبل الثلاثين من يونيو وكان لابد من أن يفي بالبيعة التي تلقاها من الشعب.

الترابي يرد

وعلى إثر قرارات الرئيس البشير سارع الشيخ الترابي بعقد مؤتمر صحفي في دار المؤتمر الوطني في ذات اليوم وصف فيه قرارات الرئيس التي أعلن فيها إعلان الطوارئ وحل المجلس الوطني بأنه انقلاب وخرق لقانون الحكم الاتحادي وقال ( إن الرئيس ابتدع له سلطة أن يخلع الولاة ويعينهم وهم ولاة منتخبون من الشعب حتى هذه اللحظة وهذا يعني أن الحريات ستضيع لأن حالة الطوارئ حالة اعتقالات ومصادرات والطوارئ بحسب الدستور لا تجاز إلا بموافقة المجلس الوطني الذي أصبح ضحية لها الآن ) وقال (سنلجأ للمحكمة الدستورية والطعون ، ولكنكم تعلمون أن هذه الطعون لا تجدي كثيراً في ظل هذا الوضع) ، وفي يوم الخامس من رمضان توجه د. الترابي إلى المجلس الوطني بيد أنه منع من الدخول، بينما عقد مجلس الوزراء في ذات اليوم جلسة أيد فيها قرارات الرئيس، وقد أثار القرار رود فعل كبيرة حتى في الخارج واهتمت به كل الوسائط الإعلامية هناك وتلقى الرئيس البشير اتصالات من عدد كبير من الرؤساء العرب بغرض الاطمئنان على أوضاع البلاد لكنها تستبطن التأييد لقرارت الرابع من رمضان، أما على صعيد الوسائط الداخلية فقد اتجهت لتأييد القرارات بدرجة كبيرة .

حزب البديل

وبعد فترة قليلة من المفاصلة بين الشيخ الترابي ومؤسسة الرئاسة وأقطاب المؤتمرالوطني وأعضائه الذين انحازوا إلى معسكر القصر كوّن الشيخ الترابي حزب المؤتمر الشعبي كحزب ينافس في الساحة السياسية مستنداً على كارزيمته الطاغية إلا أن هذه الكارزيما رغم قوتها لم تصمد أمام الحزب الحاكم الذي ينجذب إليه في كل دول العالم الثالث الكثير من السياسيين كما تنجذب الفراشة إلى رحيق الورود، كما أن الحراك السياسي لا ينفصل عن قبضة سلطة المركز الحاكمة .

المفاصلة بين الحقيقة والصنعة ّ!!

بالرغم من أن حدة الخلاف الذي حدث في المفاصلة بين الرئاسة والشيخ الترابي والثمن الباهظ عبر التداعيات التي تمثلت في اعتقال رموز مؤيدي الشيخ الترابي ثم الشيخ نفسه بعد اتهامه بتقويض النظام لاحقاً، غير أن عدداً من العامة وبعض السياسيين يتشككون في حقيقة المفاصلة ويعتبرونها ضرباً من السيناريو المتفق عليه بين طرفي النظام بل هو حياكة خالصة من بنات أفكار الشيخ الترابي، ويستندون إلى سيناريو الإنقاذ الأول الذي اعترف فيه الترابي بأن دخوله للسجن كان سيناريو متفق عليه، بيد أن هذه الشكوك أكدتها لاحقاً كل المستجدات الظرفية، إلا أن الكاتب المعروف إسحق أحمد فضل الله المحسوب من مؤيدي النظام والمنافحين عنه والذي يمتلك قدراً من المعلومات التي تملّك له من بعض الجهات الرسمية فاجأ الجميع عبر مقال سابق نشره قبل حوالى ثلاث سنوات بصحيفة ( الإنتباهة) خلص فيه أن مفاصلة الإسلاميين خدعة قصد بها خداع العالم وقال (الخطر على السودان والإنقاذ ..كان يقترب باندفاع عنيف ولتفادي الخطر كان الثلاثة البشير وعلي عثمان والترابي يصنعون مخطط انشقاق الإسلاميين ( شعبي ووطني) والمخطط يوضع بمنطق أنه إن عرف الناس أن الانشقاق مخطط مخادع عرفت المخابرات العالمية أن الانشقاق مخطط مخادع.. وهكذا كان الانشقاق يصمم بحيث يخدع العالم كله وحتى اليوم يؤمن كثير من الناس والإسلاميين معهم أن انشقاق الإسلاميين حقيقي .. والانشقاق المصنوع كان مرحلة تنتهي في التاسعة من مساء الثلاثاء الماضية والترابي يجلس بين الصادق وغازي للاستماع إلى خطاب الرئيس ) ثم يقول في فقرة أخرى ( مرحلة تصميم الانشقاق بحيث يبدو شيئاً ينبت من جذور حقيقية صادقة، والشعبي يصبح (مانعة صواعق) فوق رأس الوطني ويقود المعارضة في الصحراء الواسعة ) ثم يقول ( لكن اللعبة لتنتهي صبيحة انقلاب السيسي.. الانقلاب الذي يجعل المخابرات العالمية تطل من نافذة السودان .ويقول أيضاً ( وفي المسرح.. المسرحية الجيدة تجعل المشاهد يتوتر للخطر ويغضب للخيانة.. ثم البطل والخير كلاهما ينتصر.. والمشاهد يتنهد في راحة.) لكن لعل الغريب أن الأستاذ إسحق صاحب نظرية خدعة المفاصلة عاد قبل أربعة أيام فقط عبر قناة (سودانية 24) وقال إنه قصد من نفيه للمفاصلة أن تبقى الحركة الإسلامية متماسكة.

