سيرة رجلٍ ملأ الدنيا وشغل الناس الترابي.. "ويسهر الخلق جراها ويختصم "

عرض المادة
سيرة رجلٍ ملأ الدنيا وشغل الناس الترابي.. "ويسهر الخلق جراها ويختصم "
تاريخ الخبر 05-03-2018 | عدد الزوار 497

نائب الرئيس الأمريكي: أسلمتُ على يد الترابي

جعفر شيخ إدريس: (...) هذا ما لمسته في الترابي

- "الغارديان" البريطانية: الترابي هو الأستاذ الفكري لبن لادن

حاج حمد: لا يُشكِّل مدرسة تجديد معاصر على أسس منهجية

المحجوب: الترابي كان يعمل دائماً على إغاظتي في البرلمان

توكُّل كرمان: الترابي مجدِّد

الخرطوم: نجاة إدريس إسماعيل

قبل عامين من الآن .. وفي السابعة مساء من مثل هذا اليوم في الخامس من مارس من العام 2016 .. قطعت الفضائيات السودانية بثها، ونعى الناعي الدكتور حسن عبد الله الترابي - الزعيم التاريخي للحركة الإسلامية السودانية الحديثة، وعراب دولة الإنقاذ المسيطرة على الحكم زهاء ثلاثين عاماً- والذي سقط في مكتبه في صبيحة ذاك اليوم إثر علة قلبية بعد بضعة وستين عاماً من العمل السياسي.

في هذه الورقة نتتبع لمحات من سيرة الرجل - الذي شغل الساحة السياسية وأثار غباراً لما يزل صداه كثيفاً - ونستقرئ الأقوال التي قالها في حقه محبوه ومعارضوه، وما قالته عنه الصحف الغربية، ثم نعرج للتناقضات التي صاحبت مسيرته السياسية كما نعرج للكثير المثير الذي تجدونه في ثنايا الورقة.

ما بين النحلان والترابي

يربط د. غازي صلاح الدين ربطاً أنيقا بين الترابي وجده إذ قال "لم يكن ما يملكه الشيخ حمد سلاحاً مادياً، كان ما يملكه مزاجاً حديدياً وإرادة عنيدة أهلتاه للانتصار في كل مواجهاته". وأضاف: " يوصف الترابي بأنه سياسي وأحياناً بأنه مفكر، وأحياناً أخرى بأنه داعية، وكل تلك الصفات فيه بدرجات متفاوتة، فمن صفات القائد المقاتل الجلد والصبر، تلك الخصيصة التي يبدو أن الترابي تلقاها في حمضه النووي من سلفه العنيد الذي شغل الأحداث منتصف القرن الثامن عشر. برنامجه اليومي وهو في عامه الرابع والثمانين لم يختلف عن برنامجه وهو شاب حدث.

وفي ذات السياق يقول د.عبد الله علي إبراهيم في كتابه "الشريعة والحداثة .. مبحث في جدل الأصل والعصر" يقول: " يكاد الناظر يرى في اهتمام الترابي بتجربة جده الكبير بعض أجندته هو نفسه في تجديد الإسلام. وحيثما يرى رواة سيرة الترابي في حركته الدينية انكفاء على هذه التركة السلفية، لا يجد الترابي غضاضة في تفسير تاريخ عائلته بطرق تتفق مع اهتمامه الفريد في إخراج الدين من منعزله لينهض بعبء التغيير الاجتماعي.

بداية

رغم أن الترابي أبصر نور الحياة في أرض القاش "كسلا" عام 1932، إلا أنه ترعرع في مسقط رأسه وموطن أجداده بقرية "ود الترابي" في جو أسري تسوده روح التصوف وعلوم الدين، درس الثانوية في مدرسة حنتوب ثم انتقل للمرحلة الجامعية، حيث التحق بكلية القانون في جامعة الخرطوم، وتخرج فيها في عام 1955، ثم انتقل منها ليكمل دراسته فوق الجامعية في جامعة إكسفورد ببريطانيا والتي حصل على درجة الماجستير فيها، ثم انتقل لجامعة السوربون بفرنسا وحصل منها على شهادة الدكتوراه في عام 1964 .

