خفايا يذكرها رجال أمن ثنائية الأمن والسياسة.. خيوط متشابكة الأطراف

عرض المادة
خفايا يذكرها رجال أمن ثنائية الأمن والسياسة.. خيوط متشابكة الأطراف
تاريخ الخبر 11-03-2018 | عدد الزوار 322

صحافيون وسياسيون إنخرطوا في جهاز الأمن

هذه هي تفاصيل قصة القاضي الهارب

لماذا اعتُقلت حوّا الطقطاقة؟

ماذا فعل جهاز الأمن تجاه قضية تجارة العملة؟

كثير من المتغيرات اجتاحت منظومة دول آسيا وإفريقيا مع بدايات النصف الثاني من القرن الماضي بسبب تغير نظم الحكم في القارتين الآسيوية والإفريقية وظهور قادة لهم الفضل في حركات التحرر الوطني في بلادهم مثل جمال عبد الناصر وكوامي نيكروما وإسماعيل الأزهري وجواهر لال نهرو وغيرهم، ولأن أشكال الحكم كانت متغيرة، فقد اقتضى الأمر أن تواكب أنظمة الحكم أجهزة مخابرات قوية، وارتبط عمل أجهزة الأمن - بحسب العقيد أمن "م" محمد الفاتح عبد الملك- بإعمال الفكر والعقل المرتبط بالتحليل السليم لما هو متوافر من معلومات للوصول للحقيقة بصورة علمية.

في هذه الورقة نكتب عن سياسيين ارتبطوا بجهاز الأمن وعما يدور في أضابير ذلك الجهاز، وعن أمنيين سجلوا شهاداتهم للتاريخ، وحوادث ارتبطت بالأمن وصحفيين دارت حولهم شبهات ارتباط بالجهاز وغيرها الكثير المثير الذي تجدونه في هذه الورقة.

مسميات عديدة

بدأت منظومة الأمن السوداني عملها في البلاد في فترة مبكرة منذ إعلان الحكم الذاتي للسودان في عام 1954 مروراً بإعلان الاستقلال وحتى قيام "ثورة 25 مايو 1969 "، وتحول الاسم لعدة مسميات منها "قوة دفاع السودان"، ثم أضحت "بوليس السودان"، ثم تغير الاسم بعد حقبة مايو ليصبح "الأمن الداخلي" ثم حل جهاز الأمن بعد انتفاضة أبريل ثم أعيد إحياؤه ثانية في عام 2004 تحت مسمى جهاز الأمن القومي، ومن ثم تم توحيد جهاز الأمن الوطني الذي كان مكلفاً بالأمن الداخلي، والمخابرات السودانية الذي كان مكلفاً بالأمن الخارجي في جهاز واحد وتحت إدارة مدير عام واحد تحت مسمى جهاز الأمن والمخابرات الوطني.

حادثة عنبر جودة

لعل أبرز الحوادث التي ارتبطت بتقارير ارتبطت بأداء البوليس السري ـ وربما حمّل وزرها - حادثة عنبر جودة والتي حدثت في فبراير 1956، وكان سبب الحادثة أن مزارعي المشروع الذي يقع جنوبي كوستي قد رفضوا تسليم أقطانهم لأصحاب المشاريع والحكومة حتى يتم توفير القيمة المجزية لهم، وكان أن تجمهر المزارعون وحدث احتكاك بينهم وبين قوات البوليس نتج عنه مقتل عشرين مزارعاً ورجلين من البوليس بالإضافة لعدد مائة من الجرحى في صفوف المزارعين ، وكانت قمة المأساة أن اعتقل 681 مزارعاً وأدخلوا في أحد مخازن رش المبيدات، وذلك في يوم 22 فبراير 1956 ليتوفى منهم اختناقا قرابة المائتين، وبحسب العقيد أمن "م" محمد الفاتح عبد الملك- مما ذكره في كتابه "أجهزة الأمن السودانية .. أحداث ومواقف" فإن تقارير أمنية وسياسية أشارت إلى أن السلطات الإدارية وسلطات البوليس تعاملت مع الأحداث متأثرة بإيحاءات بعض أصحاب المشاريع الخاصة على الرغم من ثبوت واقعة إخلال الأمن من جانب المزارعين والتي كانت كافية لاتخاذ الإجراءات القانونية تجاههم .