مكاسب المفاصلة

بالرغم من أن المفاصلة لاقت ردود فعل كبيرة وارتياحاً كبيراً خارج السودان باعتبار أن خروج الشيخ الترابي من دائرة الفعل السياسي في دفة الحكم من شأنه أن يخرج الإنقاذ من دائرة الراديكالية الإسلامية بخطابها المناوئ للغرب والولايات المتحدة وإسرائيل وتعاطفها مع الحركات الإسلامية المناوئة للأنظمة المحافظة في المنطقة لكن مع ذلك لم يؤثر ذلك في تليين موقف الغرب أو الولايات المتحدة رغم التغيرات الواضحة في الخطاب السياسي نسبة للتداعيات والصراع في دارفور ونهج الحكومة فيما تعبره الولايات المتحدة تجاوز حقوق الإنسان وانتهاكات الحريات العامة وشكوكها في مدى التزام السودان ببعده عن ما تسميه بالإرهاب، إذن على صعيد الكسب السياسي الدولي وما كان من المنتظر أن تترتب عليه مكاسب اقتصادية لم يتحقق بينما ظل الشقاق الثنائي بين طرفي الإخوة محصوراً في إطاره الداخلي وتمترس المجتمع الدولي في موقفه غير عابئ به .

لقاء الفرقاء

بالرغم من أنه شهدت العلاقة بين الحزبين اللدودين أصدقاء الأمس (المؤتمر الوطني والشعبي) تنافراً لكنهما في العامين الأخيرين بعد وفاة زعيم الشعبي الشيخ الترابي شهدت العلاقة بينهما هدنة هادئة وكان الشيخ الترابي قد تحمس لفكرة الحوار الوطني التي طرحتها الحكومة وكان يرى أن مخرجاتها إذا ما طبقت ستفضي إلى نوع من الاستقرار السياسي والتدافع نحو السلطة وفق سباق تتخلله الحريات، ونحسب أنه كان يرى أن المنظومة الخالفة في حالة تحققها هي التي ستقود المسيرة القاصدة عبر تيارات سياسية وكيانات إسلامية متباينة بما فيها أعضاء الحركة الإسلامية والمؤتمر الوطني، لكنها متوافقة تعمل وفق إطار فكري متصالح مع الدين متوائم مع المستجدات الظرفية ويبتلعها دون احترازات تتكئ على مرجعيات سابقة، تتاح فيها لكل كيان حرية إظهار التباينات الثانوية داخل الكيان وتظللها الحريات العامة التي تكفلها الدولة، غير أن الأقدار لم تمكن الشيخ من تحقيق حلمه الذي يبدو أنه يمثل أشواقاً تتصادم من الواقع الحالي المتخم بالصراعات والتباينات الفكرية الحادة وحب التفرد في الزعامة والنأي عن الانصهار الجمعي، لكن حتى إذا كانت ثمة عوامل لتحقيق نجاح جزئي للفكرة في عهد الشيخ الترابي بما يمتلكه من فكر وكارزيما في القيادة وقدرة على العمل التنظيمي والسياسي فإن بعث الفكرة بعد وفاته من قبل مناصريه تبدو مستحيلة وربما يأتي طرحها هذه الأيام كنوع من إرضاء حيران الشيخ الذين مازالوا يتشبثون بمجاميع أفكاره وإن كان بعضها يلطمها الواقع ويجبها الزمن .

0 صوت
التعليقات : تعليق
« إضافة تعليق »
اضافة تعليق
اسمك
ايميلك

/500
تعليقك
1 + 8 = أدخل الكود