القيادي الإسلامي أحمد عبد الرحمن يُقلّب أوراق العمر مع الترابي

عرض المادة
القيادي الإسلامي أحمد عبد الرحمن يُقلّب أوراق العمر مع الترابي
تاريخ الخبر 06-03-2018 | عدد الزوار 591

في الليلة الظلماء افتقدنا الترابي الذي كان بدرًا منيراً

شيخ الترابي هو الذي أشعل شرارة ثورة أكتوبر

هذا (....) ما دار بين الترابي وعلي عثمان بمنزلي

شيخ حسن لن يتكرّر وهو فلتة من فلتات السودان

الترابي التقى بالبشير أثناء المفاصلة أكثر من مرة

الترابي لن يتكرر في السنوات العشر القادمة

لولا الترابي لما كان الحوار الوطني

الرئيس الباكستاني قال هذه الشهادة في الترابي

بعد المفاصلة لم يأتني إحساس بأنني ضد الشعبي

يعتبر القيادي بالحركة الإسلامية أحمد عبد الرحمن أكثر القيادات معاصرة للراحل د. حسن الترابي، حيث امتدت العلاقة بينهما منذ العام 1954م بجامعة الخرطوم، وظلت تلك العلاقة باقية ومحفوفة بالود إلى حين رحيل الترابي.

(الصيحة) جلست معه لتقليب أوراق العمر، وسنوات الدعوة والعلم والعمل، فخرجنا بالتالي.

حوارـ عبد الرؤوف طه

*كيف استقبلتَ ذكرى رحيل د. الترابي الثانية؟

- منذ البارحة بدأت أعيش ذكريات نادرة جداً، وتحيط بي كثير من المشاهد والذكريات، وكان للراحل الترابي القدح المعلى في كثير من المراحل السياسية والاجتماعية والقانونية والاجتماعية، والترابي كان يمثل لنا القيادة الحقيقية، وكانت له رؤية واضحة.

* متى عاصرت الترابي؟

- هو أكبر مني بعام، وعاصرته في جامعة الخرطوم لمدة واحدة فقط تحديداً عام 1954م، بعدها غادر هو في بعثة دراسية إلى لندن وبعدها عاد لفترة قبل أن يتوجه إلى فرنسا أيضا التقينا به.

* كيف كان الترابي الطالب في جامعة الخرطوم؟

- الترابي كان ملفتاً للنظر كطالب غير عادي في جامعة الخرطوم، واضح جداً كان يعد نفسه لرسالة، ولم يكن له نشاط طلابي، وكان مشهوداً له بالاطلاع والقراءة خاصة المرجعيات الإسلامية، وكان يطلب منا القراءة والاطلاع على كل المرجعيات الإسلامية، ويطلب منا حفظ القرآن الكريم كله، بدل من حفظ آيات محددة، ويطالبنا بقراءة التفاسير كلها وكان مؤثراً منذ أن طالباً.

*هل كنتَ لصيقاً بالترابي؟

- نعم، منذ السنة الأولى بجامعة الخرطوم، ثم وجوده في انجلترا طالباً ووجوده في فرنسا لنيل الدكتوراه والترابي كان حالة نادرة في الدراسة بفرنسا، وهو فضل الدراسة في فرنسا وفي لندن كان مؤوثراً وسط الطلاب العرب، وتعرف على القيادات الفلسطينية بقيادة أبوعمار، وفي فرنسا كان طالباً فوق العادة ومتميزاً جدا حسب شهادة أساتذته.

* ما الذي استفاده الترابي من الدراسة في فرنسا؟

- في فرنسا، الترابي التحم بحركات التحرر الأفريقية التي كانت تجد دعماً من فرنسا، وقتها كنتُ طالب ماجستير بهولندا وكنا على اتصال مستمر.