قضية حواء الطقطاقة

لعل قضية الفنانة حواء الطقطاقة من أشهر القضايا التي تعكس تحسس جهاز الأمن تجاه ما يراه يمثل شكلاً من أشكال المعارضة تجاه الحكومات العسكرية، وقد ذكر هذا الأمر واحد من أفراد الأمن، إذ ذكر العقيد أمن "م" محمد الفاتح عبد الملك- أن حواء الطقطاقة كانت قد غنت في حفل لأحد كبار الأسر - في أغسطس 1959- وطفقت تردد "أزهري السوداني .. أخرج البريطاني ورفع العلم.. أول رئيس سوداني"، غير أنه تم القبض عليها من قبل رجال الأمن وقتئذٍ وفتح بلاغ عليها تحت المادة 127 من قانون الإخلال بالأمن وحكم القاضي عليها بالسجن لمدة أربعة شهور مع حق الاستئناف لوجود سوابق لها منذ عام 1947م.

قصة القاضي الهارب

ذكر الفريق أول شرطة عبد الوهاب إبراهيم سليمان – وزير الداخلية ورئيس جهاز الأمن العام الأسبق - في كتابه "أوراق من الذاكرة " بأن هناك معلومات وردت تفيد بأن قاضياً - واسمه عبد الرحمن - له نشاط سياسي جهوي، وكان هذا بعد محاولة المقدم حسن حسين الانقلابية، وبالبحث اتضح بأن هناك عاملاً قضائياً يدعى عبد الرحمن إدريس بالمكتب التنفيذي وربما كان هو المقصود وتم القبض عليه وبدأ التحقيق معه وفي مساء أحد أيام شهر رمضان دعاه الحرس –أي القاضي – وهو بحراسة داخل مباني الأمن العام لتناول الإفطار معهم وأثناء الإفطار استأذن في الذهاب للحمام ولم يعد إذ هرب عن طريق فتحة صغيرة وقبض عليه فيما بعد واشتهرت قصته في الصحف باسم "القاضي الهارب"، وبعد ذلك شارك في العمل العام وأسهم بفعالية.

إشاعات

وذكر العقيد "م" محمد الفاتح عبد الملك كيف أن الإشاعات يمكنها أن تخلق بلبلة كبيرة خاصة عندما يرتبط الأمر بجهاز الأمن، مشيراً لقضية حسنين والتي اكتسبت شهرة وبعداً سياسياً كبيراً إذ تم استغلالها لتصاعد المواجهات بين السلطة العسكرية - إبان عهد الفريق عبود- وجبهة المعارضة التي كان يقودها حزب الأمة والحزب الوطني الاتحادي والحزب الشيوعي السوداني.

وتعود تفاصيل القصة بحسب ما رواه العقيد "م" محمد الفاتح في كتابه " أجهزة الأمن السودانية .. أحداث ومواقف" بأن سلطات الأمن بالأبيض قد ألقت القبض في يوليو 1961 على حسنين حسن حسنين وسليمان حامد متهمين بتوزيع منشورات شيوعية معادية للنظام وفتح فيهما بلاغ، وتم تشكيل مجلس عسكري إيجازي لمحاكمة المتهمين، وكانت قد نالت قضية المتهمين شهرة كبيرة بعد أن أشيع أن المتهم حسنين قد تعرض لتعذيب بدني شديد بلغ حد نفخه مما عرض حياته للخطر، ودفعت الإشاعة قادة الأحزاب والمواطنين لاستنكار ما حدث مما حدا بوزارة الداخلية إصدار بيان تنفي فيه الحادثة، وتذكر أنه تم عرض المواطن للجنة طبية أكدت بأنه لم يتم نفخه أو كيه.

