آخر من كتبها مبارك الفاضل وإبراهيم منعم منصور..

عرض المادة
آخر من كتبها مبارك الفاضل وإبراهيم منعم منصور..
تاريخ الخبر 24-02-2018 | عدد الزوار 370

المذكرات السياسية.. الحقيقة المجرّدة أم المتجمِّلة بالمساحيق؟

مذكرات المحجوب: الترابي في البرلمان كان يعمل على إغاظتي

مذكرات عبد الرحيم عمر: محمد عطا تولَّى كبر الحملة على (الشعبي) من أجل ترفيعه

عمر حضرة: أكتب مذكراتي منذ عام 1973 ولن أنشرها

البوني: مذكرات السياسيين تتوقف صدقيتها على (....)

الصاوي: معظم مذكرات السياسيين تبريرية

الخرطوم: نجاة إدريس إسماعيل

المذكرات السياسية، هي سيرة ذاتية متجردة، من غير مساحيق، حيث تستوجب أن تروى فيها الحقيقة، ولو كانت على النفس وأولي القربى. لكن في الغالب تصلح المقولة الأفريقية "طالما لا تملك الأسود مؤرّخين، فستبقى حكايات الصيد تمجّد الصيادين" على المذكرات التي يخطها الساسة السودانيون في شأن تسطير وتوثيق أحداث وطنية مهمة. حيث لا تزال السياسة لعبة مصالح مما يقتضي أن ينقلب الموقف إلى ضده إذا اقتضى الأمر، خاصة وأن المجتمع السوداني يقدم الأواصر الاجتماعية كثيراً في سلسلة أولوياته، ولا يرحم البتة في موضوعات المس بالقيم والموروثات.

تناقش هذه الورقة هل يسرد السياسي الحقيقة عارية عندما يكتب مذكراته للتاريخ أم يتجمل؟ وهل يقف بعين الحياد بعد مضي سنين من الحدث أم يظل ينحاز لنفسه ولمواقف حزبه؟ ومن هم أبرز الذين كتبوا مذكراتهم السياسية؟ وما هي المذكرات التي حملت أسراراً خطيرة؟ ولماذا يصر بعض السياسيين ألا تخرج مذكراتهم من مخابئها إلا عندما يغادرون إلى القبر، كل هذه الأسئلة وغيرها نناقشها في هذه المساحة..

أبرز المذكرات

ومن أبرز المذكرات السياسية التي رفدت المكتبة السودانية مذكرات" الديمقراطية في الميزان" لمحمد أحمد محجوب، ومذكرات خضر حمد، ومذكرات أحمد محمد عباس و"كفاح جيل" لأحمد خير المحامي، و"مشيناها خطى" لأحمد سليمان المحامي و"المسيرة" لأمين التوم، ومذكرات إسماعيل العتباني وغيرها.

أسرار الانقلابات

ذكر عبد الماجد أبو حسبو – من مؤسسي الحزب الوطني الاتحادي ووزير الأشغال ثم العدل ثم الإعلام بعد ثورة أكتوبر 1964م، في مذكراته "جانب من تاريخ الحركة الوطنية في السودان" أن وزير المواصلات وقتذاك -إبان عهد 17 نوفمبر 1958- محيي الدين أحمد عبد الله سأله عن رأيه في الثورة، فقال له: هل تريد رأيي كأخ لأخيه أم كمواطن عندما يخاطب حاكماً عسكرياً؟ فقال: بل كصديق وكحزبي فقلت له: إنما هو انقلاب كانقلاب عبود، وقال عبد الماجد إن محيي الدين طلب منه في تلك المقابلة أن يجمعه بإسماعيل الأزهري ومبارك زروق في بيته وبحضوره على أن يبقى الأمر سراً بينهم الثلاثة، فذهب إليهما وأخبرهما بالموعد على أن يتناولا معه إفطار رمضان بمنزله؛ لأنهم جميعاً كانوا مراقبين، ويضيف عبد الماجد: وفي اليوم المحدد حضر الرئيس إسماعيل الأزهري ومعه مبارك زروق وانتظرا حضور محيي الدين، إلا أنه لم يحضر حتى ضرب مدفع الإفطار وانتظراه بعد ذلك طويلاً إلا أنه لم يأت وبعدها قال الأزهري ربما استدعي لاجتماع مفاجئ والغائب عذره معه! وبعدها جاءه صديق مشترك بينهما فأخبره أن محيي الدين أخبره بأنه لم يأتنا لأنه اكتشف أنه مراقب، وهنا تذكرت ما قاله لي محيي الدين عندما قابلته وحذرته من أن عبود ورفاقه لن يغفروا له إذلاله لهم وأنهم لابد متربصون به ومنتقمون.

