المدونة السياسية د. أمين حسن عمر في المسألة الاقتصادية... ترويض الدولار

عرض المادة
المدونة السياسية د. أمين حسن عمر في المسألة الاقتصادية... ترويض الدولار
تاريخ الخبر 18-01-2018 | عدد الزوار 3407

الاقتصاد المستقر قد يتأثر بصدمات تأتيه من الخارج فتؤثر فيه تأثيراً كبيراً. وما جرى للجنيه السوداني كان أمراً من هذا القبيل

أدى هذا التهافت الذي ترافق مع بروز أباطرة السوق السوداء مرة أخرى إلى شبه تجفيف كامل للسوق . عجز معه البنك المركزي على التعويض الذي هو السبيل الوحيد لمناهضة السوق السوداء

لا شك عندي أنه إذا اتبعت هذه السياسات بالجرأة المطلوبة فإن هنالك تفاؤلاً عظيماً بنجاح هذه السياسة (سياسة التعويم المدار) . خاصة إذا نجحت جهود بنك السودان في الحصول على موارد تقارب وتسدد لسد النقص المتوقع لهذا العام

لما اتسع الرتق على الراقع كان لابد من سياسة جريئة مسنودة بترتيبات محسوبة لإعادة السيطرة على سعر الصرف . ومناهضة وترويض الفئة الباغية التي تضارب في العملات للاسترباح ولو على حساب استقرار الاقتصاد الوطني وعلى حساب حصول المواطن البسيط على السلع الضرورية بأسعار معقولة

بنك السودان المركزي لابد له من ترك حالة الحذر المفرط وعدم اختيار مساحة وسطى بين خيارين فإن مثل هذه المساحة لا وجود لها. ربما أولى المعالجات هي المعالجة الذهبية. وأعني بها شراء كل الذهب المستخرج بسعر مجزٍ يُتفق عليه مع المنتجين يناسب السعر العالمي

وزارة المالية عليها اتباع سياسة مالية تقشفية مع إحلال الواردات وزيادة الصادرات، وتشجيع الاستثمار ذي العائد السريع. وبنك السودان عليه أن يحصل على موارد تمكنه من إعادة القبض على زمام المبادرة

رغم حالة التفلّت الكبير في سعر العملات الأجنبية، فإن قرارات بنك السودان المركزي الاحتفاظ بسياسة تعويم سعر الصرف للجنيه السوداني ربما هي الخيار الوحيد الذي هو متاح في الوقت الراهن. وهي سياسة ممتدة مجربة للتعامل بفاعلية مع الوضع المتذبذب لقيمة الجنيه السوداني وقيمة السلع المعروضة في الأسواق تبعاً لذلك. وتعويم سعر الصرف Flotation يعني ترك سعر العملة بالنسبة للعملات الأخرى يتحدد وفقاً لقوى العرض والطلب في السوق النقدية، والتي تشهد مؤخراً زلزالاً وردّات فعل وتوابع عديدة.

تعويم سعر الصرف وتحولات العرض والطلب:

