سالت دماؤهم عدة مرات التجار الشماليون في الجنوب.. أحلام الثراء وهواجس الاغتيال

عرض المادة
سالت دماؤهم عدة مرات التجار الشماليون في الجنوب.. أحلام الثراء وهواجس الاغتيال
تاريخ الخبر 13-05-2018 | عدد الزوار 182

اغتيال التاجر (أ. م. ص) يعيد فتح ملف استهداف السودانيين

محمد النور: حرقوا محلاتي التجارية ونكّلوا بي وضربوني

أحمد يعقوب: نهبوا ممتلكاتنا وبضائعنا ولم يبقوا لنا غير ملابسنا

كوراك: (١٠٠) ألف تاجر شمالي يعيشون أوضاعاً نفسية صعبة

الخرطوم: أحمد طه صديق

بدءاً لا أظن أن هناك إحصائية دقيقة بضحايا الشماليين في الجنوب من تجار ومواطنين، في حقبة ما بعد الانفصال عن الشمال، حيث لم تتوقف آلة القتل الغادر ضدهم ولم تجف دماؤهم طوال هذه الفترة خاصة التجار الشماليين الذين آثروا مواصلة عملهم هناك وعدم العودة للوطن لتحقيق حلم الثراء المشروع آملين أن تصدق تعهدات حكومة الجنوب بحمايتهم، بيد أن عدداً كبيراً منهم عاد وآثر السلامة في ظل موجة القتل الوحشي والمضايقات التي تحدث لهم ، لكن هل هناك علاقة بين الماضي والحاضر إزاء تلك الأحداث، ليس من حيث التخطيط لكن من حيث المنطلقات الدفينة والمعلنة أحياناً، من هنا حتى نجعل القارئ يستطيع أن يفهم تداعيات الحاضر رأينا أن نبتدر هذا التقرير المطوّل بعرض سريع لأحداث توريت 1955 والتي راح ضحيتها المئات من الشماليين في مذبحة كبرى هزت الضمير الإنساني، ثم نقدم ملخصاً مختصراً لسيناريو القتل الذي طال التجار الشماليين الذين حرصوا على التعايش مع الجنوبيين وتعلم أكثرهم لهجاتهم المحلية، وسنعتمد في هذا التقرير على الأخبار كما نشرتها الصحف في الخرطوم دون تبديل أو تدخل إلا ما اقتضته دواعي الصياغة .

مذبحة توريت

في الثامن من أغسطس 1955 تمردت الفرقة الإستوائية 1955م، رافضة الذهاب إلى الخرطوم وتسليم سلاحها، للاشتراك في الاحتفال بعيد جلاء القوات البريطانية وإنهاء الحكم الإنجليزي المصري في الفاتح من يناير 1956، بيد أن القوات الجنوبية لم تنفذ التعليمات، وكانت تخطط لشن مجزرة دموية ضد الشماليين الموجودين هناك، وبالفعل شنت هجموماً غادراً على منازلهم وقتلت أكثر من ثلاثمائة فرد جلهم في توريت وبعض المناطق الأخرى وقتلوا حتى الأطفال الرضع وشاركت أيضاً قوات الشرطة والسجون من الجنوبيين والأهالي المسلحين في الهجوم الوحشي على المدنيين، وعانت القوات المسلحة كثيراً قبل أن تسيطر على الأوضاع وأمر إسماعيل الأزهري الذي كان وزيراً للدفاع آنذاك قوات الجيش في الخرطوم بالذهاب إلى مدينتي جوبا وملكال جواً بعد أن استأجر عدداً من الطائرات من بعض دول الجوار ومن دولة بريطاينا، واستمرت الاضطرابات أسبوعين، وأعلنت حالة الطوارئ في الجنوب قبل أن تسيطر قوات الجيش الشمالي على الأوضاع.

ومن المفارقات أن الحركة الشعبية قبل الانفصال من الشمال عندما كانت في شراكة مع حكومة الخرطوم أقامت احتفالاً بذكرى المناسبة الدموية وحيّا سلفا كير رئيس حكومة الجنوب وقائد الحركة هذه الذكرى واعتبرها رمزاً للتحرر من أشكال القهر السياسي والعسكري من الشمال .

إغتيال تاجر معروف

تعرض تاجر شمالي معروف لهجوم يوم الإثنين الماضي في دولة الجنوب، وكان قبل حوالي أسبوع اغتال مجهول أحد التجار الشماليين المعروفين هناك ولم يتم العثور على القاتل حتى الآن.

دماء ونهب

قتل تاجر سوداني على يد مسلحين بمنطقة (ليمبو في مقاطعة لينيا بولاية ياي في دولة جنوب السودان على يد مسلحين مجهولين. وأطلق المسلحون النار علي التاجر (أ. م. ص) أثناء عودته من العاصمة جوبا محملاً بالبضائع، ويشهد طريق (ياي جوبا) تفلتات أمنية وعمليات قتل ونهب مستمرة. وكشف التاجر محمد النور حامد البالغ من العمر ( 70 ) عاماً تفاصيل مثيرة ومؤثرة حول مصادرة ممتلكاته التجارية من طرف قوات الحركة الشعبية بدولة جنوب السودان التي قضى فيها جل عمره متنقلاً بين عدة مدن تكبد على إثرها خسائر فادحة بلغت في مجملها (300) ألف جنية سوداني.

