المدونة السياسية د. أمين حسن عمر حوارات الدستور 2

عرض المادة
المدونة السياسية د. أمين حسن عمر حوارات الدستور 2
تاريخ الخبر 28-03-2018 | عدد الزوار 490

لقد شهد السودان صراعات جمة تلطخ بعضها بالدماء، دماء السودانيين من هذا الفريق وذاك الفريق وقد آن الأوان لكي نضع نهاية سلمية لكل المنازعات الناشبة ونضع خطة لدرء النزاعات ابتداء من خلال التوافق الدستوري

أما وقد توجههت أنظار الأمة استشرافاً لمرحلة جديدة من تاريخ السودان فيتوجب أن ندرك جميعاً أن صيانة الدماء والحقوق والحريات هي مقصد كل التشريع

لعل أولى أولويات الحوار الدستوري الذي نُرجو أن يقوده المؤتمر الوطني وشركاؤه في تنسيقية الحوار لبناء قاعدة عريضة من التوافق حول الدستور هو التوافق أولاً على المبادئ الدستورية الكبرى

لقد سمعنا حديثاً طويلاً من المعارضين بل والمحاورين عن نقص فى الحريات وتضييق في فرص التعبير العام ومهما خالط تلكم الشكوى من مبالغة أحيانًا فلابد للدولة أن تجعل دأبها مراجعة وضع إنفاذ وثيقة الحريات والحقوق على أرض الواقع لتنزيل أحكامه في الحياة العامة واقعاً ملموساً

الدستور وثيقة التفاهم الكبرى في الدولة، ومقصدها هو تأسيس التوافق الوطني حول غايات الدولة ومقاصدها ومؤسساتها وعلاقاتها وكيفية إدارة الحكم بها وطرائق الوصول إلى تحقيق مراداتها في النهوض والتقدم والتنمية. ولذلك لزم لأية وثيقة مثل هذه الوثيقة أن تحظى بقبول كبير من المواطنين لكي يتحقق بها الاستقرار. وصنع الدستور عملية يتوجب أن يشارك فيها السواد الأعظم من أبناء الوطن بالحوار والتشاور عل كافة الأصعدة والمستويات ولا يكتفى فيها بأهل السياسة والقانون. ولئن كان التوافق الدستوري يمكن أن يتم دون تدوين فإن كتابة وثيقة للحقوق والمقاصد والعلاقات ليست بدعة حسنة من إبداعات الفكر السياسي فحسب، بل هي سنة مؤكدة أرساها الرسول صلى الله عليه وسلم عندما دوّن (وهو الأمي الذي يسعه التعاقد العرفي) صحيفة المدنية التي أعلنت تأسيس أمة موحدة من أشتات ساكني المدينة وأريافها وأطرافها حينذاك.

صحيفة المدنية

وأول ما قررته الصحيفة أن أهل المدينة (أمة واحدة من دون الناس) يتناصرون ويتعاملون ويفدون عانيهم بالمعروف ويمشون بالقسط بينهم . وأن أيديهم جميعاً على من بغى منهم، و أبتغى دسيعة ظلم أو إثماً أو عدواناً أو فساداً بين المؤمنين . وأن ذمة الله واحدة بجير عليهم أدناهم. وأنه من قتل مؤمناً على بينة فإنه قود به إلا أن يرضى ولي المقتول بالعقل "الدية تتناصر على دفعها الجماعة" . وأن المؤمنين عليه كافة لا يحل لهم إلا قيامٌ عليه . وأن سلم المؤمن واحدة لا يسالم بعضهم دون بعضهم. وتؤكد الصحيفة أنه "من تبعنا من يهود فإن له النصر والأسوة ""أي التساوي"غير مظلومين ولا متناصر عليهم . وأن لليهود دينهم وللمسلمين دينهم وأنفسهم إلا من ظلم . وأن البر دون الإثم وأن الجار كالنفس غير مضُار ولا آثم . وأن النصر للمظلوم وأن لا تُجار قريش ولا من نصرها . وأن بينهم النصر على من دهم يثرب وأن ليهود الأوس مواليهم وأنفسهم لأهل هذه الصحيفة البر المحض من أهل هذه الصحيفة . وأن البر دون الإثم لا يكسب كاسب إلا على نفسه . وأن الله على أصدق ما في هذه الصحيفة وأبره وألا يحول هذا الكتاب دون ظالم أو آثم . وأنه من خرج أمن ومن قعد بالمدنية أمن إلا من ظلم أو أثم . وأن الله جار لمن بر واتقى ومحمد رسول الله صلى الله عليه وسلم".

