الفاشر .. ليس من رأى كمن سمع !!

عرض المادة
الفاشر .. ليس من رأى كمن سمع !!
2452 زائر
31-01-2018

بينما كنا نتجول في مدينة الفاشر أمس الأول والتي بدت آمنة مطمئنة وكأنها لم تعان في أي يوم من الأيام من محنة كبرى أوشكت أن ترديها ، أشار محدثي بيده باتجاه الشمال وقال إن قوات مني أركو مناوي دخلت منه إلى المدينة في أحد الأيام النحسات بل في اليوم الأنحس والأتعس في تاريخ المدينة ربما على مر العصور والأزمان.. في ذلك اليوم الأغبر

2003/ 4/25 اقتحم مناوي مطار الفاشر ودمّر الطائرات الرابضة ودخل المدينة غازياً قبل أن ينسحب منها.

صحيح أن شرارة التمرد اشتعلت قبل ذلك في جبل مرة على يد المتمرد عبدالله أبكر في بداية العام حيث أعلن عن (جبهة تحرير دارفور) لكن انطلاقته الكبرى التي أحدثت دوياً محلياً وعالمياً كانت من الفاشر عاصمة شمال دارفور وعلى مدى 13 سنة أخذ التمرد يتصاعد ويتمدّد في شتى ولايات دارفور التي تقلبت في جحيمه وتلظّت بحممه الذي فعل بها وبالسودان الأفاعيل قتلاً وتدميراً وتخريباً وتشريداً لمواطنيها المغلوبين على أمرهم وتحطيماً للبنيات الأساسية وتعويقاً للتنمية والتعمير في ربوعها وتشويهاً لسمعة السودان الذي دفع أثماناً باهظة جراء تفاقم تلك الكارثة البشعة التي ملأت الدنيا وشغلت الناس.

عدّل التمرد الدارفوري اسمه بعد ذلك إلى اسم (حركة تحرير السودان) بتأثير من حليفتهم (الأم) الحركة الشعبية لتحرير السودان بزعامة قرنق ثم نشأت حركة خليل إبراهيم (العدل والمساواة) وانشقت حركة تحرير السودان بعد مؤتمر حسكنيتة ليرأس عبدالواحد إحداها وليرأس الأخرى مناوي.

لست أدري والله أي شيطان ذلك الذي قاد خطى أولئك الذين أوقدوا نيران تلك الحرب المجنونة ثم سعّروا لهيبها حتى أحدثت ذلك الخراب الهائل، بل ماذا كسب أولئك الأشرار من صنيعهم طوال تلك السنوات العجاف غير الخسران المبين في الدنيا والآخرة؟!

بعد كل هذه السنين ها هم يحصدون الهزائم النكراء بعد أن فعلوا ببلادهم وأهليهم الأفاعيل فما أبشعها من خسارة وما أقذرها من حرب وما أفظعها من هزيمة.

أقول هذا بين يدي العبارة الذهبية (ليس من رأى كمن سمع) التي ربما لم أدرك كنهها وأبعادها قبل زيارتي (التاريخية) لولاية شمال دارفور والتي استغرقت يومين فقد رأيت عجباً ما كانت الكتب والمقالات مهما كثرت وعظمت تُغني عنه أو تعبر عن شيء مما انحفر منه في ذاكرتي التي احتشدت بصور لن بطويها النسيان.

صحيح أن حياة المرء تمتلئ بملايين المشاهد الممزوجة بالفرح والحزن والغضب والرضا وغير ذلك من المشاعر ولكن قليل من تلك المشاهد يظل عالقا بالذاكرة منغرسا في اعماقها ولكم حزنت أن تتأخر تلك الزيارة التي كان لها وقع خاص في نفسي لن تمحوه الأيام والسنون.. زرت مدناً أخرى في دارفور عدة مرات في أوقات سابقة لكني للأسف لم أزر الفاشر فما أبشعه من تقصير .