صحفيون في دائرة الجهاز

هناك بعض الصحفيين اعترفوا بعملهم الصحفي في دائرة جهاز الأمن مع عملهم الصحفي داخل صحفهم ومن هؤلاء الصحفيين الصحفي عبد الله عبيد – صاحب عمود "قلب الشارع " - والذي كان قد عرّض به الصحفي حسين خوجلي متهماً له بأنه مؤسس جهاز الأمن القومي في عهد مايو، فرد عبيد على خوجلي - فيما سطره الأول في كتابه " ذكريات وتجارب " – قائلاً " هذا شرف لا أدعيه وتهمة لا أنكرها "، وأضاف عبيد بأنه وآخرون- سمى منهم زميله الصحفي ميرغني حسن علي - كانوا النواة التي أسست القسم الصحافي بجهاز الأمن ودافع عبيد عن موقفه "المرفوض أن يعمل الإنسان في جهاز أمن وطني لصالح قوى أجنبية، أما إذا وصل الحزب الذي تنتمي إليه للحكم فما المانع أن تعمل في أجهزة أمنه إذا طلب حزبك منك ذلك لصفات معينة تتوفر فيك.. ؟ ". وعن طبيعة عمل الصحفيين في داخل الجهاز يقول عبيد " داخل الجهاز كنا نمارس عملنا الصحفي من أعمدة يومية وتحقيقات صحفية من داخل مكاتبنا بالقسم الصحفي جهاراً نهاراً وليس من داخل دور الصحف كما يتخيل البعض ".

الأمن وتجارة العملة

ذكر الرائد "م" زين العابدين محمد أحمد عبد القادر-عضو مجلس قيادة ثورة مايو- في كتابه " مايو .. سنوات الخصب والجفاف" أن الحكومة كانت قد أوكلت لجهاز الأمن السيطرة على تجار العملة حتى يستقر سعر الصرف، وكانت المعلومة التي وصلت للجهاز أن أحد تجار العملة يريد سبعة آلاف جنيه إسترليني ليشتريها بمبلغ 12 ألف جنيه سوداني، فلما وصلت المعلومة للرائد زين العابدين اتصل بمحمد علي محمد المحسي محافظ بنك السودان المركزي وقتئذ، وطلب منه توفير المبلغ، ولما كان المبلغ هو الوحيد الموجود كاحتياطي للعملة الحرة، فإنه رفض أن يسلمه له وما كان من الرائد زين العابدين إلا أن أمره بتسليم المبلغ حتى يكون جاهزاً للكمين وذكره بأن المهمة وطنية لإنقاذ الاقتصاد الوطني، وتم الكمين كما كان مخططاً له إلا أن تاجر العملة لم يسلم العميل الوهمي المبلغ حتى تتم عملية الضبط والمداهمة، وذكر الرائد زين العابدين بأن الهدف أنكر وجود عملة أجنبية لديه وأنكر فعلته مما جعل فريق المداهمة يظن بأن هناك خطأ في الخطة مما يعرض الإسترليني "وديعة بنك السودان" للضياع وهروب تاجر العملة بصيده جهاراً نهاراً، فالتفتيش لم يسفر عن شيء ، وأضاف الرائد زين العابدين بأن ثقته في العميل الوهمي كانت كبيرة، ولكن عدم وجود جسم الجريمة جعله يعيد ترتيب حساباته ويتبع أسلوباً خشناً مع التاجر ليجبره على الاعتراف وهو ما كان فقد سجل تاجر العملة اعترافاً ووجد الإسترليني داخل "حفرة الدخان" بحي الكبجاب بأمدرمان، واعترف الرائد "م " زين العابدين في لقاء جماهيري بكسلا أن الجهاز لجأ لضرب اللصوص والمخربين حتى لا يتعرض الاقتصاد للتخريب.