* كيف كان شكل الاتصال بينكم؟

- كنتُ أزوره في فرنسا، وكان يقطن في قرية هناك، وكنت ألتقي به ويأتيني في هولندا، وأنا كنتُ رئيس اتحاد الطلاب المسلمين في هولندا، وبدأت فكره تغيير نظام الفريق إبراهيم عبود تختمر في ذهنه عن طريق الطلاب، وطلب مني الحضور إلى السودان على وجه السرعة.

* متى كان ذلك؟

- في العام 1964م، وكان الترابي قد زارني في هولندا تحديداً لاهاي، وقال إن نظام عبود رغم الإنجازات التي قدمها اقتصادياً ينبغي تغييره لأنه سيكون سُبة في وجه أهل السودان لأنه أهان كرامة الإنسان من خلال سوء استخدامه السطلة في الجنوب، ولذلك على الحركة الإسلامية السعي لإسقاط نظام عبود وأن المناخ مناسب.

* كيف شارك الترابي في تغيير نظام عبود؟

- وجدته يقود التعبئة بنفسه، وكثير من القيادات السياسية والعدلية كانت في حالة تململ من النظام، ومستعدة للتغيير، بل ساهمت في التغيير، والحركة الإسلامية هي التي أشعلت الشرارة الأولى ضد عبود، ولكنها لا يمكن أن تدعي أنها صنعت أكتوبر .

*من الذي صنع أكتوبر؟

- النخب المثقفة كلها شاركت في صنع أكتوبر، لكن من أشعل الشرارة والتفكير في الثورة كانت الحركة الإسلامية ودكتور الترابي على وجه الخصوص، ولا يتنازع على ذلك شخصان .

*ماذا فعل الترابي من أجل إشعال أكتوبر؟

- يكفي المذكرة التي قدمها بالنيابة عن أساتذة جامعة الخرطوم والتي وقع فيها كل الأساتذة إلا فئة قليلة اعتبرت المذكرة سياسية، ثم قاد الترابي تعبئة الشارع بعد استشهاد الطالب أحمد القرشي وأصبح الترابي النجم الساطع.

*إذًا أكتوبر هي التي قدمت الترابي للشارع العام؟

- بل هي من قدمت الحركة الإسلامية للشارع، وبدأت الحركة الإسلامية تأخذ الجانب الشعبي بعدما كنا موسسة صفوية مغلقة.

*هل افتقد السودان الترابي بعد رحيله؟

- في الليلة الظلماء يُفتقد البدر، وكلنا فقدنا الترابي والجميع يتطلع لشخصية لديها رؤية ثاقبة مثل الترابي.

*وهل يمكن أن يأتي شخص مثل الترابي؟

- نعم، يمكن أن يتكرر، ولكن ليس في الوقت الحالي، ولكن في القريب لن يتكرر، وهو فلتة من فلتات السودان، وهو من أصحاب الوعي المبكر في القضايا الفكرية والإسلامية.

*كان مؤثراً على مجايليه أليس كذلك؟

- بل كان تأثيره ممتداً لكل الوطن العربي، ولم يكون مؤثراً داخلياً أو على مسوى السودان، فقد أثر فكرياً وإسلامياً على معظم الحركات في المنطقة.

* عدد من الدول العربية والإسلامية كانت تكن للترابي وداً كثيراً؟

-الرئيس الباكستاني ضياء الحق قال في مؤتمر إسلامي كبير جداً لم أشهد شخصاً لديه تأثير في السنوات العشر الماضية في المحيط الإسلامي مثل الشاب الذي يجلس أمامي الشاب (حسن الترابي)، وكانت كلمته أمام جموع من القيادات الإسلامية.

*في اعتقادك هل فشل الإعلام السوداني في تسويق الترابي عالمياً بل تعرض لهجوم داخلي عنيف؟

- معظم المفكرين لم يسلموا من النقد، والترابي كان جريئاً جداً في كثير من القضايا خاصة قضية المرأة، والقيادي بحركة النهضة التونسية عبد الفتاح موروا قال في مقابلة تلفزيونية إن الترابي أخرجهم من موقف محرج جداً في التعامل مع المرأة وحركة النهضة التونسية استرشدت بأفكار الترابي .