أكاديمي بحت

والمنقب في ملف الترابي في "مرحلة الطلب" يجده منكباً على تلقي العلم، وطبقاً لصديق محيسي في "حروب الترابي"، فإن الترابي كان "طالباً عادياً في جامعة الخرطوم ولم تلحظ له أي بوادر سياسية أو فكرية، وإنما كان يفضل الانطواء والانكباب على الدروس، قليل الكلام ، متخذًا من حذر خفي قاعدة له في التعامل مع الآخرين". ولعل محيسي بنى رؤيته تلك وفقاً لرواية زميله القانوني كرار محيي الدين عووضة والذي أكد بأن الترابي لم يكن مهتماً بالسياسة في سنوات الدراسة الجامعية، كما لم يلحظ عليه أي استعداد للانخراط في الأجواء السياسية أو الثقافية بالجامعة .

أول ظهور

سطع نجم د. حسن عبد الله الترابي قبيل انطلاق الشرارة التي أطاحت بنظام الفريق إبراهيم عبود في عام 1964 إثر الندوة السياسية التي نظمها اتحاد طلاب جامعة الخرطوم وقدمها هو، وكانت الندوة مصممة لنقاش قضية الجنوب، وكانت الندوة التي أقيمت في التاسع عشر من اكتوبر من عام 1964 أول ندوة سياسية يتحدث فيها د. حسن الترابي، ورغم كونها الأولى له إلا أنه كان قد شن فيها هجوماً شديداً على حكومة الجنرال عبود، مشيراً إلى أزمة الجنوب باعتبارها أزمة دستورية في المقام الأول.

ما بين الأنداد
يقول د. جعفر شيخ إدريس – أستاذ الفلسفة بكلية الآداب في جامعة الخرطوم سابقاً، والقيادي التاريخي بالحركة الإسلامية - في مقابلة أجرتها معه صحيفة البيان الإماراتية العدد 4122 عن د. الترابي " ذهبت والترابي إلى نفس المدرسة - حنتوب الثانوية - في مطلع خمسينيات القرن الماضي، وكنا نسكن في ذات الداخلية وكان الترابي أمامي في الدراسة بسنتين، ولم يكن معنا في الجامعة آنذاك ، وعندما كنت في السنة الأولى بالجامعة سمعنا أنه انضم إلى الجماعة، وفرحنا بذلك. ثم عرفته عن قرب وصحبته في الجامعة، لكني بدأت ألمس فيه عيوباً في الفكر والسلوك. والبعض يظن أن دافع نقدي له هو التنافس ولكني لاحظت عليه ذلك وأنا مسؤول عن التنظيم وانتقدته وقتها ولم تكن بيننا أي منافسة".

إغاظة

ذكر رئيس وزراء السودان الأسبق لدورتين محمد أحمد محجوب في كتابه "الديمقراطية في الميزان أن " د. الترابي حاول في البرلمان أن يعمل دائماً على إغاظتي فلم ينجح اللهم إلا في إتاحة الفرص لي للسخرية منه ومن الصادق لكونهما مبتدئين في السياسة وفي الحياة البرلمانية، في حين قد أصبحت جداً على الصعيد العائلي أو على صعيد الزعامة، إذا جاز القول أو في المناورات البرلمانية".

اختراق

ذكر رجل الأمن والمخابرات الفريق أول شرطة عبد الوهاب إبراهيم سليمان - وزير الداخلية ورئيس جهاز الأمن العام في حقبة مايو - في كتابه "أوراق من الذاكرة " أن هناك من ذكر له بأن د. الترابي كان يود أن يعرف كيف حصلنا على مذكرته عن الجبهة الوطنية من قبل أن يجف مدادها فقال له: لا جدوى من جهاز أمن لا يخترق التنظيمات المعارضة وفي أعلى مستوياتها، والمذكرة التي عناها الترابي هي مذكرة مسهبة ناقش فيها الترابي نشاط وفاعلية أداء الجبهة الوطنية، وانتقد كثيراً حزبي الأمة والاتحادي وقد حملها إلينا – والحديث لعبد الوهاب – صديق من الاتجاه الإسلامي وبدون أي مقابل مادي.

