لماذا عاد صلاح قوش؟ (2)

عرض المادة
لماذا عاد صلاح قوش؟ (2)
1805 زائر
15-02-2018

قُلنا بالأمس، متجاوزين القضايا الأخرى التي سنتعرّض إليها لاحقاً، إن صلاح قوش يتمتّع بقدرات هائلة ودهاء وشمول وإحاطة هي التي اقتضت إعادته رغم أنف كل المتاريس والعوائق، فهو صاحب الدور الأكبر في بناء جهاز الأمن وصناعة إمبراطوريته المترامية الأطراف، وهو المؤهل لتطوير الجهاز لمواكبة التحديات والمتغيرات الداخلية والخارجية، لكن رغم ذلك، فإن العامل الحاسم الذي عجل بإرجاعه واقتحام العقبة التي أدت إلى إعفائه وإبعاده، هو الأزمة الاقتصادية (الزلزالية) الأخيرة التي أحدثت اضطراباً هائلاً في المشهد السياسي لم يحدث منذ سنوات.

قلنا كذلك إنه قد ثبت أن هناك تقصيراً أمنياً كبيراً في الجانب الاقتصادي كان من شأن تلافيه أن يُجنّب البلاد ذلك العجز الهائل في الموازنة والذي ضرب الميزان التجاري وأن يحول دون تهاوي الجنيه السوداني في مقابل الدولار إلى ذلك القاع السحيق.

ذلك ما يُفسر تعيين قوش لوقف ذلك النزيف الحاد وذلك عينه ما جعل قوش يقدم الشأن الاقتصادي على ما عداه من مهام ويجلس مع قيادات الأمن الاقتصادي في اليوم الأول لمباشرته مهامه الكبيرة.

ليس أدل على عمق الأزمة الاقتصادية من تضارُب البيانات حول أهم سلعة صادر وأعني بها الذهب، ففي حين يصرح وزير المعادن بأن إنتاج الذهب في العام الماضي بلغ مائة وثلاثة أطنان يقول وزير الصناعة إن الإنتاج لا يقل عن 250 طناً معظمه يُهرّب عبر مطار الخرطوم ولا تعارُض بين الإفادتين، فالوزير الأول يتحدّث عن المعلوم لديهم، بينما الآخر يُضيف تقديراته من الذهب المهرب ولا شك في صحة حديث وزير الصناعة الذي تسنده أرقام بعض المؤسسات الدولية، ولكن بالله عليكم هل من كارثة أكبر من اعتراف السلطات المختصة بأن المُباع من الذهب يبلغ حوالي الثلاثين طناً! أين البقية من الكمية التي أعلنها وزير المعادن (103 طن) ناهيك عن المُهرب عبر مطار الخرطوم والحدود الأرضية المفتوحة على مصاريعها لكل شيء ولكل من هبَّ ودبَّ؟!

أكاد أجزم أنه لو تمّت السيطرة على الذهب المهرّب فقط لتحقّق فائض في الميزان التجاري، ولكبح وهزم الدولار الذي تسبب في ازدياد الأسعار بما فيها مشكلة سعر الرغيف التي ألهبت الشارع وكسرت عنق الموازنة، ولِما حدث الهرج والمرج الذي أعقب إقرار الموازنة في المجلس الوطني.

مشكلات التهريب لا تقتصر على الذهب، فقد ابتُلي السودان بجيران (عالة) من تلقاء الشرق والغرب والجنوب ظلوا يقتاتون بما يصلهم من إنتاجه، بل ووارداته بالرغم من أن الفقراء والمساكين من مواطنيه يتضوّرون جوعاً ويقتاتون صبراً، فما أتعس اقتصادنا بنزيف التهريب الذي يشمل كل شيء تقريباً بما في ذلك الذهب والوقود والقمح والذرة والصمغ وغير ذلك من السلع والخدمات؟!

بعد كل هذا، هل من قضية بربِّكم تستحق أن تُجيَّش لها الجيوش ويُستدعَى لها صلاح قوش أكبر من التهريب الذي أنهك البلاد وأتعب العباد؟!

همٌّ آخر كان ينبغي أن يضطلع به الأمن الاقتصادي لسد الثغرة الناشئة عن تقصير أو عجز المؤسسات الأخرى مثل بنك السودان، فعلى سبيل المثال، فإن عجز الموازنة ما كان له أن يحدث لو ورّدت الشركات المخالفة عائد صادراتها، وهذا من صميم عمل بنك السودان مع دور وقائي للأمن الاقتصادي، ولولا تفجُّر الأزمة الأخيرة لما التفت أحد إلى هذه التجاوزات ولِما تدخّل الأمن الاقتصادي ليُضيّق الخناق على مخالفي إعادة حاصل الصادر الذين تجاوز عددهم (120) شركة!

اقولها وكلي ثقة، لو تم تحصيل مبلغ مليار دولار فقط في حينه من عائد الصادر لما هوى الجنيه ولاستخدم جزء قليل من ذلك المبلغ في تسديد مديونية الصناديق العربية لفك القروض الموقوفة ولَتمّ استيراد كميات معقولة من السلع الأساسية من قمح ووقود بجزء من ذلك المبلغ، ولقلَّ الضغط على الدولار ولتعافَى الجنيه السوداني المنكوب ولكن!

بهذه المناسبة يلح عليَّ سؤال.. ما هو السبب في منح الشركات فترة ستة أشهر لتوريد عائد الصادر، ثم هل قامت الشركات، بعد كل هذه المدة، بتوريد تلك الأموال أم تصرّفت فيها وفق مصالحها؟!

ضربتُ أمثلة قليلة لما يُمكن أن يقوم به جهاز الأمن لمنع الانفجارات الأمنية التي ترتّبت عن (الخرمجة) المتعلّقة بإنفاذ موازنة عام 2018.

ولكن هل جاء قوش للإسهام في معالجة أزمة الاقتصاد فقط أم إن هناك تحديات أخرى لا تقل أهمية؟

ذلك ما سأُحاول معالجته يوم الأحد بإذن الله تعالى.

   طباعة 
5 صوت
التعليقات : تعليق
« إضافة تعليق »
اضافة تعليق
اسمك
ايميلك

/500
تعليقك
2 + 6 = أدخل الكود
روابط ذات صلة