حي (رئاسة اللواء) بسوبا.. التاريخ يعيد نفسه

عرض المادة
حي (رئاسة اللواء) بسوبا.. التاريخ يعيد نفسه
تاريخ الخبر 30-01-2018 | عدد الزوار 1880

وقائع مأساوية لأناس منسيين يعيشون تحت الرواكيب

مشاهد صادمة بالحي يقطنه لاجئو دولة الجنوب

نشأة الحي الذي اشتهر بترويج المخدرات تعود إلى 40 عاماً

مواطن: الماعندو قروش يموت سمبلة

مواطنة: الحروب شردتنا وأعادتنا للملاجئ

قصة الطفل سايمون التائه بين الإسلام والمسيحية

سيدة: الجوع هلكني والقرقوش طعامي

الخرطوم: مياه النيل مبارك

يقع حي (رئاسة اللواء) بمنطقة سوبا غرب بمحازاة منطقة السلمة، ورغم أن الحي مخطط بشكل جيد، فهناك الكثير من المباني العشوائية مثل الرواكيب التي تسكنها الأسر، بجانب بعض المباني تحت التشييد.

(الصيحة) زارت ذلك الحي ونقلت وقائع مأساوية لأناس منسيين يعيشون تحت رحمة الرواكيب المصنوعة من الكراتين والجوالات (والدلاقين) في شتاء هذا البرد القارس مع الأطفال بأوضاع بائسة جداً.

نهب وخطف

فهذا الحي والذي يقطنه لاجئو دولة الجنوب في فضاءات واسعة فقد سرد لي سائق الركشة الذي أقلني إلى هنالك العديد من مشاهد معتادي الإجرام والجرائم المتفشية فيه من نهب وخطف للحقائب خاصة في الفترات المسائية، حتى كدت أعدل عن الفكرة والعودة إلى مقر الصحيفة بالخرطوم، وقد أصابني الإرهاق من بعد المسافة ووعورة الطريق إلى أن سيطر العطش على تماماً، فالوسيلة إلى ذلك الحي هي الركشة وقطع شرودي صوت سائق الركشة بانتهاء الرحلة التي استغرقت ربع ساعة وترددت في النزول أم العودة وبدأ قلبي فى الخفقان.

منطقة خطرة

فالمشاهد في ذلك الحي صادمة، وأنا أشاهد وأتجول ببصري تجاه تلك الرواكيب التي نصبت في فضاءات شتى واستفسرته عن سر التسمية للمنطقة بـ(رئاسة اللواء)، فقال لي (يا بتنا انتي جاية تعملي هنا شنو، المكان دا خطر شديد ومليان خرشة إلا كان تجيبي معاك ساطور)، ومن أسفل الكرسي الذي كان يجلس عليه أخرج (عتلة) وساطوراً يحتفظ بهما للدفاع عن نفسه ، رغم الخوف الذي سيطر علي استجمعت شجاعتي ومرة أخرى أوقفني صوت سائق الركشة وقطع حبل تفكيري وقال لي (باقي القروش)، وزاد (من هسي طشيتي) وأردف قائلاً (انتي شفتي حاجة).

حالة خوف

ثم بدأت رحلة البحث عن المجهول ومن على البعد لاحظت دفاراً للشرطة وضع أمام إحدى رواكيب، نصبت في فضاء شاسع ويصطف حوله عدد من أفراد الشرطة، وقفت من على البعد أجول ببصري لمراقبة ما يحدث وفجأة شاهدت شرطياً أمسك بسيدة من داخل إحدى الرواكيب التي صنعت من الخارج بجوالات مهترئة وخلفها أطفالها يصرخون، وابتلعت ريقي الناشف وكدت أن أقترب من ذلك الشرطي ولكني فضلت النظر من على البعد وقد سيطر العطش، والخوف علي تماماً، وخلف إحدى الرواكيب وقفت أتابع ما يحدث، ووقتها أدركت أني في خطر وأنا أحمل القوارير الفارغة وأسرعت الخطى إلى إحدى الرواكيب، التي كانت بعيدة بعض الشيء ولكن سيدة مخمورة أطلقت نحوي صرخات متتالية ففهمت بأنها من خلال مشاهدتها للقوارير (ياني زبونة) ولكني تجاهلتها خوفاً من القبض علي، وابتعدت مسافة كافية وشاهدت الدفار يغادر المنطقة .