تضاد

فيما رأت الناشطة اليمنية توكل كرمان –الحائزة جائزة نوبل للسلام – في د. حسن الترابي مجدداً تجاوز الأفكار التقليدية، قائلة عنه إنه يعد من الشخصيات البارزة والعملاقة التي أثرت العمل الإسلامي السياسي والفكري في القرن العشرين.. لقد سعى الترابي في كل اجتهاداته ومواقفه ومؤلفاته لمجاراة العصر، وتجاوز الأفكار التقليدية، وقد جلب له هذا التوجه كثيراً من الانتقادات والهجوم لدرجة تجرؤ البعض على إخراجه من دائرة الإسلام.. اتسمت آراء الترابي بالشجاعة والتجديد والإيجابية، ويحسب له أنه كان من الأشخاص الذين مارسوا النقد الذاتي دون تصنّع أو تكلّف".

كتابات إصلاحية

فيما رأى - خلافاً لرأي توكل كرمان – المفكر السوداني محمد أبو القاسم حاج حمد في كتابه "السودان.. المأزق التاريخي وآفاق المستقبل "إن الترابي لم يكن مؤهلاً فكرياً لدور الطموح الفردي الذاتي، فهو – بحسب حاج حمد – لا يشكل مدرسة تجديد معاصر على أسس منهجية ومعرفية، فكتاباته إصلاحية، وتجد مماثلات لها في الفكر الديني الإصلاحي لمرحلة النهضة 1830 ـ 1940 ويكتفي الترابي بهذا القدر من التفكير الإصلاحي في كل كتاباته خوفاً من التجذير العقائدي الذي يمكن أن يسبب له مواجهات فكرية داخل تنظيمه، بما يؤدي لانقسامات تضعف مركزه القيادي داخل التنظيم من ناحية وتعرضه لنقد الحركات الصوفية المتحالف معها من ناحية أخرى، فتوجهات الترابي سياسية وفردية طموحة وليست عقائدية بما يشاع عنه .

هنتنجتون يستشهد بالترابي

استشهد الكاتب صامويل هنتنجتون- في كتابه الداوي "صدام الحضارات.. إعادة صنع النظام العالمي" في سياق حديثه عن الاقتصاد والديموغرافيا وحضارات التحدي وعن الأصولية الإسلامية والتي ينظر إليها على أنها الإسلام السياسي - بالدكتور حسن الترابي، مستشهدا بقول الأخير عن الصحوة الإسلامية المعاصرة في تجلياتها في شتى شعاب الحياة: "هذه الصحوة شاملة، إنها ليست عن الصلاح الفردي فقط، ليست فكرية وثقافية فقط، وليست مجرد صحوة سياسية، هي كل ذلك، إعادة بناء شاملة للمجتمع من القاع إلى القمة ".

بعد عالمي

للدكتور الترابي- صاحب رسالة الدكتوراه " حالة الطوارئ في الفقه الدستوري" من جامعة السوربون بفرنسا - علاقات واسعة بدول العالم الأول وصداقات ندية مع مفكرين وكتّاب غربيين، ومن أعمق الحوارات التي أجريت مع د.الترابي حواره مع الصحفي المستشرق الفرنسي ألان شفالرياس عام 1994م في مكتب د. الترابي في شارع البلدية بالخرطوم، عندما كان أميناً عاماً للمؤتمر الشعبي العربي الإسلامي ونشرته دار لاتيس الفرنسية عام 1997م وترجمه من الفرنسية للعربية السفير يوسف سعيد، حيث حاور شفالرياس الترابي عن عدة قضايا فكرية وسياسية واجتماعية منها صدام الحضارات والأسرة والعلاقات بين الجنسين ومسألة الحجاب والعولمة والعلاقات الدولية، وفي مجلة الشقائق الإماراتية - العدد 77، يناير2004 - أن نائب الرئيس الأمريكي نيكسون للأمن القومي في البيت الأبيض 1963 ثم مستشاره للشوون الخارجية حتى 1969 الدكتور روبرت كرين "فاروق عبد الحق " أسلم في خريف 1980 على يد د. حسن الترابي حيث التقيا في أحد المؤتمرات وكان د. الترابي يشرح فكرة الإسلام، قال روبرت كرين - في شهادته عن الترابي - فأدركت أنه متقدم في أفكاره ثم رأيته وهو يصلي ويسجد وكنت ضد مسألة السجود لأن الإنسان في نظري يجب ألا يسجد لأحد ففي هذا إهانة له ولإنسانيته، ولكني أدركت أن د. الترابي لم يكن يسجد لأحد وإنما يسجد لله، وقلت في نفسي إذا كان حسن الترابي ينحني لله ويسجد له فالأولى أن أنحني وأسجد أيضاً. وهكذا فعلت ودخلت الإسلام من يومها على يد د.الترابي .

