(الصيحة) تغوص في قرى محلية الكاملين بالجزيرة (1 ـ 3)

عرض المادة
(الصيحة) تغوص في قرى محلية الكاملين بالجزيرة (1 ـ 3)
تاريخ الخبر 03-05-2018 | عدد الزوار 562

قرية (ود خراش).. طرق وعرة وافتقار للصحة والتعليم

الآباء يجدون صعوبة في إيصال أبنائهم للمدارس

معاق: وصلت نسبتنا إلى (48%) ونعاني من العطالة

الحاج عبد القادر: نسبة العطالة في المنطقة تجاوزت الـ (60%)

مواطن: توجد بالقرية حفر قديمة تصطاد الصغار والكبار

مسؤول بالقرية: المشاكل بـ (الكوم ) ونطالب بالتدخل العاجل

المكفوفون ما زالوا يعيشون في ظلام الأمية ولا بد من.... !!

الجزيرة: انتصار فضل الله ـ مياه النيل مبارك

أسباب عديدة جعلتنا نقوم بزيارة القرى الواقعة شمال محلية الكاملين بولاية الجزيرة.. وكانت أولى هذه الأسباب الاتصالات والشكاوى المتكررة من بعض المواطنين قاطني تلك القرى.. حيث أنهم ناشدوا السلطات الاهتمام بمناطقهم والالتفات إلى إنسان الريف، عليه تحركت (الصيحة) مسرعة استجابة للنداءات.. فكانت الزيارة التي استغرقت يومين حبلى بالقضايا الإنسانية التي يعاني منها أهل القرى، فطوال الطريق المؤدي إليها كانت تنهال علينا الاتصالات من أصحاب الوجعة.. بعضهم ربطنا بالمسؤولين مباشرة لمعرفة الطريق جيداً والبعض الآخر يستعجلنا.. فعند وصولنا تقاطع منطقتي (التي ـ اللعوتة) الواقع على طريق (الخرطوم ـ مدني)، كان في انتظارنا مراسل الجزيرة (بشرى الجوهري) الذي قادنا إلى أولى القرى التي وطأتها أرجلنا .

على الطريق

وطوال الطريق الى القرية بواسطة (الركشة) كان الجوهري يروي لنا معاناة انسان ضواحي الجزيرة، وكيف أن السلطات أهملت القرى التي يفوق عددها الـ(500) قرية، حيث إنها تعاني غياب بعض الخدمات الأساسية، ولا زالوا يعانون من وعورة الطرق التي تربط تلك القرى ومدارسها بالمحلية، وبعضها يعاني الأمراض المستوطنة، والبعض الآخر يفتقر لكافة الخدمات ومقومات الحياة من مياه وصحة وتعليم، بالإضافة إلى مشاكل الأراضي التي خلفت نزاعات ما زالت تبعاتها مستمرة حتى اليوم، وأثناء ذلك أشر الجوهري نحو مدرسة اسمها (دار الحنان) تقع في منطقة ألتي، فأخبرنا بأن هذه المدرسة يحضر إليها الطلاب ذوو الاحتياجات الخاصة من القرى المجاورة لتلقي التعليم، وهي تفتقر للكثير من المعينات التي يحتاج إليها الدارس، لم تكن منطقة (ألتي) وجهتنا، فقد سبق وأن أجرينا سلسلة تحقيقات عن المشاكل والمعاناة التي تواجه سكانها.

معاناة رقم واحد

استمرت الرحلة بصحبة (الجوهري) إلى أن وصلنا قرية (ود خراش) وهي أولى المحطات التي وقفت عليها (الصحيفة).. فهي قرية قديمة تمتد جذورها إلى عمق التاريخ، وهي إحدى القرى التي يحترف سكانها الزراعة، فهي قرية صغيرة سواء من حيث المساحة البالغة (100) كيلو متر، أو من حيث عدد السكان الذين لا يتجاوز عددهم (1500) نسمة، وقد كانت في السابق معزولة بسبب صعوبة المواصلات، ومحرومة من أي شكل من أشكال الخدمات طيلة العهود الماضية، ولم يشهد أهلها الاستقرار والطمأنينة وخاصة في جانب الكهرباء والماء إلا في السنوات القليلة الماضية، تحيط بالقرية من الناحية الشمالية المزارع، ويحدها من الناحية الجنوبية طريق (الخرطوم ـ مدني)، أما من الناحيتين الغربية والشرقية فتحدها منطقة (قرطبة)، وعرفت (ود خراش) بكثرة النزاعات حول الأراضي منذ قديم الزمان، الأمر الذي تسبب في اندلاع المشاكل من فترة إلى أخرى.

