حين يتحوّل الـ(أمل) إلى (ألم) الشاب موسى والطفلة آيات.. قصة تُروى بالدم والدموع

عرض المادة
حين يتحوّل الـ(أمل) إلى (ألم) الشاب موسى والطفلة آيات.. قصة تُروى بالدم والدموع
تاريخ الخبر 02-03-2018 | عدد الزوار 715

حكم عليهم القدر بالإعاقة الدائمة بدلاً من العلاج المؤقت

غرف البصير العشوائية تحوِّل حياتهما إلى جحيم

والدة موسى: رأيت دودة حية على رجل ابني بعد فك الرباط

الطبيب المعالج لآيات: البصير ارتكب أكبر خطأ بكسر رجل الطفلة مرة أخرى

الخرطوم: آيات مبارك

(آيات) التي تسكن منطقة أمبدة بأمدرمان طفلة في الخامسة من عمرها، غضة الإهاب لم تكن تدري أن الحياة تحفها النكبات والمطبات، وتضم بداخلها اعتقاداً ويقيناً جازماً بأن الشطارة في البصارة أو أن هنالك ظروفاً مادية ضاغطة قد تجبرهم على البحث عن بدائل للطبيب المختص، لذلك كانت تمضي فرحة مسرعة وتسير ماضية في طريق لا يقودها فيه سوى الألم ثم الموات المحتوم لأحدى أطرافها.

كسر وأوجاع

تعرضت (آيات) إلى كسر في إحدى رجليها، وهنا كانت النهاية في وأد طفولتها وجفاف ضحكتها على يد ذاك البصير الذي يعمل تأسياً بمنهج البصيرة أم حمد مستجمعاً في ذلك كل تجاربه في البصارة حتى (تتباصر) إحدى قدميها بواسطة التجارب المتكررة على رجلي طفلة لم تتجاوز الخمس سنوات، و(البصيرة أم حمد) تلك المرأة التي أعيت الحكمة أهل منطقتها في إخراج رأس الثور من الزير، وبعد لأي وتفكير طالبتهم بقطع رأس الثور، فحاولوا إخراج الرأس من (الزير) ولم يفلحوا، ثم طلبت منهم كسر الزير ففعلوا، فصارت أيادي الأهالي خاوية لا ثوراً عاش ولا زيراً بقي !!
جبيرة وخطأ

و(آيات) عندما تعرضت إلى كسر في (عضم الفخذ) توجه بها ذووها إلى البصير ، فقام بعمل (جبيرة) في الرجل مطالبهم بالعودة بعد أسبوع وبعد مضي تلك الفترة، أجابهم بأن هذه الرجل قد تم جبرها عن طريق الخطأ، لذلك سنضطر إلى كسرها، وفعلاً تم ذلك على وجه السرعة دون أي بنج أو مخدر يقيها شر الألم الشديد الذي لا يتحمله كائن من كان، وبعد كسر الرجل تم الربط مرة أخرى بإحكام وبصورة أقوى وأشد عن سابقتها ، لدرجة أنها قد عملت على قطع التروية الدموية أسفل الكسر، لذلك لم تستطع (آيات) صبراً.

بكاء وألم

فكانت تقطع الليل والنهار بكاء حاراً عندها شعرت أسرتها بأن الوضع غير طبيعي فعادوا بها مرة أخرى إلى (البصير) الذي لجأ إلى منطق البصيرة أم حمد مرة أخرى ومنها كانت نهاية ما تبقى من القدم فقد نصحهم بمسح مكان الألم بقماش متشرب بماء الثلج، الشيء الذي ساعد على ضيق الشرايين وإيقاف أي كمية من الدم قد تمضي إلى بقية القدم المصاب الشيء الذي ساعد على ضيق الشرايين نسبة لحدوث انقباض في حالة تعرضها إلى أي برودة حسب حديث الطبيب المتابع لحالتها د الجعلي الحاج محمد بمجمع جراحة العظام والإصابات بمستشفى الخرطوم بحري.

