شرف الاستقالة مرفوض

عرض المادة
شرف الاستقالة مرفوض
2763 زائر
18-01-2018

في كل مرة أسمع فيها أن وزيراً تقدم باستقالته، يتملكني يقين راسخ أن استقالته ستكون مرفوضة لأسباب سنشرحها في خاتمة هذا المقال، وذلك لاعتقادي الجازم أن الأنظمة غير الليبرالية لا تعطي مسؤوليها شرف الاستقالة، بعكس نظيرتها "الديمقراطية" التي تعلي من شأن أدب الاستقالة...هناك نماذج كثيرة ليست في حقبة الإنقاذ وحدها بل في نظامي "مايو" و"نوفمبر"، على المستوى المحلي، وعلى المستوى الإقليمي تكثر النماذج في مصر وليبيا ودول المغرب والخليج وكثير من الدول الأفريقية ..

أول ما طاف بذهني وأنا أستدعي الأمثلة، وأستحلب بقايا الذاكرة طاف بذهني د. عبد الوهاب عثمان وزير المالية في العام 96 والذي تقدم باستقالته بسبب الإعفاءات الجمركية لبعض المنظمات "المستهبلة" ودخل في مواجهة مع بعض المتنفذين، وأخيراً عندما وجد نفسه كالسيف يقاتل وحده تقدم باستقالته، وقد انحاز إليه الرئيس البشير وسند ظهره وراجعه عن الاستقالة، لكنه عاد إليها مجدداً عندما "عادت حليمة لي قديما" واستقال مرة أخرى وأصرَّ على موقفه فقبلت... وفي الذاكرة أيضاً استقالة المهندس الطيب مصطفى من إدارة الهيئة القومية للاتصالات والتي رُفضت أيضاً في بادئ الأمر إلا أن الرجل أصر على موقفه وأقسم بـ"الطلاق" المغلظ كما تردد... وفيما عدا هذين النموذجين، كانت الاستقالات تُرفض فيستكين أصحابُها للرفض، ويباشرون أعمالهم، و" يا دار ما دخلك شر"... فعلى سبيل المثال للحصر رُفضت استقالات وزراء سابقين نذكر منهم: الداخلية الفريق عبد الرحيم محمد حسين بعد حادثة مباني الرباط ، وزير الزراعة الدكتور عبد الحليم المتعافي في العام 2013، بعد إلغاء قراره بإبقاء مدير وقاية النباتات الذي تجاوز سن المعاش، وزيرة الدولة بالعدل الأستاذة تهاني تور الدبة، بسبب حادثة ابنها في العام قبل الماضي، ووزير الصناعة المرحوم عبد الوهاب عثمان بعد فشل تشغيل مصنع سكر النيل الأبيض، وفي النظام المايوي كانت الاستقالة مرفوضة أصلاً على نحو غير معلن، وبالمقابل يستعاض عنها بالإقالة أو الإعفاء على نشرات الأخبار ولعل أشهر مثال لذلك وزير التنمية الريفية في عهد مايو وآخرون كُثر، وإقالة وزير النقل لام أكول، ووزير الدولة بالعدل أمين بناني وذلك في عهد الإنقاذ..

الشاهد في ذلك أنه من خلال كثير من الأمثلة والمعطيات يبدو أن الأنظمة الشمولية لا تعطي المسؤول فيها شرف الاستقالة، وإذا حدث فإن ذلك سيكون وضعاً استثنائياً شاذاً، فكثير من هذه الأنظمة إذا شعرت أن أحد منسوبيها "تململ" وبلغ عنده حد تقديم الاستقالة تقطع عليه الطريق بإقالته دون ذكر أسباب، أو إعفائه بمبررات أوهن من بيت العنكبوت، ولكن لا تعطيه شرف قبول الاستقالة، وهذه الظاهرة في تفسيري ذات ارتباط نفسي في طبيعة تلك الأنظمة، فكأن الذي يُقبل على الاستقالة "يستعرّ" من حكومته ، أو كأنما هو يريد التنصل عن "مسؤولياته" فيها أو كالذي يريد القفز من مركب في عرض البحر طلباً للنجاة، وما يؤكد الجانب النفسي في الأمر هو إقالة المسؤول في ظروف غامضة تحيطها كثير من الشبهات وتتراص حولها كثير من علامات الاستفهام...اللهم هذا قسمي فيما أملك..

نبضة أخيرة:

ضع نفسك دائماً في الموضع الذي تحب أن يراك فيه الله، وثق أنه يراك في كل حين.

   طباعة 
0 صوت
التعليقات : تعليق
« إضافة تعليق »
اضافة تعليق
اسمك
ايميلك

/500
تعليقك
7 + 3 = أدخل الكود
روابط ذات صلة
روابط ذات صلة
المادة السابقة
المواد المتشابهة المادة التالية
جديد المواد
جديد المواد
مرحبا بالخدّاعين - أحمد يوسف التاي
النخب - أحمد يوسف التاي
الغبن المكتوم - أحمد يوسف التاي
إعلام العمل الطوعي - أحمد يوسف التاي
حالة توهان - أحمد يوسف التاي