وقال: بعد أن تم حرق محلاتي التجارية تم التنكيل بي وضربي ضرباً مبرحاً فلم يكن أمامي بدا سوى أن أعود من هناك خالي الوفاض في سن متقدمة ما حدا بي أن الجأ إليكم بعد أن فاض بي ولم أعد أملك مالاً أعول به أسرتي المكونة من ثلاثة أبناء وخمسة من أبناء شقيقي المتوفى.

أما في منطقة البيبور قبل سنوات أطلق مئات التجار الشماليون هناك استغاثة بعد أن لجأوا إلى مقر الأمم المتحدة في تلك المدينة فراراً من الحرب التي تدور رحاها بين قوات الجيش الشعبي التابع لحكومة دولة الجنوب ومليشيات الكوبرا المتمردة والتي تسببت في احتراق سوق البيبور بالكامل.

وقال التاجر أحمد يعقوب إن جميع ممتلكات وبضائع ومتاجر التجار السودانيين تم نهبها ولم يبق لهم إلا الملابس التي على أجسادهم، مضيفاً أن عددهم يتجاوز الـ (300)، وإن كل الطرق مغلقة ويطلبون إجلاءهم من المدينة حتى لا يفقدون حياتهم.

مجزرة بانتيو

تحول عدد من المدن في شمال السودان إلى مجالس عزاء، وفجع الرأي العام السوداني بالمجزرة التي وقعت في مدينة بانتيو بدولة جنوب السودان حيث قتل فيها نحو مئتين إلى ثلاثمائة مدني أغلبهم من التجار الشماليين المقيمين في المدينة التي تسيطر عليها قوات المتمردين بزعامة رياك مشار، وسط تبادل للاتهامات بين طرفي الصراع في جنوب السودان حول ما جرى، ولاقت هذه المذبحة الوحشية ردود فعل عالمية وعلى مستوى دول المنطقة، لكن لم تشدد الأمم المتحدة لإرسال فريق تحقيق للتأكد من هوية الجناة المسلحين وأعلن التجار الشماليين هناك الحداد على أرواح التجار الذين قتلوا غيلة.

ضحايا في واو

ارتفعت حصيلة الضحايا وسط التجار السودانيين جراء أعمال العنف التي وقعت في مدينة واو غربي جنوب السودان، إلى 10 قتلى، بجانب فقدان أكثر من 20 آخرين. وأكد عضو الغرفة التجارية بسوق الجو بمدينة واو، السيد محمد عيسى، أنهم دفنوا حتى الآن نحو 10 تجار سودانيين كلهم من إقليم دارفور تم قتلهم في أحداث واو، كما أكد عيسى فقدان أكثر من 20 آخرين. وكانت مصادر محلية بمدينة واو قد أشارت إلى مقتل نحو ما لايقل عن سبعة تجار سودانيين. ويُذكر أن مدينة واو شهدت اشتباكات عنيفة بين القوات الحكومية ومجموعات مسلحة، أدت إلى مقتل وجرح العشرات وفرار المئات من الأسر من منازلهم. موكداً مقتل 39 مدنياً وأربعة شرطيين في الاشتباكات التي وقعت بين القوات الحكومية والمجموعة المسلحة.

قتل وذبح

وفي يوليو 2008 قتل خمسة أشخاص من التجار الشماليين بالقرب من كبري جانبول التابع لمقاطعة ربكونا بولاية الوحدة.. وقال مصدر موثوق أن الضحايا تم اقتيادهم إلى إحدى غابات المنطقة الواقعة بالقرب من جانبول حيث تم إطلاق النار على أربعة منهم بينما ذُبح الخامس في مشهد بشع. وأفادت المتابعات أن المقتولين هم هاني حسين، والهادي حسين، وعبد الغني، وتاج الدين من أبناء مدينة المناقل والقتيل الخامس من أبناء مدينة الأبيض. وفي ذات الصعيد قام تجار من أبناء الشمال بتحضير الجثث ليتم دفنها بمدينة بانتيو. بحضور رئيس الشرطة والأجهزة الأمنية. وذكر متابعون بمكان الحدث أن الجانب الأمني في حالة غياب تام، الأمر الذي جعل عمليات القتل والاستهداف مستمرة من حين لآخر ومعظمها تُرتكب مع أبناء الشمال.. وفي سياق متصل أبان أحد التجار أن الحادث تم على بعد ثلث ساعة من تمركز قوات الـ UN والقوات المشتركة التي وصفها بالمغيبة تماماً. الجدير بالذكر أن رئاسة الشرطة ببانتيو وعدت التجار بملاحقة المجرمين والبحث عن تداعيات الجريمة التي سلبت من خلالها أموال وعربة بعد مقتل سائقها وآخرين.