حالة متأخرة

يؤكد الدكتور الجعلي في حديثه (للصيحة) بأن الطفلة (آيات) قد أحضرها ذووها إلى المستشفى بعد أن أصيبت القدم بالغرغينة اللينة أي في مراحلها المتأخرة ولم يكن منا سوى أن قمنا بإجراء موجات صوتية للشرايين للتأكد من قابليتها للعمل وعرضها على أخصائي الأوعية الدموية الذي أكد في فحصه بحدوث انسداد تام للأوعية، فعملنا على وضعها في أدوية سيولة بغية الحصول على أمل ضعيف يعيد إليها الحياة وحتى لا يحدث للقدم بتر كلي، ولكن مع الأسف لم يكن هناك أي نوع من الاستجابة فقد تحول لون الرجل إلى الأسود القاتم إضافة إلى جفاف ومنها بدأ عظم الرجل في الظهور نسبة لعدم وصول الدم فقد تيبست القدم تماماً وانعدمت الحياة فيها فاضطرنا إلى إجراء عملية البتر خشية من تأثر الأجزاء الأخرى من الرجل .
ويضيف د. الجعلي أن هذه القدم كان بإمكانه على أسوأ الفروض أن يشفى دون أي تدخل من أحد ـ فقط حافظت عليه بمنزلها ولم تتحرك ـ لأنها صغيرة في العمر، وإذا حدثت أي مضاعفات نتيجة ذلك قد تكون أخف ضرراً ويمكن علاجها . لكنهم مع الأسف لجأوا إلى البصير الذي أوصلهم إلى هذه المرحلة النهائية .

حالة أخرى

ولم تكن حالة الشاب (موسى) بأفضل من سابقتها، و(موسى) القادم من إحدى قرى الدويم إلى الخرطوم، يبدو زاهياً بعد مضي 17 عاماً من عمره يمضي بقوة نحو ذروة شبابه وانفتاحه على الحياة على أوسع أبوابها، ويلتمس فيها طريقاً فيها عبر قدميه اللتين كانتا حديث ملاعب كرة القدم في منطقته، ولم يتوقع أن تنحدر حياته بهذه النهاية السريعة صوب الهاوية التي طالب بها هو بملء فيه منادياً الأطباء مطالبهم ببترها حتى يرتاح من فيوض الألم وحركة الديدان والبكتريا التي وجدت من قدمه مسكناً ومرتعاً.

إغلاق الشرايين

تعرض (موسى) إلى كسر عادي في القدم مما اضطر أهله إلى نقله إلى البصير الذي قام بربط القدم بإحكام مطالباً منهم العودة بعد أسبوع، وفعلاً تم ذلك، وعند عودتهم مرة أخرى أعاد ذات الرباط بطريقة أخرى مطالبهم بالعودة بعد 45 يوماً، ولكن يبدو أن هذه القدم التي كانت تلعب بقوة ومهارة لم تحتمل ذاك الألم، ولم يحتمل ذلك حتى أهله الذين تأكد لهم أن الأمر لا يطاق فقد وصفه والده بحزن (اكان بعاين للنجوم فوووق) هنا توجس قلب الأب فقد توقف الدم والإحساس تماماً .. وأغلقت مداخل الشرايين، فما كان منهم أن تركوا طريق البصير جابناً وتم (فك ذاك الرباط البالي) فالألم لا يطاق، وتوجهوا صوب الطبيب عند مدينة الدويم، هنا تدخلت الأم قائلة: وعند (فك ذاك الرباط فوجئت.. بخروج دودة صغيرة)، وأضافت مستدركة: بأن رائحة الجرح ونتانته لازالت عالقة بالغرفة التي كان فيها، ثم واصلت: وعندما انتهى الطبيب من (فك الرباط ) كانت الأرض قد امتلأت بالدود من من كل الأحجام ! فقام الطبيب بنظافة الجرح جيداً. ولكن لم يبارح الألم مكانه قيد أنملة، فحملنا رحالنا وتوجهنا صوب الخرطوم وعند حضورنا إلى مستشفى بحري كانت القدم قد تيبست تماماً وخرجت نفثات روحه من أبواب الحياة من بين أصابعه المتفرقة.

