بروفيسور الفاتح علي حسنين يُقلِّب أوراق العمر مع (الصيحة)

عرض المادة
بروفيسور الفاتح علي حسنين يُقلِّب أوراق العمر مع (الصيحة)
تاريخ الخبر 08-02-2018 | عدد الزوار 1847

الأمن اليوغسلافي اتّهمني بمحاولة (قلب) النظام وأنا طالب جامعي

رجل ضخم الجثة رفعني بأصبعين ثم هوى بي إلى الأرض

كل مناشطنا السرية كانت مكشوفة لرجال الأمن

الطلاب القدامى تحدُّوا صمودنا في عدم شرب الخمر

فاطمة أحمد إبراهيم وسعاد الفاتح كانتا تمثلان الإسلاميين والشيوعيين..

لذلك (...) قلنا لصاحب السكن إننا مسلمون من نوع جديد

كان خبراً مفرحاً لأهل منطقتي، أن تتم إذاعتي مع الناجحين

صديق محمد أحمد هو من جندني للاتجاه الإسلامي في مدرسة سنار

لن يكون عصياً، على أحد أن يعرف بعضاً من سيرة البروفيسور الفاتح علي حسنين، لشهرة الرجل الكبيرة، فسيرة الفاتح مبذولة ومتاحة، لعظم ما قام به الرجل في حياته منذ أن كان طالباً في يوغسلافيا قبل انهيار الإتحاد السوفيتي في كلية الطب جامعة (بلغراد) وإلى يومنا هذا، سيرة ومسيرة الفاتح لم تقتصر على الجوانب الأكاديمية التي أجاد فيها، بل تعدتها إلى مناضلات ومجاهدات للدعوة الإسلامية في شرق أوربا وآسيا وحتى دول الخليج العربي، وكان الفاتح قد شغل الدنيا والناس في الفترة الأخيرة بعد زيارة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان له في منزله بالخرطوم وهي الزيارة الثانية له بعدد زياراته للسودان، والتي سبقتها زيارة في العام 2007م.

دونما استرسال جلست (الصيحة) إلى البروفيسور الفاتح علي حسنين لتقلب معه ذكرياته وتوثق له تاريخه الحافل.. فإلى المحصلة.

الحلقة الأولى

وثَّق له: محمد أبو زيد كروم

* في البدء دعنا نتعرّف عليك؟

- الفاتح علي حسنين من مواليد العام 1946م، ولاية سنار (منطقة كركوج) في أيام الفيضان الكبير الذي هدد معظم أجزاء جنوب شرق السودان، التحقت بالمدرسة الابتدائية في كركوج لمدة أربعة أعوام، وكان في ذلك الوقت المدرسة الوسطى، من الصف الخامس للثامن، وكانت مدرسة واحدة في سنجة، وتمتحن إليها حوالي 28 مدرسة، امتحنت وكان ترتيبي التاسع، ولكن لم يتم أخذي للمدرسة بسبب أن عمري كان صغيراً، وكانت وقتها قوانين الإنجليز لا تسمح بدخول المدرسة لأقل من تسع أو عشر سنوات، ولكن تم تغيير القوانين بعدها، ودخلت المدرسة وعمري خمسة أعوام، وكان ذلك تكريماً لوالدي لأنه رئيس لجنة التعليم في المنطقة، ورجعت إلى البلد حزيناً لأنني لم أُقبل في المدرسة، وهذا يعني أنني سأعيد مع الدفع القادمة، ولكن شاء الله أن يزور الزعيم الراحل إسماعيل الأزهري مدينة سنار ويفتتح مدرستها، وكان ذلك في العام1955م، وتم أخذ الناجحين من مدرسة سنجة، وكنت أول المقبولين فيها وتمت إذاعة ذلك في الراديو، وكان خبراً عظيماً في المنطقة أن ينادى ابن علي حسنين عبر الإذاعة.

*كنتَ وحدك من تمت إذاعة اسمه في المذياع؟

- لا، كنا ثلاثة أشخاص، أنا ومعي شخص اسمه حسن أحمد إبراهيم، والثالث أخونا الكريم مهدي إبراهيم السياسي المعروف.