انقلاب على الانقلاب

وأضاف أبو حسبو: عندما أصبح محيي الدين وشنان وزيرين أحسا بعد فترة بأنهما معزولان تماماً من زملائهما أعضاء المجلس الأعلى ففكراً في القيام بانقلاب ثالث واتقفا هذه المرة مع اللواء أحمد عبد الله حامد والأميرالاي مقبول الأمين قائد القيادة الوسطى، غير أن الاتفاق كان هشاً فحركا قواتهما الشرقية والشمالية ولم تتحرك القيادة الوسطى، واختلف القائدان بعد أن وصلت قواتهما مشارف العاصمة، وفشلت حركتهما وقبض عليهما وقدماً لمحاكمة عسكرية قضت بسجنهما لمدة طويلة. أما أحمد عبد الله حامد فقد اعترف في محاكمته بأنه كان على علم بالانقلاب ولم يخطر به واعتذر عن خطئه، وأما مقبول الأمين فلم يتعرض للمحاكمة؛ لأنه لم يتفق مع الانقلابيين أساساً أو ربما أخطر السلطات بالحركة، والله أعلم.

إغاظة

ذكر رئيس وزراء السودان لدورتين محمد أحمد محجوب في كتابه "الديمقراطية في الميزان" أن "د. الترابي حاول في البرلمان أن يعمل دائماً على إغاظتي فلم ينجح اللهم إلا في إتاحة الفرص لي للسخرية منه ومن الصادق لكونهما مبتدئين في السياسة وفي الحياة البرلمانية، في حين قد أصبحت جداً على الصعيد العائلي أو على صعيد الزعامة إذا جاز القول أو في المناورات البرلمانية".

وساطة

وأضاف المحجوب: "برزت خلافاتي مع السيد الصادق في الأشهر الأولى من عام 1966 فذات مساء جاء بعض أفراد عائلة المهدي إلى منزلي طالبين مني الاستقالة حتى يصبح الصادق الذي بلغ الثلاثين من العمر رئيساً للوزارء بعد أن تم إفراغ أحد المقاعد البرلمانية وانتخابه لهذا المقعد، وكان جوابي (إن هذا طلب غريب، والصادق لا زال فتياً والمستقبل أمامه وفي وسعه أن ينتظر وليس من مصلحته ولا مصلحة البلاد والحزب أن يصبح رئيساً للوزراء الآن، بيد أنهم أصروا فتصلبت وساندني مجلس الحزب".

نبوءة المحجوب

ويمضي المحجوب في مذكراته فيقول: "كنت على وشك الذهاب إلى نيروبي لحضور مؤتمر وزراء دول شرق أفريقيا ووسطها في آذار 1966 فطلبت من الحزب تجميد الأمور حتى عودتي، وغبت مدة أربعة أيام فقط ولدى عودتي وجدت الحزب منشقاً على نفسه، فطلبت من الصادق مقابلتي من أجل إصلاح الضرر واجتمعنا وأبلغته أنني كنت مستعداً للاستقالة وإعطائه الفرصة ليصبح رئيساً للوزارة لو لم يكن السودان في خطر.. لقد كان السودان يمر بمرحلة حرجة من التطور، وكان في وسعي أنا أن أرتكب الأخطاء لمعرفتي أن الشعب يسامحني ولم يكن في وسعه هو؛ إذ أن أي خطأ بسيط سيؤدي إلى سقوطه وذكرته بأنه سيتعامل مع الرئيس الأزهري السياسي الحاذق- الذي يستطيع أن يلوي ذراع أي شخص- وليت الصادق رد قائلاً إنني مخطئ بل قال: إنني أعرف ذلك، ولكنني قد اتخذت موقفاً ولن أتزحزح عنه، وكان تعليقي إنني مقتنع الآن أكثر من أي وقت مضى بأنك لا تصلح لرئاسة الوزارة، وقد تصبح رئيساً للوزارة يوماً ما، ولكنك لن تدوم أكثر من تسعة أشهر! "والغريب أن الصادق بقي تسعة أشهر فقط عندما أصبح رئيساً للوزارة في وقت لاحق من تلك السنة!.

انقلاب الميرغني!