ومما تقدم فإن نصوص الصحيفة تنشئ أمة ودولة من أهل المدينة وتنشئ حلفاً بينهم وبين سكان أريافها وأطرافها من اليهود . وتجعل لهم حرية التدين وتجعل شأنهم أسوة في عصمة الدماء وفي الحقوق وفي البر المحض إلا من ظلم أو أثم فإن فعل فلا يكسب كاسب إلا على نفسه . وليس المقام مقام شرح صحيفة المدنية فلربما عنت سانحة أخرى لذلك ولكن الشاهد أن هذه الوثيقة أعلنت قيام الدولة وتوحد الأمة على عصمة الدماء والأمن والتناصر والتكافل والدفاع المشترك والذمة الواحدة ولا يراد من أي وثيقة دستورية أكثر من ذلك.

الدستور الانتقالي وبرتوكول مشاكوس

ولئن عرف الناس جميعاً اتفاقية السلام الشامل والدستور الذي نشأ عن دمجها بدستور 1998م فإن برتوكول مشاكوس الذي أسس للاتفاقية وللدستور من بعد قلما يذكره الذاكرون. وبرتوكول مشاكوس الموقع في 20 يوليو 2002 يعتبر وثيقة فوق دستورية حددت معالم الاتفاقية ومعالم الدستور من بعد. ولذلك لزم التوقف عند المعاني التي وردت في هذه الوثيقة المهمة. والبرتوكول يقرر ابتداء أنه المدخل لتسوية النزاع في السودان بأسلوب عادل ومستدام عن طريق معالجة الأسباب الجذرية للنزاع . وبوضع إطار للحكم يجري من خلاله اقتسام السلطة والثروة وضمان حقوق الإنسان بصورة عادلة. ويؤكد البرتوكول أن وحدة السودان تقوم على أساس الإرادة الحرة لشعبه . وأن يؤسس الحكم الديمقراطي والمساواة والعدالة لجميع مواطني السودان. ويعطي البرتوكول الحق لأهل الجنوب، في إدارة شؤون إقليمهم ورقابته والمشاركة بصورة عادلة في الحكومة القومية . وأن مصير الجنوب النهائي يحدد ضمن أمور أخرى بواسطة استفتاء لتحديد وضعه المستقبلي . ويقرر أن شعب السودان له تراث وطموحات مشتركة . وأن الدين والتقاليد والعادات هي مصدر القوة المعنوية والإلهام بالنسبة للشعب السوداني . وأن الطرفين سيعملان معاً لإقامة نظام ديمقراطي للحكم، يأخذ في الحسبان التنوع الثقافي والعرقي والديني والجنسي واللغة والمساواة بين النوعين في السودان. ويعملان لإيجاد حل شامل يوقف الحرب ويقيم العدالة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية ويحترم حقوق الإنسان . وأن نخطط الاتفاقية التي ستقوم على البرتوكول وتنفذ بغية جعل وحدة السودان خياراً جاذباً وبصفة خاصة لشعب جنوب السودان .وشمل البرتوكول جزءاً خاصاً عن العلاقة بين الدين والدولة أكد فيه على ما يلي:

إن الدين والمعتقدات والعادات مصدر للقوة المعنوية والإلهام بالنسبة للشعب السوداني.

كفالة حرية العقيدة والعبادة.

الأهليه للمناصب العامة تكتسب على أساس المواطنة.

المسائل الشخصية والأسرية تحكمها القوانين الشخصية.

وأن تحترم حرمات العبادة والتجمع الخاص بها والمؤسسات الخيرية التابعة لها.

وأن يكفل تدريس الدين أو المعتقد لأصحابه بما في ذلك المساهمات المالية لأجل ذلك.

مراعاة العطل الدينية وعدم إعاقة الاتصالات في المسائل الخاصة بالديانة.

أن لا يخضع أحد لأي شكل من أشكال التمييز ضده بسبب الدين.

وأكد البرتوكول على أن التشريعات التي تسن على الصعيد القومى والتي تتأثر بها الولايات خارج جنوب السودان مصدرها الشريعة والتوافق الشعبي . وأن التشريعات القومية المطبقة على الولايات الجنوبية يجوز لها المطالبة بسن تشريع متوافق معها إذا كان مصدر ذلك التشريع هو الشريعة الإسلامية أو أن يحال إلى مجلس الولايات للموافقة عليه بأغلبية الثلثين. ومعنى ما تقدم أن البرتوكول ضمن تطبيق الشريعة الإسلامية على كل التشريعات القومية عدا تلك الإقليمية (بالجنوب) وأن من حق الجنوب في حال اعتراضه على تشريع قومي أن يطلب عرضه على مجلس الولايات لإجازته بأغلبية الثلثين.

وبرتوكول مشاكوس أرسى بعض المعاني الواردة في صحيفة المدنية بتأسيسه الحقوق بين المتساكنين على التساوي بالمواطنة في الحقوق والواجبات . وأرسى الحريات الدينية لأصحاب الديانة المخالفة . وأكد مبدأ السيادة القومية للشريعة وجعل المطالبة بتشريع ليس من مصدرها وفقاً على الجنوب وبواسطة أغلبية الثلثين بمجلس الولايات . وأكد البرتوكول على حقوق الإنسان وعلى العدالة الاجتماعية والاقتصادية وعلى إقامة الحكم على التراضي والتشاور.