ثم ماذا؟

* باشرنا دراستنا في مدرسة سنار ، ونحن في الصف السابع، وجاء إلينا الأستاذ صديق محمد أحمد وهو من أبناء سنجة، وكان يدرس في جامعة الخرطوم، وجلس معنا وحدثنا عن الإخوان المسلمين والاتجاه الإسلامي بصورة عامة، ومنذ ذلك الزمن التزمنا في هذه الفكرة، وفي السنة الرابعة امتنحنا للمدرسة الثانوية، وكانت هنالك ثلاث مدارس في السودان فقط هي، خور طقت، وحنتوب، ووادي سيدنا.

* في أي مدرسة درست؟

- لم أدرس في أي مدرسة من المدارس الثلاث، والتحقت بأخي المرحوم حسنين الذي كان يدرس في مدرسة فاروق الثانوية المصرية بالخرطوم، ودرست فيها، وأكملت الثانوي وانتقلت إلى الجامعة، ولم أتمكن من الدخول جامعة الخرطوم، التي كان يُقبل فيها عدد بسيط، ولأنني كنت أدرس في مدرسة مصرية عُرضت عليّ عدد من الفرص في عدد من الجامعات المصرية، منها في كلية الأسنان جامعة عين شمس، والوالد رفض أن أدرس أسنان، وتم قُبولي أيضاً في زراعة بجامعة أسيوط وأيضاً الوالد رفض، وتم قبولي في كلية الطب في جامعة (كاتونا) في نيجيريا، ووالدي أيضاً رفض، وقال لي إذا هذه البلد فيها خير لما هاجر أهلها إلينا في السودان، وهذا كله ضمن المنح الخارجية التي قدمت إليها.

* دعني أعود قليلاً للوراء، هل يعني أنك انضممت للإخوان المسلمين منذ تلك الفترة؟

- تكوّن تنظيم للاتجاه الإسلامي في مدرسة حنتوب في العام 1955م، وقبلها كانت حركة الإخوان بقيادة الإمام حسن البناء في أشد توهجها في مصر، ولكن العمل الإسلامي في السودان لم يكن يوماً له علاقة بالإخوان المسلمين في مصر، إلا فيما بعد بقيادة أخينا صادق عبد الله عبد الماجد والحبر يوسف نور الدائم، وآخرين، ولكن بداية العمل الإسلامي كان منفصلاً في السودان.

* وماذا عن الدراسة في يوغسلافيا؟

- كان ابن عمتي، قد درس الطيران في يوغسلافيا، مدينة (مقصار) في جمهورية البوسنة والهيرسك، وكان يحضر لنا صوراً لمساجد قديمة وضخمة وجسور ومبانٍ ومدارس، وصور لنساء ورجال وأطفال يرتدون الملابس العثمانية، وكان لهذه المناظر الأثر العميق في نفسي ونفس الوالد، وعندما تم قبولي في يوغسلافيا لم يتردّد والدي ووافق فوراً، وذهبت إلى يوغسلافيا.

* كيف كانت البدايات في يوغسلافيا؟

- وصلت إلى يوغسلافيا في أواخر 1964م، وبداية 65، ولأول مرة نرى الجليد يتساقط من السماء، وكنا 15 طالباً، منا فقط أربعة اتجاه إسلامي، ونزلنا معاً في داخلية اسمها (باتريس لوممبا) وصادف بعدها شهر رمضان وصمنا معاً وكنا نفطر مع بعض جميعاً، وتكونت بعض الصداقات مع إخواننا القدامى، وكان بعضهم يدعوننا لشرب الخمر، وكنا نقول لهم إننا لا نشرب الخمر، ويقولون لنا هذا موضوع بسيط كلنا كنا لا نشرب الخمر، ولكن بعد ستة أشهر ستشربون الخمر وتتسابقون إلى الحانات والبارات، وعندما نذهب إلى الصلاة يقولون لنا أيضاً كنا نصلي، والآن لا نصلي، وحتى أخرجوا لنا سجادات الصلاة، وقالوا لنا إننا لا نصلي إلا أذا ألمت بنا بعض المحن والمصائب نصلي بعض الركعات ونقرأ القرآن، وأنتم لن تستطيعوا الصبر لأكثر من ستة أشهر.