ما لا يعرفه العامة عن انقلاب مزعوم لحزب الشعب الديمقراطي في عام 1966 في عهد الديمقراطية الثانية ذكره الرائد "م" زين العابدين محمد أحمد عبد القادر في مذكراته – عضو مجلس قيادة ثورة مايو - "مايو .. سنوات الخصب والجفاف" إذ ذكر أن الأميرالاي "م" عبد الرحيم شنان رغب في مقابلته وذهب لمقابلته مع الجاويش محمد إبراهيم "طلقة "ركب معنا شنان واتجهنا صوب المنطقة الصناعية، وعلى الفور شرع شنان في الحديث عن ضرورة القيام بانقلاب عسكري لمصلحة حزب الشعب الديمقراطي.

تمويل كويتي

وأضاف زين العابدين، وقال لي شنان إن أحمد الميرغني يرغب في مقابلتي باعتباره راعي الحركة التي لابد أن تحتاج إلى تمويل، وأضاف أن التمويل موجود وبالتحديد من الكويت، وبالرغم من ثقتي في مرافقي محمد إبراهيم إلا أنني كنت متحفظاً في التعليق بأي شيء وقلت له امنحني فرصة للتفكير في الأمر والرد عليك.. وبعد ثلاثة أيام التقينا ثانية نحن الثلاثة بنفس الأسلوب قرب البنك الصناعي وفي سيارة النعمان.

اجتماعات

أما الاجتماع الثالث فقد تم بحديقة السيد علي الميرغني بشارع النيل .. دخلنا بالسيارة إلى داخل الحديقة، وكانت الأنوار خافتة داخل المبنى، ولم يقابلنا أي شخص ولم نقابل حتى خفيراً، ونحن نترجل وندخل إلى الصالون ومنه إلى غرفة كانت مضاءة بشمعة برغم وجود الكهرباء!، ونحن في تلك الغرفة المضاءة بالشمعة الوحيدة دخل علينا السيد أحمد الميرغني وبعد التحية والمجاملات شرع أحمد الميرغني في الحديث "إننا نثق فيك فأنت منا وتعرف الحالة التي آلت إليها البلاد، ونحن كختمية رأينا أن نلملم عناصرنا التي يمكن أن نعتمد عليها في إحداث تغيير شامل في السودان، وقد تحدث عنك محمد إبراهيم حديثاً ممتازاً، وهو بمثابة أخيك وشقيقك وأسهب في وصف قدراتك على التأثير في صف الضباط والجنود وإمكاناتك.. وأضاف زين العابدين "عندما خرجنا من الاجتماع كان أول ما قاله صديقي اليوزباشي أبو القاسم محمد إبراهيم – الذي شاءت الظروف أن يصل للخرطوم بعد حديثنا ذلك بيومين في مهمة خاصة بقوات المظلات في الجنوب- "الجماعة ديل بيهظروا! " وكان انطباعه أنهم غير جادين، وأن ما يفكرون فيه مجرد أضغاث أحلام، ولم يزد أبو القاسم على ذلك، وانتهت مهمته بالخرطوم وعاد إلى مسرح العمليات بالجنوب.

مناصب

وأضاف الرائد "م" زين العابدين: "ذكر لي شنان أنه عرض عليه منصب وزير الدفاع في حكومة إئتلافية كان يجري التشاور لتشكيلها، وأضاف أن ذلك يوفر علينا 70% من المشوار، إلا أن شنان أخطأ خطأ بالغًا حين أضاف لحديثه الإغراءات المادية والأراضي والمشاريع.. لقد كان في ظنه أن ذلك يعجّل بموافقتنا ولم يدر أنه قفل بنفسه باب علاقتنا به، وكانت تلك قاصمة الظهر، وتوقفت بعدها اتصالاتي بشنان، وأصبحت أرد على مكالماته ببرود شديد لأشعره بأنني فقدت الرغبة في المضي قدماً في هذا الموضوع .. وخلال تلك الرحلة (التآمرية) توثقت علاقتي بالسيد أحمد الميرغني بعيدًا عن حديقة السيد علي والغرفة ذات الشمعة الواحدة".