* أقصد أن الترابي بالداخل كان مظلوماً، وكان في مرمى نيران الهجوم من قبل مخالفيه في الرأي؟

- الكمال لله، وهو كان يملك شعبية عالية جداً، والتأبين الذي أقيم للترابي لم يقم لأي شخص، وكل السودانيين شاركوا في وفاته وحضروا إلى المقابر، وإلى التابين الذي أقيم له، ويكفي أن حسن الترابي مؤثر بشدة في دول كثيرة سواء اعترفت بذلك أم لم تعترف.

*ما هي الدول التي أثر فيها؟

- مثلاً القيادة القطرية كانت مقربة من الترابي، وحضرت بمستوى هائل في وفاته، وجسدت الحزن والألم بالفقد الكبير. لكل المنطقة الخليجية وللحركة الإسلامية قاطبة، وقطر كانت تحفظ كثيراً من الأيادي البيضاء للترابي، وهو كان يبادلها الحب والود.

*نريد مقارنة بين الترابي المفكر والترابي السياسي؟

- د. الترابي تميز أنه جمع بين الفكر الغربي بشقيه (المدرسة الفرنسية والبريطانية)، وجمع بين التراث والوعي، واستطاع أن يواجه كل علماء عصره بقوة حجته ولباقة طرحه، وهو كان متميزاً في امتلاكه اللغات خاصة اللغات الإنجليزية والفرنسية والإيطالية، وهو كان ملفتاً للنظر، وكان يعبرعن نفسه بأكثر من لغة وجريء.

*حدثنا عن الترابي القائد؟

- قاد الحركة الإسلامية في مرحلة صعبة جداً، واستطاعت في فترة قصيرة أن تتبوأ الحركة الإسلامية بجهده موقعاً متقدماً جداً في الحركة السياسية في السودان، خاصة في الأوساط المتعلمة سواء كان في الموسسات التعليمية أو في المدن، لذلك حققنا نتائج مميزة في أول انتخابات، ثم حققت الحركة الإسلامية وجودا كبيراً في الوسط المثقف بدليل فوزها بكل دوائر الخريجين في انتخابات 1986م، خاصة في المدن، اكتسحنا 50% من الدوائر في ولاية الخرطوم في تلك الانتخابات منذ ذاك الحين بدأت القوى الغربية تستهدف الحركة الإسلامية ولكن حظيت بقبول كبير جداً من الحزب الشيوعي الصيني وكان يقول إن المستقبل للحركة الإسلامية، وحزب البعث العراقي كان متوجساً من صعود الحركة الإسلامية كقوة جديدة. وبرحيل الترابي فقدت الحركة الإسلامية رجلاً ضخماً وعظيماً.

*هل أثرت المفاصلة على علاقتك مع الترابي؟

- أقسم بالله العظيم بعد المفاصلة لم يأتني إحساس بأنني ضد الشعبي أو مع الوطني، في الرابع من رمضان تناولت الفطور مع الترابي، ومنذ ذلك الوقت ظللنا على صلة، إلى أن جمعتهم مع الشيخ علي عثمان محمد طه بعد 15عاماً من المفاصلة بمنزلي.

*بمعنى لم يكن للمفاصلة تأثير على علاقتك مع الراحل الترابي؟

- لم أشعر داخل نفسي بأننا انفصلنا، وكنت أعتبر المفاصلة فتنة سلطة، وفي الآخر الشيخ الترابي شعر بأن لابد من التوحد لأن مستقبل السودان مرهون بوحدة الحركة الإسلامية، وكان يقول إن قوى كبيرة تقف ضد إعادة توحيدها وتسعى لإعادة استعمار السودان.

*هل وافق الترابي على الجلوس مع علي عثمان دون تردد؟

- نعم، فعلها وقد كنت أتصور أن الترابي لم يقبل الجلوس مع علي عثمان .

