الخبير الاقتصادي بروفيسر ميرغني ابنعوف لـ "الصيحة" عقلية الجباية هزمت الاستثمار

عرض المادة
الخبير الاقتصادي بروفيسر ميرغني ابنعوف لـ "الصيحة" عقلية الجباية هزمت الاستثمار
تاريخ الخبر 10-02-2018 | عدد الزوار 1153

منع الاستيراد بدون قيمة ليس في مصلحة الدولة

يرى الخبير الاقتصادي ورئيس لجنة الحوكمة بالنيباد، البروفيسر ميرغني ابنعوف، أن اقتصاد البلاد تأثر بعدم استقرار وثبات السياسات، ونادى بترقية المناخ للاستثمارات الجادة ذات العائد، ومكافحة الفساد وانتهاج الشفافية في الإدارة، وقلل من حديث الحكومة عن قدرتها على ضبط الأداء الاقتصادي، مشيراً إلى أن المشكلات الهيكلية التي يعاني منها اقتصاد البلاد لا تعالج بقرارات بقدر ما هي مراجعة شاملة. وأكد أن الحظر الاقتصادي لم يكن سبباً وحيداً لتراجع اقتصاد البلاد، وحذر من مغبة استمرار الأوضاع على ما هي دون معالجات. ووصف احتكار البنك المركزي لشراء وتصدير الذهب بأنه قرار غير موفق، وانتقد منع الاستيراد بدون قيمة.

حوار: جمعة عبد الله

كيف ترى واقع الاقتصاد السوداني؟

هذا محور كبير لكن المحصلة ماثلة للعيان ولا يمكن انكار أن البلاد تسير للخلف في اقتصادها ومعاش المواطن بات في صعوبة، والعملة الوطنية في تراجع وكذلك الإنتاج المحلي، وكل هذه المؤشرات وغيرها تؤكد فشل الحكومة في إدارة الشأن الاقتصادي وعدم استغلال الموارد المتاحة.

ما المشكلة برأيك؟

مشكلة البلاد هي عدم الاستقرار الاقتصادي وهو بدوره مرتبط بالاستقرار السياسي، لذلك ينادي كثير من المختصين بأن أنجح السبل للارتقاء اقتصادياً هو ترقية المناخ الداخلي والإصلاح السياسي الذي يمكن من الانطلاق. وللأسف والخروج من مربع الفشل المتراكم والمستمر، وهذا الوضع لم يتوفر كثيراً للبلاد، ومهما تغيرت الحكومات فلن يحدث استقرار اقتصادي بغير ذلك، كما أنه من المهم الانتباه لدور العلاقات الدولية وجعلها متزنة ومحايدة، والمعلوم أن التعامل مع المؤسسات الاقتصادية الدولية يتطلب الحياد والاتزان وذات الأمر مع الدول المؤثرة كالولايات المتحدة والاتحاد الأوربي.

الحكومة قالت أكثر من مرة أن تكلفة السلام أعلى من تكلفة الحرب، وللأسف المواطن هو من يدفع الثمن في الحالين ولا يجد اقتصاداً معيشياً يلبي متطلباته الحياتية اليومية.

وصفة الخروج من المأزق الاقتصادي؟

إن كانت الحكومة راغبة وجادة في تحسين الاقتصاد فعليها ترك الأمر للخبراء والمختصين وليس السياسيين، وثمة مفارقة غريبة وهي أن الحكومة تملك كوادر مؤهلة في طاقمها وكثيرين منهم كانوا يحتلون مواقع مهمة في الصناديق الدولية سواء من الكوادر الحالية أو السابقة لذلك مبعث الاستغراب كيف لم يسع هؤلاء الخبراء لمعالجة اختلالات اقتصاد السودان وهم في موقع اتخاذ القرار؟