* وماذا بعد الستة أشهر؟

- نجحنا طبعاً، وذلك صادف بعد ثورة أكتوبر وكانت هنالك دفعة إسلامية كبيرة جداً بعد تكوين جبهة الميثاق الإسلامي، وكانت هنالك صحوة كبيرة، وتكوين جبهة الميثاق الإسلامي كانت فكرة عظيمة ورائعة من الشيخ حسن عبد الله الترابي، وهي جمعت جميع الطوائف الإسلامية أنصار السنة، والمتصوفة، وحتى غير المنتمين لجهة، ويعتقدون أن الإسلام هو الحل، كانوا جزءاً من جبهة الميثاق، كانت فكرة عظيمة بحق.

* ما هي التيارات التي كانت تسيطر على الأوضاع في السودان؟

- الشيوعيون كانوا الأكثر سيطرة على الأوضاع في تلك الفترة، فتجد كل ما هو نهايته (السوداني) تابع للشيوعيين، وكل ما نهايته (الوطني) تابع للإسلاميين، فمثلاً اتحاد العمل السوداني واتحاد الطلاب السوداني تابع للشيوعيين، واتحاد العمال الوطني، واتحاد الطلاب الوطني تابع للإسلاميين، واتحاد النساء السوداني تابع للشيوعيين (فاطمة أحمد إبراهيم) واتحاد النساء الوطني أختنا في الله البروفيسور (سعاد الفاتح)، وعندما ذهبنا إلى يوغسلافيا ذهبنا بذات الاندفاع، وتجمعنا مع الإخوان الإسلاميين من الدول الأخرى، وتجمعنا تقريبا ست أو سبع أسر، وكنا نجتمع بحرص شديد في الداخليات والحدائق العامة.

*ما هو أول منشط أقمتموه كأسر في يوغسلافيا؟

- صادفنا أول عيد هناك، وأردنا الاحتفال به، وكانت هنالك الأندية وفي كل بناية كان هنالك نادٍ، وهذه من ثقافة الاشتراكيين الشيوعيين لإفساد أخلاق الناس، وكانت تُقام فيها المراقص ويشرب فيها الخمر، وطلبنا من صاحب العمارة أن يعطينا النادي لإقامة الاحتفال فيه، فرفض وقال إن السودانيين مشهورون بالخمر والفوضى والتحطيم، فقلنا له نحن مسلمون ولا نشرب الخمر، فقال لنا كلهم يقولون إنهم مسلمون، وكنا كلما نقول له شيئاً يقول لنا كلهم يقولون إنهم مسلمون، المهم.. أختصرنا الموضوع وقلنا له نحن مسلمون نوع جديد وجرِّبنا واحكم.

* هل وافق لكم لإقامة الاحتفال؟

- في النهاية وافق وأقمنا الاحتفال، ودعونا السودانيين جميعهم، وشغلنا أشرطة المدائح وأقمنا كل الطقوس الدينية، وجاء صاحب العمارة، ووجدنا منضبطين، وسألنا أين النساء فقلنا له، النساء في البناية الثالثة لوحدهن فقال لنا فعلاً أنتم مسلمون من نوع جديد، وسأعطيكم النادي متى ما أردتم، وقد كان، وأعطانا النادي للمرة الثانية في عيد الأضحى وذبحنا الخراف واحتفلنا بمنتهى الأدب.

* بعدها، هل كانت الحياة طبيعية بالنسبة لكم كمسلمين في دولة شيوعية؟

- نعم، واصلنا دراستنا بصورة عادية، ولكن في يوم من الأيام، جاء شخص إلى فصل الدراسة وتحدث مع الأستاذة، وجاءت الأستاذة تسأل هل هنا شخص يدعى حسنين فقلت نعم، فخرجت للشخص وقال لي إن رئيس قسم الطلاب الأجانب في الأمن العام يريدك، طبعاً خفت.. الأمن وفي دولة شيوعية، وحاولت أن أخارج نفسي، وقلت له أنا أتيت هنا لأدرس الطب، وأنا من أسرة فقيرة، وبروليتاريا، ومزارعون حتى استعطفه، وعندما أردت الرجوع للفصل ناداني وفتح لي بدلته ورأيته يحمل سلاحاً وكلباشاً، وهو رجل ضخم الجثة، فقال لي تذهب معي، وذهبت معه وعندما قابلت رئيسه وجدته أكثر ضخامة منه، ومخيفاً جداً.