جدل واهتمام

ومن بلاد التايمز – في بلاد تموت من البرد حيتانها – زعمت الغارديان البريطانية أن الترابي يعتبر الأستاذ الفكري والسياسي لأسامة بن لادن، فيما وصف الكاتبان الدكتور مليلارد بر- أستاذ العلوم السياسية بجامعة أريزونا - والدكتور روبرت كولنز أستاذ العلوم السياسية بكلية سانت باربرا في كتاب "السودان الثوري .. حسن الترابي ودولة الإسلاميين " تجربة د. الترابي الفكرية بأنها تقف في النقطة الفاصلة بين الإسلام العلماني والإسلام الأرثذوكسي المحافظ، وتلخص في بعدها السياسي سيرة الفشل في تأسيس أول حكومة إسلامية في أفريقيا، والسودان يحتل تخوم التوتر الحساس بين أفريقيا والعالم العربي. وقد تصدى الكاتب الدبلوماسي خالد موسى دفع الله لمزاعم الغارديان قائلاً: إنه ستبقى اجتهادات الترابي في السياسة والفكر والنظر محل جدل واهتمام وسط الأكاديميات الغربية لوقت ليس بالقصير.

برغماتي

في كتابه " الإخوان والعسكر.. قصة الجبهة الإسلامية والسلطة في السودان " سمّى الكاتب حيدر طه مدرسة الترابي بالبرغماتية في التنظيم، والميكافيلية في السياسة، ويرى طه أن المدرسة البرغماتية في التنظيم، الميكافيلية في السياسة عند الترابي نجحت في توظيف الظروف السياسية المعقدة والمتشابكة بعد ثورة أكتوبر 1964 في استصدار قرار من الجمعية التأسيسية بحل الحزب الشيوعي السوداني الذي استطاع أن يكتسب مواقع جديدة وتأييد دوائر الخريجين في الانتخابات في البرلمان بأحد عشر مقعداً في البرلمان مما منحه صوتاً عالياً في الحياة السياسية السودانية، وينسب الكاتب إلى المفكر الإسلامي الاشتراكي بابكر كرار قوله عن الظاهرة الترابية "الترابية آفة الحركة الإسلامية، بحكم أن لكل شيء آفة من جنسه "، ويقال إن بابكر كرار هو الذي ظل يتابع نمو الترابي فكرياً وسياسياً منذ كان طالباً في حنتوب الثانوية، وربما هاله ما وصل إليه قائد الإخوان في تلك المرحلة .

فتى أخلاقه مثُل

ورغم الجدل الكثيف حول الرجل في الدين والسياسة والفكر.. حباً وبغضاً، حياً وميتاً، لم ينطفئ الجدل حتى بعد رحيله ، ورغم ذلك فلا يزال هناك من يردد مقاطع مما نظم الشاعر إمام علي الشيخ في أنشودته الشهيرة "فتى أخلاقه مثل" من ديوانه "الليل الأبيض"

عتي في عواصفها

وهل يتزلزل الجبل

قوي في زوابعها

فليس يهزه جلل

فتيّ في مواقعها

وطوع حسامه الأجل

وإن دارت معاركها

فلن يتقهقر البطل

0 صوت
التعليقات : تعليق
« إضافة تعليق »
اضافة تعليق
اسمك
ايميلك

/500
تعليقك
5 + 3 = أدخل الكود