الاسم والمعنى

تعود تسمية المنطقة إلى أحد السكان كان اسمه (محمد شلعي)، وقد كان يمتلك أعداداً كبيرة من المواشي والمزارع، وفي بداية ثلاثينيات القرن الماضي حضر إليه وفد من المسؤولين الإنجليز الذين كانوا يحكمون البلاد، لأخذ الضريبة المفروضة على المواشي، لكنهم عجزوا من حساب (البهائم) لكثرة عددها، فقالوا له كيف يمكننا عدها وهي بهذا الحجم، وأردفوا أنهم لا يستطيعون أخذ الضريبة بالتقريب، لذلك طلبوا منه (عدها)، ولكنه لم يتمكن من ذلك نسبة لأن القطعان تتداخل فيما بينها، فأخذ (شلعي) الإنجليز إلى قطعة أرض خالية (صقيعة)، وطلب منهم أن يقوموا بوضع علامة (رقم) على جلد البهيمة التي يحسبونها ومن ثم الذهاب بها إلى تلك البقعة، وبالفعل كلما عدوا واحدة وضعوا على جلدها علامة عرفت بـ(الخرش) حتى تمكنوا من الوصول إلى عدد المواشي كافة، ومنذ ذلك التاريخ عرفت المنطقة باسم (ود خراش)، وهو الرجل صاحب البهائم الذي توفي في العام (1947م)، ولقد التفتت إلى القرية القبائل من أجل السكن وامتلاك الأراضي والعمل، وود خراش تبعد حوالي (50) كيلومتر تقريباً من طريق (الخرطوم ـ مدني).

الطريق داخل ود خراش

بما أن القرية تابعة إدارياً لمحلية الكاملين، لذا يفضل أن نصف الطريق إليها من منطقة (ألتي).. فمن ألتي وبالتحديد الجانب الأيسر (الشرقي) تأخذ الطريق المؤدي إلى الناحية الشمالية الشرقية، وبداية يمر الطريق بجانب (مقابر) القرية والتي تواجه إهمالاً كبيراً، حيث إنها تفتقر للتسوير وتنتشر في باحتها النفايات بكثرة، وتمتاز القرية بمباني الجالوص والطوب، وتوجد بها الكثير من المساحات والفسحات الخالية التي تنتشر فيها البهائم والكلاب معاً، كما توجد بعض المباني المهجورة.

ومن خلال جلوسنا مع عدد من مواطني القرية علمنا أنهم يعتمدون في غذائهم على (البليلة، ومديدة الدخن، والكسرة والعصيدة) إلى جانب ألبان ولحوم الماعز وبعض البقوليات.

حفر القرية

تمتلئ القرية بـ(الحفر) التي تعوق حركة السير، وفي هذا الجانب، يقول المواطن (طه الريح) أحد السكان: هناك حفر كبيرة والتي يمتلئ قاعها بالمياه في فترة هطول الأمطار، وتظل المياه بها لفترات طويلة، الأمر الذي يؤدي إلى توالد البعوض والذباب ويؤدي إلى تردي البيئة وصعوبة المرور بقربها تفادياً لاستنشاق الروائح التي تزكم الأنوف، ويعود السبب في تواجدها إلى سنوات بعيدة، حيث كانت مصدر استجلاب التراب الذي استخدم في انشاء طريق (الخرطوم ـ مدني ) في العام (1963م)، وبالرغم من مرور كل تلك العهود ما زالت (الحفر) موجودة تستقبل (موية) الخريف ويغرق في عمقها الأطفال الذين يلعبون بالقرب منها، كما أنها تحولت لمستنقعات تصطاد المكفوفين وغيرهم من السكان كبار السن، وبات الأمر يتطلب ردمها بأقصى سرعة لإنهاء المشكلة.