الجوع القاتل

من هنا تنفست الصعداء وعدت إلى حيث محدثتي التي أشارت إلي مسبقاً، ثم استنشقت الهواء بصعوبة، الراكوبة التي ولجت إليها بها مجموعة من الأقمشة وكراسي متهالكة، ولاحظت وجود فتحة عند منتصف الراكوبة مغطاة بإحكام وسرير حديدي كبير تنام عليه سيدة وأخرى تدخن الشيشة، طلبت منهم كأساً، أسرعت الطفلة التي أشارت إليها والدتها بإحضار مياه ولكنها أحضرت كوباً به (عرقي) ولكن سرعان ما استدركت والدتها الموقف، أخطرتني سيدة كانت تحمل طفلاً بأن صاحبة المنزل مخمورة، وشاهدت بالقرب منها قارورة بها قليل من الخمر وأحضرت لي طفلتها مياه شرب لم أستطع شربها لأن الكوز رائحته (مريسة)، أخطرتني تلك السيدة بأن الجوع قد أهلكها وأبناءها ولا طعام لهم، وخرجت مسرعة بعد أن شعرت (بكتمة) أنفاسي داخل الراكوبة، سرت مسافة طويلة أتأمل منظر تلك الرواكيب المتراصة في الفضاءات الواسعة في ظل الشتاء القارس.

أسباب التسمية

وفي أحد أركان المنازل لاحظت وجود سيدة وضعت صاجاً به زيت مغلى ورمت طعمية أسرعت إليها فقد سيطر الجوع علي تلك اللحظة من جراء المشوار الطويل وجلست بالقرب منها لأتجاذب معها أطراف الحديث، وطلبت منها عمل (سندة) قالت: أصل المنطقة في السابق حضر إليها بعض من سكان مايو إبان إزالة منطقة دار السلام، وكانت رواكيب وخموراً ومعتادي إجرام، ولكن المنطقة تشهد هدوءا وأن المنطقة أصبحت أفضل حالاً وتطورت الى منازل من الطين والطوب الأخضر.

ويقول (ن ـ ب ): اسم الحي أن السكان القدامى أطلقوا على المنطقة اسم (رئاسة اللواء) والسبب أن المنطقة في السابق عرفت بترويج المخدرات .

جهود الشرطة

وأشار إلى أن نشأة الحي ترجع إلى قبل 40 عاماً، وقال: قد كثفت الشرطة حملاتها لإزالة التشوهات كافة، وأن عددا كبيراً من معتادي الإجرام الذين كانوا يفرضون سيطرتهم على المنطقة يقبعون الآن بالسجن المؤبد، ورغم أن الاسم إلى حي (الأربعين) لا تزال رئاسة اللواء تسيطر على المنطقة والأذهان ، بعد أن أكملت (السندة) غادرت مكان بائعة الطعمية مجدداً صوب مهمتي إلى إحدى الرواكيب التي نصبت بإحكام، وشاهدت مسناً يجلس على كرسي اقتربت منه وجلست بقربه تجاذبت معه أطراف الحديث، وقال إن ظروفهم صعبة للغاية، وأضاف أن في هذه المنطقة التي نحن بها الماعندو قروش يموت (سمبلة)، فيما قالت ابنته بأن الحروب في بلادهم قد حولتهم إلى لاجئين، مشيرة إلى أن الكل في تلك المنطقة يطلب منك حمل سلاح أبيض للدفاع عن النفس تحسباً لحدوث طارئ خاصة من المخمورين، ما جعلنى أتردد فى مواصلة السير أو ترك المهمة التي حضرت من أجلها مجدداً.