اختطاف تجار

ونقلت مصادر متعددة أن اثنين من التجار كان قد تم اختطافهما بواسطة مسلحين مجهولين بمنطقة كيرمان على بعد 7 كيلو مترات من جوبا، وبينت ذات المصادر أن المسلحين المجهولين نهبوا سيارة وبضائع التجار السودانيين وتوجهوا إلى مدينة مندري، بينما قتل آخر في حادث إطلاق نار منفصل بالقرب من منطقة روكون إثر إطلاق النار على عربة تجارية عندما حاول مسلحون نهبها، وبينت المصادر أن عملية اختطاف التاجرين وقعت يوم الجمعة الماضي وذلك عندما كان التاجران في طريقهما إلى مندري، حيث كانا يقودان عربة لاندكروزر محملة بالبضائع تعود ملكيتها لأحدهما، هذا وقد أكدت المصادر مقتل التاجرين بينما لم تتأكد حتى الآن هوية الخاطفين.

كمين مسلح

أوردت وكالة فرانس برس اعترافاً من الناطق الرسمي باسم الجيش الشعبي لتحرير السودان (جيش الجنوب) العقيد فلب أقوير قال فيه إن (11) تاجراً شمالياً قتلوا في كمين نصبه مسلحون مجهولو الهوية في أعالي النيل بعد عبورهم الرنك.

مذكرة برلمانية

قدمت شعبة التجار الشماليين العاملين بدولة جنوب السودان قبل حوالي عامين مذكرة لرئاسة المجلس الوطني بواسطة النائب البرلماني المستقل مبارك النور عبد الله احتجاجاً على ضياع ممتلكاتهم، وكشفوا في الوقت ذاته عن تقدمهم بشكوى ضد حكومة الجنوب للمحكمة الإفريقية لحقوق الإنسان بالاتحاد الإفريقي .وأكد الأمين العام لشعبة التجار الشماليين بالجنوب صديق محمد أحمد كوراك في تصريحات صحفية بالبرلمان، إن الحركة الشعبية كانت قد استولت على (٣٥) مدينة تقدر الخسائر بمليارات الدولارات، وقال إن المدن تضم (متاجر ومزارع للشاي والبن) بقيمة (٣٤) مليار دولار، وأشار إلى أن حكومة الجنوب قامت بتأجيرها بآلاف الدولارات لتجار أجانب ومستثمرين يتبعون للحركات المسلحة. وأضاف كوراك أن أكثر من (١٠٠) ألف تاجر شمالي يعيشون أوضاعاً نفسية صعبة ولا يملكون قوت يومهم حتى أن بعضهم اضطر للتسول في الشوارع وبعضهم مات بالمرض لعجزه عن دفع تكاليف العلاج، واشتكى كوراك من التعتيم على قضيتهم، وأشار إلى أن اللجنة طلبت من الحكومة تضمين حقوق التجار الشماليين في اتفاقية نيفاشا إلا أنها لم تستجب، واتهم اتحاد أصحاب العمل والغرف التجارية بالتخلي عن التجار الشماليين، وأكد أنهم يتحملون جزءاً كبيراً من المسؤولية. وكشف عن قبول المحكمة الدعوى المرفوعة منهم ضد حكومة الجنوب بواسطة اللجنة الإفريقية لحقوق الإنسان بالاتحاد الافريقي، وطالب الحكومة بدعمهم في تسفير المحامين والشهود وبعض أعضاء اللجنة لحضور جلسات المحكمة. من جانبه أوضح النائب البرلماني مبارك النور أن التجار الشماليين يعيشون أوضاعاً وصفها بالصعبة، وقال إن اتفاقية نيفاشا أهملتهم لجهة أن الحكومة لم تؤكد على حقوقهم، ونوه الى أنهم تقدموا بشكاوى ضد حكومة الجنوب.

هل يقف ينبوع الدماء

بالرغم من تأكيدات رئيس دولة الجنوب حمايته للتجار الشماليين في بلاده إلا أن المذابح لم تتوقف، صحيح أنها لم تعد تأخذ الطابع الجماعي لكن الاغتيالات لم تتوقف، وفي ظل الفوضى التي تعايشها دولة الجنوب من حرب أهلية دامية تتسم بالوحشية بين الفصائل المختلفة ليس من المنظور أن تتوقف آلة القتل بل حتى وإن استقرت دولة الجنوب من الصعب التكهن باستقرار أوضاع التجار الشماليين والحفاظ على ممتلكاتهم وأرواحهم طالما أن المرارات المتوارثة تجاه الشمال والذي يمثل إرثاً متوارثاً ما قبل استقلال السودان ما زال كامناً في العقل الجمعي للمواطن الجنوبي ويتمدد في وجدانه الداخلي .

0 صوت
التعليقات : تعليق
« إضافة تعليق »
اضافة تعليق
اسمك
ايميلك

/500
تعليقك
7 + 1 = أدخل الكود
روابط ذات صلة
روابط ذات صلة
المادة السابقة
المواد المتشابهة المادة التالية