أزمة صحة وتعليم

يقول المواطن (محمد): نتمنى سرعة إنهاء معاناتنا ومعاناة أبنائنا، بسفلتة الطرق والتي شكلت عائقاً أساسياً أمام أبنائهم وبناتهم لمواصلة تعليمهم في مدارس القرى المجاورة، خصوصاً في مواسم الخريف وجريان الأودية مما يتسبب في عزل أغلب هذه القرى عن المدارس، بل حتى عن المحلية.

أما عن معاناة المواطنين مع الصحة، فهي تعود إلى زمن طويل، حيث تحدثت الحاجة (فاطمة الشيخ) من سكان القرية قائلة: ورثنا معاناة الصحة والتعليم من أجدادنا الذين كانوا يعانون من شح الخدمات كافة، ولا زلنا أيضاً نعاني من عدم توفر الخدمات الصحية والتعليمية حيث توجد بالقرية مدرسة أساس واحدة فقط ، تأسست في العام (2011م) بالجهد الشعبي وهي تعاني التدهور والإهمال. كما أنها لا تسع الطلاب من (بنين وبنات)، وتعاني حماماتها المنتشرة خارج فناء المدرسة من التدهور البيئي، ناهيك عن أنها مكشوفة من كافة الاتجاهات حيث لا باب ولا سقف، إلى جانب تآكل جدرانها، كما لا يوجد سور للمدرسة، فالطلاب يدرسون في صقيعة بلا ساتر، هذا بالإضافة إلى أن المسرح الموجود بها لا ينفع لشيء، وناشدت بالاهتمام بالتعليم وتشييد مدارس مؤهلة للتعليم ليكفيهم عناء الذهاب بأبنائهم الطلاب إلى مدارس أخرى تبعد عشرات الكيلومترات عن قريتهم.

للمعاقين قضية

وشكا المواطن (م، أ) وهو معاق حركياً من تعدد المشاكل التي تواجه قطاع ذوي الاحتياجات الخاصة بالقرية، وقال إنهم يفتقرون لأبسط الاحتياجات فجميعهم يعانون العطالة، والحقوق المهضومة والتشرد الوظيفي، ودعا لضرورة النظر إليهم بعين الاعتبار مع توفير احتياجاتهم من صحة وتعليم وتوظيف حتى لا يموتون جوعاً، مشيراً إلى أن نسبتهم في قرى الكاملين فاقت الـ(48%)، حيث يوجد أكثر من (3) آلاف معاق في حوالي (200) قرية فقط لا يتجاوز عدد سكان كل قرية الـ(1500) نسمة، ويؤكد ضعف الدور الذي تقوم به الجهات المختصة نحو المعاقين والذي وصفه بـ(الصفر %)، وأضاف أنهم لم يتلقوا التعليم الكافي حتى اليوم، ودعا المنظمات العاملة في المجال تسجيل زيارات إلى القرى للوقوف على معاناة المعاقين.

أكبر مشكلة

تركنا المواطنين وتوجهنا نحو منزل الحاج (عبد القادر محمد عباس) وهو رئيس مجلس الأمناء ورئيس لجنة الزكاة بالقرية، إلى جانب أنه إمام الجامع ورئيس اتحاد المكفوفين، في البداية، اتفق مع المواطنين حول معاناتهم مع التعليم والصحة، لافتاً إلى أن الأشخاص ذوي الاحتياجات الخاصة يتلقون التعليم في مدرسة تقع خارج القرية، يدرس فيها كل الشرائح ماعدا المكفوفين الذين مازالوا يعيشون في ظلام الأمية، وأشار إلى أن أكبر مشكلة تواجه القرية تتمثل في انعدام المعلمين، حيث إنه لا يزيد عددهم عن الخمسة وجميعهم من خارج القرية، في الوقت الذي يواجه فيه الخريجون من أبناء المنطقة العطالة، واشتكى من عدم وجود مدرسة ثانوية وأن الطلاب يقطعون مسافات بعيدة لكي يصلوا إلى المدارس بالقرى الأخرى.