تطبيل ومؤامرات

ذكر المهندس مرتضى أحمد إبراهيم - وزير الري في مايو 1969- في مذكراته "الوزير المتمرد" أن " منصور خالد استمر في تأليه العسكر وفي مؤامراته لإبعاد كل ما هو خير، والعزف على الوتر بأن السلطة يجب أن تكون للنميري وزملائه الذين فجروا الثورة، وكنا في اجتماع مشترك عقد في القصر لبحث بعض المواضيع العاجلة التي تقتضي جلسة موحدة لمجلس قيادة الثورة والوزراء، وهناك اختلفنا في النقاش، وكنت أقف في جانب مضاد لما يريده النميري، فوقف منصور خالد يهاجمني ويؤكد سلطة النميري وأنه قائد الثورة ولا مجال لمعارضته ووقفت من بعده، وقلت للاجتماع بأننا لا نقبل أن يكون هناك أناس لهم أحقية في شيء على الآخرين ولا أحد أحسن من حد، وهنا لا رئيس ولا مرؤوس .. خارج القاعة وأمام الناس فهناك الرئيس القائد ونحن من ورائه. وبعد ذلك الاجتماع ذهبت للرئيس يؤيدني عدد من أعضاء مجلس الوزراء مطالبين بإبعاد منصور خالد، وأذكر أنني قلت له: يا ريس إن الاشتراكية لا يبنيها إلا الاشتراكيون، فإن كنتم حقاً تريدون اشتراكية في بلدنا فإن منصور خالد وأمثاله لا يمكن أن يبنوها، وبعد فترة أبعد منصور خالد وعين مندوباً دائماً للسودان في الأمم المتحدة وسلمنا من شره ومؤامراته لبعض الوقت!".

قوش والشعبي

ذكر د. عبد الرحيم عمر محيي الدين في مذكراته "الترابي والإنقاذ.. صراع الهوية والهوى"، والتي يتحدث فيها عما أسماه فتنة الإسلاميين في السلطة من مذكرة العشرة إلى مذكرة التفاهم مع قرنق نقلاً عما أورده صديق محمد عثمان – مدير مكتب د. حسن الترابي – في لندن بتاريخ 15 سبتمبر2004 تحت عنوان " السيناريو الكامل لانقلاب المؤتمر الشعبي السوداني"، يقول د. عبد الرحيم "اتساقاً مع حديث أحد قيادات المؤتمر الوطني لقناة فضائية عن أن بيان السلطات الأمنية لا يعدو أن يكون تصفية حسابات، فقد أفادت مصادر مطلعة أن تولي اللواء محمد عطا كبر الحملة على الشعبي يأتي في إطار متطلبات ترفيعه إلى مدير لجهاز الأمن بإثبات الجدارة وسط همس عالٍ في قطاعات الأمن بعدم رضاء اللواء صلاح عبد الله "قوش"عن الطريقة التي أعادت معظم المعتقلين الذين سعى إلى إطلاق سراحهم قبل أقل من شهر إلى المعتقل، بل وإعادة التوتر بين الأجهزة الأمنية والشعبي إلى المربع الأول، وهو الأمر الذي سعى اللواء قوش إلى معالجته عقب توليه إدارة جهاز الأمن والمخابرات، ويعتقد أنه نجح بدرجة كبيرة في إيجاد أرضية للتفاهم بينه على الأقل وبين قيادات المؤتمر الشعبي الذين ترددوا على المعتقلات، وكان اللواء قوش يرى أن ثمة جهة في الحكومة تدفع بالمواجهة بينها والشعبي إلى حافتها إيماناً منها بأنها قادرة على إنهاء المواجهة لصالحها وأن هذه الطريقة الوحيدة لتأمن خطر الشعبي.

أحدث المذكرات

أما أحدث المذكرات التي تم نشرها مؤخراً وهي ما اختطه قلم وزير الاستثمار ونائب رئيس الوزراء مبارك الفاضل في مذكراته التي حملت عنوان "ماذا جرى؟" وحملت المذكرات في داخلها أسرار الصراع السياسي في السودان في الفترة" 1986- 2016" حيث تحدث الكاتب في مذكراته عن فترة الديمقراطية الثالثة إضافة لفترته التي كان فيها معارضاً في التجمع الوطني الديمقراطي إلى أن أصبح داخل الحكومة وتم تدشين الكتاب بقاعة الشارقة في يوليو الماضي، كما صدرت مؤخراً مذكرات. وذكريات إبراهيم منعم منصور وزير المالية الأسبق في عهد مايو، حيث أورد أسرار إعدام سكرتير نقابة عمال السودان الشفيع أحمد الشيخ - بُعيد فشل انقلاب الرائد هاشم العطا وثورته التصحيحية وعودة نميري في في 21 يوليو 1971م- وضمن في كتابه رأيه في ولاة عهد الإنقاذ وصلته بالرئيس البشير.

لن أنشرها!