هذا عرض لحالتين في تلك القضية التي وددنا أن نطرق عليها جيداً قبل أن نفتح هذا الملف الدامي والذي غالباً ما تكون نهاياته البتر السريع.

الظرف الاقتصادي

وعن حالة (موسى) أكد د. الجعلي: بأن مشكلته كانت عبارة عن إصابة خفيفة وبأي حالٍ من الأحوال لا يمكن أن تتعدى إلى هذه المرحلة، ويستطرد قائلاً: إن السبب يرجع إلى عادة الذهاب إلى البصير، وقبله الظرف الاقتصادي باعتبار أن البصير يمكنك أعطاؤه أي مبلغ، تعد ثقافة مجتمع ليس إلا، وليس لديها علاقة بمستوى التعليم وقد ترضخ للعديد من التداخلات الأخرى مثل الجهل وانعدام التوعية الصحية التي تحتاجها العديد من المجتمعات خصوصاً المحلية. ولكن في حالة حضورهم إلينا فإننا كجهة اختصاص وفي بداية الفحص نمضي تلقائياً إلى حيث التروية الدموية لنرى مدى سريانها أو عدمه.

ضعف وعي

لقد خرج صوت البصير المتابع لتلكم الحالتين من صوت أقلامنا لأنه غالباً ما يكون أحد أهاليهم أو معارفهم وربما يوجد عندهم مكمن الاعتقاد الجازم الذي لا يحيط من حوله سوء أو مظان لذلك يتحفظ الإهالي عن ذكر اسمه بالرغم مما يصدر منه من نهايات مأساوية وحزينة، تحتاج منا إلى كثير من الوعي والتوجيه الاجتماعي، في الوقت الذي أكد فيه العديد من الأطباء على عدم وجود جدوى لأي علاج خارج الإطار العلمي لكسور العظام، فالأمر لا يحتمل أي نوع من التكهنات أو الخبرات التي قد تطيح بأحد أطراف الجسد المصاب، لأن أغلبها يتم علاجه بصورة غير صحيحة، مؤكدين أن خطأ الطبيب يمكن تداركه، ولكن خطأ البصير دائماً ما تكون نتائجه وخيمة على المرضى.

رفض

وفي الوقت الذي يرفض فيه الأطباء دور البصير جملة وتفصيلاً نسبة للمضاعفات التي تأتيهم من لدنه، دعونا نتوقف عند الحالات التي كللها النجاح، لنطلق السؤال التالي هل بإمكاننا المواءمة بين الطبيب المختص وعمل البصير وتراكم خبراته كونه يملك تأثيراً كبيراً في الحياة السودانية؟ أم بأمكاننا أن نعمل على تدريب البصير ورفع موطن الأذى الذي قد يسببه البعض منهم؟ وذلك من أجل للحد من تلك الترسبات والمعتقدات الاجتماعية تدريجياً. أم أن هذين المشهدين اللذين تصدرا أعلى القضية قد يغلقان المنافذ للعبور إلى تلك المملكة التقليدية؟

من المحرر

هنالك حالة أخرى موجودة بالمستشفى أتت من لدن مضاعفات البصير وليس لديها مقدرة على البقاء في المستشفى نسبة للظرف المادي الضاغط، وهم لا يملكون حتى مصاريف الوجبة القادمة، فقد وجدنا جميع أفراد الأسرة في حالة وجوم تام ووجوهم شاحبة ملؤها الحزن والأسى، أما ذلك الشاب موسى فهناك حزن لا يستطيع مداراته ولا يثبته سوى الإيمان بالقضاء والقدر وتوقف نزيف الألم المستمر والسهر الذي قضى على ماء عينيه ولم ترتاح روحه إلا بعد أن تم بتر قدمه.

0 صوت
التعليقات : تعليق
« إضافة تعليق »
اضافة تعليق
اسمك
ايميلك

/500
تعليقك
3 + 7 = أدخل الكود