استمرار الحملات

داخل تلك الرواكيب ورغم تحذير سابق من بائعة الطعمية من عدم دخول الرواكيب التي عرفت بصناعة الخمور لأنه يمكن أن يتم اعتقالي لأن حملات الشرطة مستمرة ليل نهار، وولجت إلى راكوبة نصبت في إحدى المساحات الشاسعة ووجدت سيدة تحمل طفلاً كان يصرخ بشدة، وبعد استفساري عن سبب بكائه أخطرتنى بأن ابنها مريض وهي لا تملك ثمن الدواء، وأن حملات الشرطة قضت على خمور قامت بصناعتها، وأضافت أنها غير متعلمة وليس لها عمل غير الخدمة في المنازل، وأنها كانت قد هاجرت الى جنوب السودان وفرت من الحروب وقامت بإحضار مياه شرب من جركانة كانت تحتفظ بها تستخدمها كحافظة، ووضعت من الخارج جوالاً لم أستطع شربها وكانت تغلي تماماً من السخونة، فأعدتها وخرجت سريعًا تنفست الصعداء بعد أن شعرت بداور غريب في رأسي، ولكن صوت الطفل (سايمون) استوقفني وكان يرتدي ملابس رثة طلب منى جنيهاً لشراء رغيفة ليسد بها رمقه.

التعليم داخل راكوبة

وبعد أن توقفت فترة من الزمن في أحد الشوارع لاحظت وجود مدرسة خاصة تم عمل راكوبة داخلها لتدريس الطالبات اندهشت لذلك وتركتها خلفي وتوجهت صوب راكوابة أخرى، وجدت صعوبة شديدة في الدخول إليها ووجدت بها سيدة كانت مشغولة بشيء ما وقد بدا عليها بعض الارتباك طلبت منهم مياه شرب ولاحظت في يدها عددا من قوارير المشروبات الغازية الفارغة، وجلست تحدد لي أسعار القوارير خاصة أن هنالك ارتفاعاً فى المواد الخام ولكن السيدة كانت تتحدث معي بحذر شديد، وهنا قطعت كل حبل تفكيرها وأخطرتها عن نوع الخمور التي أطلبها وهي (أبيض الضمير).

حالة ضبط
ولكن قبل أن أتناول الماء سمعت صوت مركبة في الخارج وقبل أن أدرك الأمر أسرع عدد من الشباب يضعون نظارات على وجهوهم إلى داخل الراكوبة يحمل أحدهم عتلة حديدة ثقيلة وحينها أحضرت ابنتها موية الشرب قبل أن تتوقف، نزل منها عدة شباب بعضهم بالزى الرسمي والملكي وطلب منا عدم التحرك من مكاننا حاولت الخروج ولكن أحدهم أشار لي بعدم الحركة، وبدأوا يضربون بتلك الحديدة على الأرض فى الراكوبة في أماكن شتى وكان شكل الكوب متسخاً ولكن أحد هؤلاء الشباب اقترب مني وأخذ الكوب وطلب مني عمل اختبار للسكر في البدء ترددت بحجة أني لا أعرف كيف يتم عمله، فنادى على صاحبة المنزل ويبدو أنهم اعتادوا حملات على منزلها وسألها (ميري وين (البتاع) فأنكرت صلتها تماماً وبحثوا فى الأرض مجدداً، وتحت السرائر وأخطرتهم صاحبة المنزل أنها قد أعلنت توبتها من صناعة الخمور رغم حديثها لي بأن لديها خموراً خبأتها بعيداً.

خاتمة

ثم تخلصت سريعاً من القوارير التي كنت أحملها عند انشغالهم داخل راكوبة أخرى شاهدت مجموعة نسوة كن في الدفار ولحق بأحداهن أطفالها يصرخون وتبادلت والدتهم معهم البكاء، ومن خلال الرطانة فهمت أنها مخمورة، أحدهم إشار إلى صعودي بعد أن اعترضت على أخذ ورفع السيدة المسكينة، وقال بصوت قوي جدا (يا بت عايزة تورينا شغلنا) بعدها أشرت إلى أقرب سائق ركشة وغادرت المنطقة سريعاً بعد أن شاهدت دفارات أخرى تخص الشرطة وقد امتلأت بها المنطقة ولسان حالي يقول (رئاسة ...)

0 صوت
التعليقات : تعليق
« إضافة تعليق »
اضافة تعليق
اسمك
ايميلك

/500
تعليقك
3 + 4 = أدخل الكود