أهمية التوظيف

ويواصل الحاج (عبد القادر) حديثه، مضيفاً أنهم يواجهون مشكلة حصر المعاقين حيث يبلغ عددهم (3) آلاف معاق منتشرون في مئتي قرية، وهم في زيادة مستمرة، وبالنسبة للخدمات الأخرى يقول: تحصل كل أفراد القرية على الرقم الوطني ما عدا أربعة اشخاص لم تكتمل مستنداتهم، وهناك سعي لأن يحصلوا عليه في هذا العام، ودعا إلى ضرورة توظيف أبناء المنطقة في مجال التدريس داخل المنطقة للتخفيف من نسبة العطالة التي تجاوزت الـ(60%)، وبعث برسالة إلى رئيس الجمهورية بتعيين أبناء المنطقة من الخريجين لأنهم أصبحوا عطالة ويشكلون عبئاً كبيراً على الأسر، وفي جانب آخر أضاف أن إجراءات التأمين الصحي جميعها اكتملت حيث تم إدخال حوالي (175) أسرة تحت مظلته، وأن عدد الذين لم يدخلوا الخدمة حوالي ( 13) أسرة لعدم توفر مستنداتهم، وأشار إلى أن المهنة السائدة هي الزراعة والركشات وأن القليل من المواطنين يعملون في سوق (ألتي والمسيد)، والبعض الآخر امتهن السواقة في البصات السفرية على طريق (الخرطوم ـ مدني).

تكوين الاتحاد

ويقول (عبد القادر): تكون اتحاد المكفوفين في العام( 2015م)، بعضوية تتكون من (145) فرداً، والآن وصل إلى (300) كفيف على مستوى محلية الكاملين ، ولا يزال الحصر جارياً لمعرفة العدد الكلي لهم، وأشار إلى وجود مشكلة تواجه المعاقين حركياً البالغ عددهم حوالي (800) معاق في القرية، حيث إنهم لا يتمكنوا من استجلاب المعدات التي تخصهم من كراسي وعصي وتوظيف خاصة أن اغلبهم عطالة، وأن الاتحاد في كثير من الأحيان يأخذ عجلات كبار السن أو الأموات من المعاقين ويعملون على صيانتها وتوزيعها مجدداً للمعاقين الآخرين، وفيما يتعلق بالدعم المقدم لذوي الاحتياجات الخاصة لاستقبال شهر رمضان، أشار إلى أن هناك خدمات لتوزيع فرحة الصائم لكل المعاقين، ولقد تم استيعاب ثلاثة أفراد من المعاقين في الوظائف كمعلمين ، ولفت إلى أن المكفوفين يواجهون مشكلة في كيفية تعريف العملة وحتى الدواء وطالب بضرورة أن تكون الكتابة بالنسبة لهم بطريقة برايل وهي الطريقة التي يعرف بها الكفيف الكتابة عن طريق اللمس.

هاجس النزاعات

العم (عبد القادر) وهو (كفيف) ويقوم بنسج السراير وضرب الطوب إلى جانب الوظائف التي يشغلها، ختم حديثه لافتاً إلى وجود النزاعات الكبيرة التي تشهدها القرية في الاراضي والحيازة والتي تسببت في الكثير من الصراعات ومشاكل بـ(الكوم)، وناشد السلطات التدخل.

من جانبه قال (صلاح آدم) رئيس اللجنة الشعبية السابق للقرية بأن ( ود خراش) بها(110) قطعة ارض ونتيجة للمشاكل والنزاعات تقلصت إلى (900 ) قطعة فقط ، وضم صوته إلى مناشدة العم عبد القادر المتمثلة في تدخل السلطات المحلية لحسم المشاكل.

0 صوت
التعليقات : تعليق
« إضافة تعليق »
اضافة تعليق
اسمك
ايميلك

/500
تعليقك
4 + 7 = أدخل الكود