لماذا لم يتحسن الاقتصاد برفع الحظر؟

الحظر الاقتصادي في السابق لم يكن مشكلة الاقتصاد السوداني الوحيدة حتى نتخلص منها بمجرد رفعه، صحيح أن الحظر أثر سلباً على التحويلات المصرفية لكن على الحكومة الإقرار بوجود مشكلات داخلية متعددة وأسباب ذاتية ما لم تعالج فلن ينهض الإنتاج. فالحظر لم يكن يمنع دعم الإنتاج المحلي ورفع الصادرات ولم يمنع تطوير البنيات التحتية بما تيسر من موارد وهي ليست قليلة، لكن السبب في عدم نهوض اقتصاد البلاد برفع الحظر هو أننا لم نصل بعد لمرحلة يكون لدينا ما نتعامل به مع الأسواق العالمية، حتى صادراتنا محدودة لأن الإنتاج متراجع وضعيف، كما أن التحويلات الخارجية لم تنسب كما ينبغي.

موازنة 2018 واجهت نقداً كثيفاً ولكن الحكومة تدافع عنها؟

الموازنة أجيزت وأصبحت واقعاً والحديث عنها لن يجدي فتيلاً، ومهما كانت عليها من مثالب فستطبق هكذا لأن الحكومة وضعتها بنفسها وعليها تحمل نتائجها والاعتراف بالقصور والسعي لمعالجته بدلاً عن التبرير غير المنطقي لزيادات الأسعار أو تصاعد أسعار الصرف وغيرها من معضلات.

والأرقام التي حوتها الموازنة لا تبدو منطقية عند التمحيص فيها، والمبالغ التي تذهب لوجهتها من جملة موارد الموازنة لا تزيد عن "37%" والباقي يهدر، وما يقال تخصيص "70%" من موارد الموازنة للصرف على الأمن والدفاع غير منطقي وهو رقم كبير جداً، والصرف الحقيقي أقل من ذلك بكثير.

الحكومة اتجهت للتحرير السلع الأساسية آخرها القمح؟

التحرير أصلاً وصفة عالمية وهي قد تكون خضوعاً من الحكومة لمطالبات المؤسسات العالمية، وهي ليست القضية أن يتم تحرير أسعار القمح أو دعمها، فعلي الحكومة أن تبين من أين وكيف ستستورد القمح وتبين للرأي العام تكلفة الاستيراد كم للطن، وكم ستبيعه للمواطن، وهي لن تفعل ذلك، وإلا عليها جعل سياسة الاستيراد واضحة، فما نراه الآن ليس هناك دعم يقدم للمواطن.

تعويم الجنيه؟

الجنيه لم يعوم، فالتعويم عالمياً معروف له آلياته وضوابطه ويتم تنفيذ التعويم بمقاييس متعارف عليها، لكن ما يحدث هنا أمر ليس له تسميه واضحة بمقاييس الاقتصاد، ويمكن أن نقول أن الجنيه حرر ولم يعوّم وهناك فرق بين التعويم والتحرير، وكان نتيجة لهذه السياسات المشوهة فقد الجنيه قيمته، والدليل على ذلك أن الدولار باتت له أهمية أكثر من العملة الوطنية، وهذا لا يحدث في أي بلد سوى السودان، فتدنت قيمته الشرائية وبات لا يساوي شيئاً بفعل السياسات الاقتصادية التي لا تمت لعلم الاقتصاد بصلة.

ما سبب أزمة الدولار؟

أول سبب هو ضعف الإنتاج المحلي، والاعتماد على الواردات وميزان تجاري يميل بوضوح لمصلحتها مقارنة بالصادرات. على الحكومة الإجابة بصراحة عمن يملك الدولار، فإذا كانت هي تملكه لما دخلت في أزمة ندرة وشح النقد الأجنبي، ولكن كما قلنا إن السياسات الاقتصادية والاستثمارية تحتاج لمواكبة وتناسق مع علم الاقتصاد، فمن المفروض أنه حتى المستثمرين الأجانب ألا يتملكوا أرباحهم بالدولار إلا إذا خرجوا من البلد، عدا شركات الاتصالات، ولا توجد مشكلة في تعاملهم جميعاً بالعملة المحلية في الاستيراد والتصدير، والحكومة تعلم من يملك الدولار ومن يتحكم فيه، لكن عليها تطبيق القانون بصرامة وعدم السماح بتخريب الاقتصاد القومي بممارسات لا تفيد البلاد في شيء بقدر ما تسبب له الضرر.

