إمبراطورية السوق

عرض المادة
إمبراطورية السوق
1952 زائر
30-01-2018

في عدد من تحقيقات الصيحة، وجولاتها الميدانية، وقف القاريء على حقيقة مجردة من كل "رتوش" وهي أن الغلاء الذي تشهده بلادنا في وقتنا الراهن، وفوضى الأسعار والانفلات الذي يقوده أباطرة السوق الحاصل الآن، لم يكن إلا مؤشراً خطيراً للانحدار الأخلاقي، الذي وصل إليه بعض التجار... إذ لم يقف الأمر على زيادة الأسعار بـ"المزاج" فقط، ولم يقتصر الأمر أيضاً على أسعار الصباح التي تمحوها أسعار المساء، ولكنه تعداها إلى "نقص" الأوزان وتطفيف الموازين (يعني سرقة عديييل).. وفي الأخبار لم نفتأ نقرأ: ضبط أعداد مهولة من الأفران خالفت الأوزان المتفق عليها مع حكومة الولاية... ضبط مصنع يعبيء الدقيق الفاسد ويضع عليها ديباجات تشير إلى تاريخ إنتاج حديث... ضبط زيوت طعام فاسدة وغير صالحة للاستخدام الآدمي... ضبط شركات طبية توزع أدوية مضروبة والقائمة قطعاً تطول، والمسلسل تركي بالتأكيد...

القضية في تقديري ليست أزمة اقتصادية وحسب بقدر ما أنها أزمة ضمير وأخلاق، وغياب تام للوازع الديني والأخلاقي... صحيح أن مجتمعنا السوداني لم يكن في يوم من الأيام مدينة أفلاطون الفاضلة، ولم تبدأ معالم الانحطاط الأخلاقي مع موجة الغلاء الحالية، ولا مع موازنة العام 2018م ولا عقب تسريب معلومات عن الموازنة والدولار الجمركي قبل إجازة الميزانية، لكن بكل تأكيد اليوم بلغ هذا الانحطاط مبلغاً فاق حد سوء الظن بالتجار ورجال المال والأعمال وبكل الممسكين بمقابض إمبراطورية السوق والتجارة مما قد يفرض سؤالاً يُخرج لساناً وشفتين: ما الذي حمل أرباب التجارة إلى هذه الدرجة من التردي الأخلاقي...؟

في رأيي الإجابة بسيطة جداً، ربما أقول ربما... في السابق وحتى وقت قريب كانت منا أمة "وسطاً" يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، كانت هذه الأمة الوسط تزخر بمنسوبيها مساجدنا دعاةً وفقهاءً ووعّاظاً وخطباءً مفوَّهين، لكن للأسف الآن فإن طائفة كبيرة منها انزوت وتركت المساجد ودروس الوعظ والفقه، فبعضها ضرب على نفسه أسوار العزلة والحيرة والاحباط مما يحدث الآن من انهيار للمثال الذي كان، والبعض الآخر دخل السوق وتخلق بأخلاق السوق من جشع وطمع واحتكار وتجارة كسر وكتفلي وجوكية ونشاط طفيلي، ومضاربات في العملات الأجنبية فانهار المثال... نعم...

أما السبب الإداري وهو الأقوى في تقديري ضعف الرقابة والتساهل في تطبيق القوانين وهذا في ظني ما جعل السوق أقوى وأدهى من الحكومة، يفعل ما يريد ووقت ما يريد، وما على الحكومة إلا أن تُبرز عضلاتها لمن هو أضعف من إمبراطورية السوق...

.. اللهم هذا قسمي فيما أملك...

نبضة أخيرة:

ضع نفسك دائماً في الموضع الذي تحب أن يراك فيه الله، وثق أنه يراك في كل حين.

   طباعة 
0 صوت
التعليقات : تعليق
« إضافة تعليق »
اضافة تعليق
اسمك
ايميلك

/500
تعليقك
2 + 7 = أدخل الكود
روابط ذات صلة
روابط ذات صلة
المادة السابقة
المواد المتشابهة المادة التالية
جديد المواد
جديد المواد
سرقوا مروحتين قال - أحمد يوسف التاي
وامتع نفسي بالدهشة - أحمد يوسف التاي
ماتت حروف الدهشة - أحمد يوسف التاي
قصة صديقي الكوز - أحمد يوسف التاي
الكنز المنسي - أحمد يوسف التاي