*كيف تعاملت مع رجال الأمن خاصة وأن اللغة مختلفة؟

- صحيح أنا كنت في بداياتي، وكان من المفترض أن أتعلم اللغة في ستة أشهر، ولكن أنا تعلمتها في شهر ونصف فقط، والطلاب القدامى كانوا يقولون لنا من أراد أن يتعلم اللغة عليه أن يصاحب فتاة، وأنا تعلمت اللغة في فترة بسيطة ولوحدي، ومن صاحبوا الفتيات، الغريبة حتى الآن لم يتعلموا اللغة.

* كيف تعلمت اللغة بهذه السرعة؟

- كنت أذهب للحديقة وأتكلم مع الشجر وأخاطبه وكأنه بشر، وأفعل ذلك، أصيب وأخطئ حتى تعلمت وسبقتهم جميعاً، في شهر ونصف تحدثت، وفي ثلاثة أشهر أصبحت أقرأ الصحف، وفي ستة أشهر أصبحت أترجم الكتب، من الكتب العربية للغة اليوغسلافية.

* نعود لقصة رجل الأمن اليوغسلافي... ماذا حدث بالتحديد؟

- نعم، الأمر هو أننا أصدرنا بياناً من داخل اتحاد الطلاب السودانيين، باسم اتحاد الطلاب الوطني، أيدنا فيه حل الحزب الشيوعي في العام 1966م الذي كانت تؤيده جميع القوى السياسية بما فيها حزب الأمة والاتحادي الديمقراطي، وقلنا فيه إننا لن نستبدل ديكتاتورية العساكر بدكتاتورية العمال والمزارعين، ومن يريد أن يعيش حول ماركس ولينين، فليذهب لهم في بلادهم، الغريبة أنني وجدت هذا البيان مترجماً أمام رجل الأمن.

* وماذا حدث بعدها؟

- تماسكت وحاولت أن أكون ثابتاً، فقال لي نريد أن نتكلم في السياسة، قلت له أنا لا أعرف السياسة ولا علاقة لي بها، قال لي كيف ذلك، ألم تأتوا أنتم لتعملوا انقلاباً وتستلموا الحكم، قلت له إن هذه في بلادنا لم نستطع فعلها فكيف نفعلها هنا، قال لي ممكن هنا تنجحوا، بعدها حكى لي كل مناشطنا السرية بدقة عجيبة، ففهمت أنهم يعرفون كل شيء عنا، ومحاولاً التماسك قلت له ليس هنالك حسنين غيري في هذه البلاد، فقال لي هل أجلب لك الصور والفيديوهات، قلت لا لا داعي، وحاولت أبرر له، وقال لي نريد أن نتكلم في السياسة قلت له سأحضر لك أحد إخوننا ليتكلم معك، وذكرت له اسم أحد السودانيين فضحك وقال لي، ولكن هذا شيوعي فكيف تقول لي إنه أخونا، وأنا كنت أعتقد أن المسلمين لا يكذبون، قلت له نحن جميعاً سودانيين.

*ثم ماذا حدث بعدها؟

- قال لي انصرف وسنتقابل كثيراً، قلت له أفضل أن لا نلتقي مرة أخرى لأنني طالب وأريد أن أركز في دراستي، ونهض من جلسته، وفهمت أنني سأذهب، وذهبت وبعدها حاولت الخروج فإذا به يتناولني بأصبعيه الاثنين فقط ويرفعني من على الأرض وأنا أصبحت بين الأرض والسماء، وقال نحن نعلم كل دجاجة كم تبيض من البيض في يوغسلافيا، وهو صادق في ذلك، وقال لي إن اللقاء القادم لن يكون بهذه الطريقة، وإذا خرجت منه ستخرج بعاهة مستديمة ورماني بقوة لخارج المبنى حتى عجزت عن النهوض، وقال من على البعد بانتهار قم انهض من هنا هذا ليس مكان المعاقين، ونهضت وهربت وجلست في مكان بعيد.. وأي صورة أحفظها من القرآن قرأتها من الخوف بعدها ذهبت إلى الداخلية، وكانت هذه أكثر اللحظات عصبية في يوغسلافيا.

0 صوت
التعليقات : تعليق
« إضافة تعليق »
اضافة تعليق
اسمك
ايميلك

/500
تعليقك
3 + 9 = أدخل الكود