لقد ظل إطفاء لهيب الحرب ومعاداة من يشعلونها ظلماً وعدواناً أحد أهم أهدافي بل ومرجعياتي الفكرية ومحددات مواقفي السياسية ولطالما شننت حروباً شعواء على متمردي الجنوب وغيرهم من رافعي السلاح ضد الدولة بمختلف توجهاتهم وحركاتهم وخضت المعارك من خلال إعلام كنت على رأس أخطر أجهزته وما شننت تلك الحروب إلا عن رؤية شاملة تقوم على مرجعية أدين بها وأتدين فلا يزال المرء في فسحة من دينه ما لم يصب دماً حراماً وذلك ما انقدح في نفسي حين اتخذت موقفي من قضية الجنوب بعد أن اقتنعت أن سيول الدماء والدموع التي بدأ انهمارها قبل استقلال السودان لن تتوقف قبل أن نُصحِّح ذلك الخطأ التاريخي الذي ورّطنا فيه مستعمر لئيم ضم الجنوب إلى الشمال ضد رغبة أهله نكاية في الشمال الذي أراد المستعمر أن يغلق أبواب المستقبل في وجهه من خلال فرض وحدة وزواج مستحيل بين القط والفأر والشحمة والنار وها هي الأيام تُثبت أن من لم يستطيعوا أن يتعايشوا مع بعضهم بعد أن أذاقوا بعضهم بأس بعض ما كان لحربهم معنا أن تنطفئ إلى يوم الدين لولا ذلك الانفصال المبارك.

ولكن كل ذلك (كوم) وتمرد دارفور (كوم) آخر فقد بدأ تمرد دارفور بمؤامرة خارجية ونحن على أعتاب إغلاق ملف (لعنة) الجنوب إلى الأبد بانفصال يُريح الجميع فما كانوا في يوم من الأيام جزءاً (حقيقياً) من السودان أما دارفور القرآن ..أما دارفور أرض المحمل إلى الحجاز .. أما فاشر السلطان أبو زكريا فهي منّا بمثابة الروح من الجسد ولا فكاك منها قبل أن يلج الجمل في سم الخياط وهي ذات المشاعر تجاه مملكة تقلي الإسلامية أو سمها جنوب كردفان وكذلك مملكة الفونج الإسلامية في النيل الأزرق وسنار واللتين حاول عقار وعرمان وسيدهما قرنق أن يسلبهما من السودان ولكن هيهات.

زرت فاشر السلطان بعد أن انطفأ لهيب تلك الحرب المجنونة التي جعلت الرصاص ،على مدى سنوات من اشتعالها ، يلعلع في وضح النهار حيث كان المتمردون ومجرمو النهب المسلح يقتحمون المتاجر نهاراً وأمام الجميع وكانت المساجد تغلق أبوابها قبل صلاة المغرب وسأتعرض لمشاهد من ذلك التفلت في مقال الغد إن شاء الله.

ذلك كان يحدث في الفاشر عاصمة ولاية شمال دارفور بل عاصمة دارفورالكبرى فما بالك بالمدن والقرى البعيدة؟!

ولذلك لم تكن مصادفة أن يقتحم مني اركو مناوي الفاشر المدينة التاريخية التي اتخذها السلطان علي دينار عاصمة له ليحدث فرقعة إعلامية هائلة هي التي نقلت مشكلة دارفور إلى مجلس الأمن خلال أقل من سنتين من انفجارها.

قبل أن أغوص في تلافيف ما أنجز خلال السنتين الأخيرتين في ولاية شمال دارفور من بسط لنعمة الأمن التي لطالما فقدتها تلك الولاية بل فقدتها كل دارفور اجدني مضطراً لأن أبدي إعجابي الشديد بل انبهاري بوالي شمال دارفور عبدالواحد يوسف فمما انكشف لي ورأيته (رأي العين) أن هناك رجالاً مظلومين ظلم الحسن والحسين لا لسبب غير زهدهم في الإعلام ولست أدري هل هي محمدة أم منقصة فهي شهادة لله الذي قضى بتأثيم من يكتم الشهادة فإلى تفاصيل أكثر إن شاء الله في مقال الغد .

   طباعة 
1 صوت
التعليقات : تعليق
« إضافة تعليق »
اضافة تعليق
اسمك
ايميلك

/500
تعليقك
8 + 7 = أدخل الكود
روابط ذات صلة
روابط ذات صلة
المادة السابقة
المواد المتشابهة المادة التالية