وأما وقد ذهب الجنوب في حال سبيله، فلا معنى الآن للحديث عن مرجعية لبرتوكول مشاكوس . بيد أن المعاني التي وردت فيه باقية هي تلك المعاني المتصلة برعاية التعدد والتنوع وحقوق الإنسان والحقوق الدينية . وإقامة الدولة على مبدأ المواطنة والتراضي على حكم ديمقراطي يجعل السلطة والثروة شراكة بين أهل السودان جميعاً دون تمييز. ولعل أولى أولويات الحوار الدستوري الذي نُرجو أن يقوده المؤتمر الوطني وشركاؤه في تنسيقية الحوار لبناء قاعدة عريضة من التوافق حول الدستور هو التوافق أولاً على المبادئ الدستورية الكبرى . والتي لن تختلف كثيراً عن تلك التي وردت في برتوكول مشاكوس، لأنه مهما لاحظ الناس من أن انفصال الجنوب قد أظهر المزيد من التجانس الديني والمعتقدات فإن مظاهر التنوع الثقافي والعرقى الجهوي لا تزال قائمة . ولا نزال بحاجة الى إدارة هذا التنوع عبر الدستور والتشريعات ليتحول الى قوة لصالح المجتمع لا أن يبقى عنصر إضعاف ومدخل نزاع وفتنة. كذلك فإنه مهما قلّ عدد أهل الديانة الأخرى فإن هذا الأمر لا مساس له بالحقوق المكفولة لهم منذ تنزيل القرآن وكتابة صحيفة المدينة . وهي حرية المعتقد والديانة والشعائر والحقوق المتصلة بذلك كله . كما لهم أن لا يقع التمييز ضدهم بسبب الملة أو العقيدة . وأن تؤسس الأهلية على مبدأ المواطنة سواء للمناصب السياسية أو في الخدمة العامة ولو أسلم كل هؤلاء ولم يبق منهم إلا فرد واحد لما جاز لأحد أن يحرمه من أي من هذه الحقوق بدعوى حقوق الأغلبية . فإن حقوق الأغلبية لا تطغى على حقوق الأقلية ولا الأفراد الأساسيين أبداً . ولا تجرد جماعة ولا فرد من مبدأ المساواة في الكرامة الإنسانية.

والمتأمل في صحيفة المدنية يُدرك كيف احترمت تلك الوثيقة معاني الأخوة الإنسانية والمساكنة والجوار لأن "الجار كالنفس غير مُضار ولا آثم" وأن من حقه "البر المحض" إلا من ظلم وأثم ولا يكسب كاسب إلا على نفسه. ولقد سمعنا حديثاً طويلاً من المعارضين بل والمحاورين عن نقص فى الحريات وتضييق في فرص التعبير العام ومهما خالط تلكم الشكوى من مبالغة أحيانًا فلابد للدولة أن تجعل دأبها مراجعة وضع إنفاذ وثيقة الحريات والحقوق على أرض الواقع لتنزيل أحكامه في الحياة العامة واقعاً ملموساً . وقد يعلم العالمون أن الأوضاع التي تنشئها النزاعات الأهلية وانتشار السلاح بين أيدٍ متمردة وأيدٍ متفلتة داعية من دواعي الحذر ، بيد أن الحذر يجب أن لا يكون مبررًا يتسع لتصرفات تحول دون تنزيل المبادئ على أرض الواقع . وأن تقدر الأوضاع الاستثنائية تقديرًا لا يخرج بها من حيز الاستثناء إلى أن تصير قاعدة عامة تفسد مناخات الحرية بالبلاد.

لقد شهد السودان صراعات جمة تلطخ بعضها بالدماء، دماء السودانيين من هذا الفريق وذاك الفريق وقد آن الأوان لكي نضع نهاية سلمية لكل المنازعات الناشبة ونضع خطة لدرء النزاعات ابتداء من خلال التوافق الدستوري .أما وقد توجههت أنظار الأمة استشرافاً لمرحلة جديدة من تاريخ السودان فيتوجب أن ندرك جميعاً أن صيانة الدماء والحقوق والحريات هي مقصد كل التشريع . وهي مقصد التشريع الإسلامي الأساس لأنه لا قيام لدولة بغير ذلك . ولا استقرار لمجتمع ولا إقامة لدين أو شعائر دون تأدية الحقوق لأصحابها وصيانة الحرمات وتأدية الأمانات والحكم بين الناس بالعدل . فذلك هو أمر الله الإلهي من قديم فهل نحن مستجيبون؟!

0 صوت
التعليقات : تعليق
« إضافة تعليق »
اضافة تعليق
اسمك
ايميلك

/500
تعليقك
3 + 4 = أدخل الكود