سياسيون في دائرة الجهاز

أبرز الساسة الذين انتظموا في سلك الجهاز – حسب زعم اللواء د. محمود قلندر في كتابه "سنوات النميري" إبان عهد مايو ممن ثبت أقدامهم الحزب الشيوعي في تنظيم جهاز الأمن أعوام مايو الحمر وهم من المدنيين: "ع. س" ، "م. أ .س"، و"ا.ب" ويقابلهم من العسكريين: "ع. ن"، "س. م"، "ا. ن"، "ك. ا"، ويذكر قلندر أن الرائد فاروق حمد الله وزير الداخلية كان يقول لأعضاء مجلس الثورة بأنه يعمل بما أسماه سياسة "المغفل النافع" مشيراً بذلك إلى ما درج الشيوعيون على التعامل به مع أفراد لا ينتمون إلى الحزب، ولكنهم يعتبرون مفيدين لهم دون أن يدروا، وقد كشفت الأيام – فيما بعد – صدق فرضية حمد الله هذه؛ إذ أن كثيراً من المعلومات المتعلقة بأسرار التنظيم الشيوعي حملتها إلى الأجهزة الأمنية حملتها الكوادر التي بقيت في خدمة تلك الأجهزة من بعد يوليو 1971م!.

قضية الفلاشا

وتعتبر قضية الفلاشا من القضايا التي أثير تحتها جدل كثيف، وقد ذكر عميد أمن"م" حسن بيومي في كتابه "معضلات الأمن والسياسة في السودان" أن قضية تهريب الفلاشا من أثيوبيا عبر السودان إلى عواصم أاخرى ليستقروا في إسرائيل هي خطة حبكتها جهات أجنبية، وقصدت بذلك الفعل تشويه سمعة جهاز أمن الدولة – والذي جرى حله في أبريل 1985- تمهيداً لتهيئة الأجواء الداخلية لضربه وتشريده، مشيراً إلى أن قرار ترحيل الفلاشا جاء بالموافقة من الرئيس الأسبق جعفر نميري بالترحيل إلى خارج البلاد، وليس إلى إسرائيل. ووصف بيومي الفلاشا بأنها قبيلة أثيوبية الموطن منزوعة عن بقية القبائل الأثيوبية الأخرى- مثل الأمهرا والتقراي والأنواك- وهي يهودية الديانة معزولة اجتماعياً ومنهكة صحياً وخاملة سياسياً ولا توجد مرجعية عن الأصول الحقيقية للفلاشا وقد عمدت إسرائيل لنقلهم إليها بأساليب كثيرة ليستقروا بها، مضيفاً بأن شباب الفلاشا من الجنسين يستخدمهم الموساد في أفريقيا بوجه عام، وعلى الحدود السودانية بوجه خاص حيث يستفاد من سحنتهم الأفريقية في مهام وأغراض استخبارية.

الأمن وحركات التحرر

شارك لصالح حركات التحرر حيث ساند الثورة الإرترية التي اندلعت شرارتها الأولى في سبتمبر 1961، وبدأت صلته بالثوار التشاديين في مطلع الستينيات وظل لصيقاً بحركات التحرر الوطني في المنطقة.

تحليل للمعلومات

وقال اللواء د. محمد عباس الأمين في حديثه لـ"الصيحة "أمس إن الحديث عن أن جهاز الأمن والمخابرات هو فرع للتحليل المعلومات، فالجهاز يعمل على السيطرة على المعلومات وتحليلها ويعمل على توجيهها في الاتجاهات التي يرغب بها، وهذا يظهر جلياً في أن جهاز المخابرات المصري مثلاً كان لديه في كل ثانية معلومة جديدة وموجهة لهدف معين، أما عن حرب الإشاعات وتأثيرها في الأمن القومي، فقال الأمين إن الجهاز يعمل على توجيه الإشاعة أو السيطرة عليها أو نسفها إذا كانت لا تتفق مع الأهداف السياسية التي ترجوها الدولة.

0 صوت
التعليقات : تعليق
« إضافة تعليق »
اضافة تعليق
اسمك
ايميلك

/500
تعليقك
6 + 8 = أدخل الكود