وقال وزير الدولة بالإسكان الأسبق عمر حضرة في حديثه لـ “الصيحة” "إنه درج على كتابة مذكراته بشكل يومي منذ عام 1973 أيام كان معتقلاً بسجن كوبر في أعقاب ثورة شعبان والتي قامت بها الجبهة الوطنية ضد نظام مايو، مضيفاً بأن المعتقلين السياسيين كانوا يمنعون من الكتابة إلا أنه كان يكتب في غلاف المصحف الشريف ولا زال يكتب حتى الآن، ورفض حضرة أن ينشر مذكراته الآن؛ لأنها تحمل أسراراً ربما تؤدي لجفاء مع سياسيين يبادلونه وداً بود، ولكنه استدرك وقال: ربما ينشر أولادي مذكراتي بعد موتي، أما الآن فلن أسمح بنشرها! وأضاف حضرة بأنه أشار في مذكراته إلى تلك "الخيانات" التي تعرضوا لها من بعض السياسيين الذين يحملون له وداً الآن، مضيفاً بأن المذكرات تحمل أسراراً كثيرة ولكنها ربما تؤدي لقطع العلاقات مع بعض السياسيين إذا ما نُشرت وهو الأحرص على استدامة تلك الصلات الاجتماعية بينه وبينهم.

يمين ويسار

يقول الناقد أبو عاقلة إدريس في حديثه لـ “الصيحة”: لا غرابة عندي في أن يقدم يساري كتاباً عن يميني، فالمجتمع السوداني بعامة متسامح ولا يميل إلى الشطط والغلواء رغم حدة الاستقطاب السياسي أحياناً، فقد صنع ذلك الكاتب شوقي بدري عندما قدم كتاب "ذكريات وزير" لمؤلفه د. محمد بدوي مصطفى عن أبيه وزير المعارف في الستينيات بدوي مصطفى مقدماً مرافعة حسنة المطلع في ذلك، مجيباً عن التساؤل "قد يكون غريباً أن يقدم من ينتمي إلى اليسار لكتاب رجل من رواد الحركة الإسلامية في السودان، بيد أن قراءة الكتاب ستجيب عن هذا التساؤل المطروح، لقد كتبت من قبل – والكلمة لشوقي- أن الأستاذ بدوي مصطفى لم يحظ بالتبجيل والاحترام الذي يستحقه، ليس فقط من أعضاء تنظيمه بل من الكثير من السودانيين.

إن أول تنظيم للإخوان المسلمين كان يرأسه السيد إبراهيم المفتي، وكان الشاب بدوي مصطفى وقتها نائباً للرئيس، وكان السكرتير الأستاذ علي طالب الله، وكل واحد من هؤلاء الثلاثة كان يشهد له بالأمانة والأخلاق الحميدة وحسن إسلامه.. كانت فكرة الإخوان المسلمين – بحسب اليساري شوقي بدري- بعيدة جداً عما قال إنه لحق بها من سوء، فتركها الشرفاء!.

صدقية حسب العمر

المحلل السياسي د. عبد اللطيف البوني قال في حديثه لـ “الصيحة” "إن المذكرات السياسية التي تكتب لسياسيين تتوقف صدقيتها على العمر الذي يكتبها فيه السياسي، فإذا كان السياسي اعتزل السياسة وأصبح في خريف العمر فإنه يكتب بمصداقية وبشفافية لأنه لا يكون لديه هدف غير أن يقول الحقيقة ربما يحاول أن يجمل بعض مواقفه ولكنه يكتب بصدقية أكثر من السياسي الذي يكتب مذكراته ويكون في مقتبل العمر، لأن هذا سيحاول أن يبرر لأشياء قد فعلها ويمهد لأخرى في طريقه لفعلها، لذلك فالمذكرات التي تأتي في نهاية العمر أو عندما يعتزل السياسي السياسة تكون أكثر مصداقية، وأضاف البوني بأن السياسيين الذين يخفون مذكراتهم ويشترطوا أن تنشر بعد وفاتهم فإنها تكون أكثر صدقية.

وختم البوني حديثه بأنه يعتقد أن مذكرات بابكر بدري "حياتي" كانت مذكرات عظيمة وجريئة ولخصت فترة الحكم التركي والمهدية وفترة الاستعمار والتي اشتملت على ثلاثة مجلدات.

مذكرات تبريرية

وقال الأكاديمي د. مصطفى الصاوي في حديثه لـ “الصيحة” "كثير من السياسيين يكونون حريصين في كتابتهم على تجميل حياتهم بأن يعملوا مواقف تبريرية لأخطائهم لذا تجد معظم مذكرات السياسيين تبريرية أو تجدهم حاولوا أن يكتبوا عن أنفسهم بصورة جميلة.

0 صوت
التعليقات : تعليق
« إضافة تعليق »
اضافة تعليق
اسمك
ايميلك

/500
تعليقك
8 + 3 = أدخل الكود