*ما هي المدة الزمنية التي استغرقتها لإقناع الترابي بالجلوس مع علي عثمان؟

- قبل ثلاثة أشهر من اللقاء جلست مع الترابي ثلاث مرات وجلسة واحدة مع علي عثمان، كنتُ أظن أن القضايا ستكون مستعصية، وجدت العكس، وهو أن الترابي مهموم بوحدة أهل القبلة، وكان يخشى أن يرحل عن الدنيا الفانية والسودان مفكك والحركة الإسلامية ممزقة.

*ما هو المدخل الذي استخدمته لإقناع حسن الترابي بلقاء علي عثمان؟

- بعد ثلاث جلسات معه، طلبت منه أن يقبل بالجلوس مع علي عثمان، ووجدت تجاوباً كبيراً من الطرفين.

*متى كانت أولى جلسة بينهما؟

-كانت في اليوم الثاني بعد ليلة خطاب الوثبة.

*لماذا تم اللقاء بمنزلك؟

- فكرنا في اختيار مكان آخر ولم نجد غير منزلي .

*ما الذي دار في الجلسة، ومن الذي تحدث أولاً؟

- أنا من بدأ الحديث، وكنا نحن الثلاثة فقط.. لكن بكل أسف مر عام كامل دون أن يلتقي الترابي وعلي عثمان مرة أخرى.

*لماذا لم يتواصلا بعد اللقاء؟

- هذا سوال كبير جداً.

*هل هنالك جهات كانت غير راضية عن اللقاء الذي تم في منزلك؟

- نعم، كانت هنالك جهات غير راضية عن اللقاء و(ناس السلطة) كانوا مشككين في نوايا الترابي.

*ماذا قال علي عثمان في تلك الجلسة؟

-كلاهما تأسف للماضي، وقالوا إن الصحابة لم ينجوا من هذه الفتن، وقالوا يجب أن نعمل من أجل وحدة الحركة الإسلامية أولاً، وجمع أهل القبلة ثانياً، والحرص على وحدة السودان ثالثاً، وقال الترابي في تلك الجلسة إن السودان إذا انفرطت العقدة فيه سيكون أسوأ من الصومال، وقال كل مقومات الفوضى موجودة .

*هل فقد الحوار الوطني الترابي بعد رحيله؟

- لولا الترابي لما وجد الحوار الوطني، والحوار لم يأت من فراغ، والمؤتمر الوطني أيضا كان مهموماً بالحوار، وكانت هنالك توصية مبكرة بالحوار، والترابي كانت لديه رؤية واضحة للحوار، ولديه علاقات مع كل القوى السياسية، اليسار والحركات المسلحة، وكان على صلة كبيرة مع رئيس المؤتمر الوطني الأخ عمر البشير .

*تقصد أنه ورغم المفاصلة كانت العلاقة بين الترابي والبشير ممتدة؟

- نعم، رغم المفاصلة كانت العلاقة بينهما ممتدة وأخبرني الترابي أنه التقى بالبشير أكثر من مرة، وقبل الحوار الوطني حدث أكثر من اللقاء بينهما، وذلك لأن الترابي لديه رصيد كبير من العلاقات مع اليسار لدرجة جعلت الترابي يدخل دار الحزب الشيوعي، وهو رجل فاعل، وحينما خرج من قوى الإجماع الوطني لم يتعرض لنقد أو هجوم من اليسار، لذلك ترك فقده فراغاً عريضاً في الدولة .

* لم تحدثنا عن السيدة وصال المهدي؟

- هي امرأة فاضلة وصامتة، ومنزل الشيخ الترابي كان مفتوحاً للجميع في وقت كنا لا نعرف فيه المسوؤلية، وكانت السيدة وصال تخدمنا بكل جهد، وهي امرأة قلما يجود الزمان بمثلها ووجودها بالقرب من الترابي كان أحد أسباب نجاحه .

0 صوت
التعليقات : تعليق
« إضافة تعليق »
اضافة تعليق
اسمك
ايميلك

/500
تعليقك
1 + 7 = أدخل الكود