الاستثمار عائده ضعيف؟

هذا وضع طبيعي لأن البيئة الاستثمارية ليست مهيأة تماماً وبشكل كاف للاستثمار بالداخل. ونتيجة لذلك ترى رؤوس أموال سودانية تستثمر في دول أخرى ولديهم أعمال تجارية ناجحة بفضل ما وجدوه بالخارج من سياسات اقتصادية ثابتة ومحفزات على الإنتاج، وما هزم الاستثمار في السودان هو العقلية الجبائية التي تهتم كثيراً بالأخذ من المستثمر لحد إفقاره، وهذا بالطبع يؤدي لهروب رأس المال سواء المحلي أو الأجنبي للخارج ومن يتبقى منهم لن يقدم شيئاً ذا بال للبلاد لضعف البيئة وعدم تهيئتها، وبالتالي تسببت العقلية الجبائية في إفقار الكثير من الشركات والمؤسسات الناجحة وخروجها من السوق على ما في ذلك من خسارة لاقتصاد السودان.

هل المشكلة في السياسات الاقتصادية أم تطبيقها؟

يصعب الإجابة على هذا السؤال فتارة ترى الحكومة وكأنها تدار عبر أفراد وليست مؤسسات راسخة. على الدولة أن تجد في حوكمة الشركات وحوكمة الاقتصاد لأنه يشكل حلاً مناسباً لإدارة موارد البلاد والاستفادة منها بشكل أمثل مع تفعيل الرقابة والتشدد في تطبيق القانون على المخالفين، ومكافحة الفساد مهما صغر حجمه، وإيقاف اختلال الأداء الاقتصادي، وتفعيل الميزات النسبية التي يتمتع بها السودان، هذه المطلوبات تظهر أهميتها في تطبيقها على الأرض وليس مجرد قوله كحديث غير مطبق، ولا بد أن يكون هناك إصلاح هيكلي وتغليب المصلحة الوطنية على المصالح الشخصية.

البنك المركزي اتجه مؤخراً لاحتكار شراء الذهب؟

احتكار البنك المركزي لشراء وتصدير الذهب كان قراراً غير موفق، لأن ذلك يعني ضمنياً طباعة مزيد من العملة لشراء الذهب مما يؤدي لمزيد من التضخم وهو مورد ليس ملكاً للحكومة، كما أن افتراض أن العائد من التصدير يذهب للحكومة لتعويض مبلغ الشراء لا يعتبر تفكيراً اقتصادياً سليماً، وطالما كانت الحكومة لا تملك الذهب فالأفضل أن تكون مهمتها المراقبة والإشراف وتنظيم السوق وليس التحكم في ما لا تملك، وما يحدث في الذهب أمر محير فلا ندري أين تذهب حصيلته مثل الدعم الخارجي وغيره من الموارد غير المنظورة.

جدوي منع الاستيراد بدون قيمة؟

قد تكون للحكومة مبرراتها التي تقنعها، لكن ما هي نتائج ومترتبات القرار؟ منع الاستيراد بدون قيمة يعني أن يكون التمويل ذاتياً وهذا ليس في مصلحة الدولة، وكان من المفروض على الحكومة تسهيل فتح الاعتمادات لتوريد المبالغ عليها. وأدرك الكثيرون في نهاية المطاف أن ذلك تسبب في نشوء وازدهار السوق الأسود للعملات.

ما أثر تلك السياسات على القطاع الخاص؟

تؤثر في المعاملات الجارية بعدم تسديد المال وتعطيل الاستيراد ولن يقف المتضررون مكتوفي الأيدي ولهم أساليبهم في التحايل عليه. والمحصلة المزيد من الاختلالات الاقتصادية.

0 صوت
التعليقات : تعليق
« إضافة تعليق »
اضافة تعليق
اسمك
ايميلك

/500
تعليقك
4 + 5 = أدخل الكود