تعويم سعر الصرف المعمول به في السودان هو (التعويم المدار) . وهو يختلف عن التعويم المطلق لسعر الصرف. فالتعويم المطلق هو ترك السعر يتغير ويتجدد بحسب قوى السوق ودون أي تدخل من البنك المركزي. وقد يقتصر تدخل البنك المركزي على التأثير في سرعة تغير سعر الصرف دون اللجوء للحد من ذلك التغيير. وهو الأمر المعمول به في منطقة اليورو وفي الدولار الأمريكي والين اليابانى والجنيه الإسترليني والفرنك السويسري. وهذه السياسة تقتضي قدرة واسعة لقوى الإنتاج في ذلك البلد . كما تقتضي سرعة وقدرة وكفاءة الأجهزة المالية وهي متطلبات يحتاج المرء لشديد تفاؤل ليرجو توفرها . ففي بلد مثل السودان يعتمد بنسبة 80% على الاستيراد في تلبية احتياجات الإنتاج والاستهلاك فإن التعويم المطلق للجنيه السوداني قد يخرج به عن السيطرة تماماً. لأن قوى الإنتاج الضعيفة واحتياطات النقد الأجنبي الشحيحة لا تمكنان البنك المركزي من الجلوس بارتياح في مقعد القيادة والسيطرة بالتالي التحكم على السوق النقدية التي قد يكون في مُكنة المضاربين والمحتكرين التحكّم بها أكثر من قدرة السلطات النقدية بالبلاد. ولذلك فقد كانت السياسة المتبعة هي تعويم السعر المدار أي تلك السياسة التي تسمح للبنك المركزي بالتدخل استجابة للمؤشرات، بيد أن الحذر شل أيادي البنك المركزي من إنفاذ السياسة بالجرأة اللازمة لاتباع المؤشرات التي تتمثل في رؤية الفجوة بين العرض والطلب ومستويات السعر العاجل والآجل والتطورات الآنية في السوق، مثل عطلات المغتربين أو مواسم الطلب العالي مثل موسم العمرة في رمضان وموسم الحج وما إلى ذلك. وهذه سياسة تتبعها ثلة من البلدان ذات العملة المرتبطة بالدولار أو اليورو أو سلة من العملات. والسودان الذي اعتمد رسمياً ربط الجنيه باليورو لسنين عددا لم يستطع أن يفرض ذلك على السوق النقدية بالبلاد. حيث يتعامل أكثرها بالدولار فتحتسب قيمة الجنيه السوداني به. وعلى الرغم من ذلك فقد كانت سياسة التحرير المدار سياسة ناجحة وناجعة. ضمنت للعملة الوطنية استقراراً طويلاً امتد لأكثر من عقد كامل. وقد اتبعت هذه السياسة قبل تصدير البترول وأثبت نجاحها في تحقيق الاستقرار للجنيه السوداني. فما الذي جرى وسبب العواصف الأخيرة التي أضرت إضراراً بليغاً بهذا الاستقرار؟

صدمة الانفصال

الاقتصاد المستقر قد يتأثر بصدمات تأتيه من الخارج فتؤثر فيه تأثيراً كبيراً. وما جرى للجنيه السوداني كان أمراً من هذا القبيل. فعلى الرغم من عدم تأثر الجنيه السوداني بصدمة الأزمة الاقتصادية العالمية في العام 2009م والتي أضرت بأسعار البترول وارتفعت أسعار السلع المستوردة فقد استطاع الجنية السوداني آنذاك أن يستوعب صدمة الأزمة الاقتصادية العالمية. ولا تزال آثارها تتوالى على جميع الدول في العالم وبخاصة الدول في العالم الثالث التي تعتمد على الاستيراد لتوفير احتياجاتها الإنتاجية والاستهلاكية. بيد أن صدمة الأزمة العالمية جاءت بعدها صدمة هائلة للاقتصاد. تمثلت في انفصال الجنوب واقتطاع 75% من إنتاج البلاد وصادرها من البترول من الموازنة العامة وكذلك من عائد الصادر. فاختل بذلك الميزان الداخلي والميزان الخارجي بدرجات متفاوتة. بيد أن الأخطر من ذلك كانت هي الصدمة النفسية التي اقترنت بالانفصال. وتوقع الجمهور والسوق على وجه الخصوص لتقلبات واختلالات كبرى في الاقتصاد مما أدى إلى حالة تشبه التوقف التام عن عرض النقود في السوق النقدية. وبات من يملك قدراً يسيراً أو كبيراً من العملات الأجنبية في حالة ترقب . وحالة انقباض عن التعامل في تلك السوق انتظاراً لتوازنها من جديد. ثم تعرضت السوق لحالة من الاستنزاف للموارد المحدودة التي ظل بنك السوداني المركزي يرفد بها المصارف والصرافات. وتمثل ذلك الاستنزاف في محاولة حكومة جنوب السودان استبدال ما لديها من عملة سودانية دفعة واحدة بالعملات الحرة . وطرح عملة جديدة لجنوب السودان وذلك خلافاً لتعهدها بأن لا تلجأ إلى هذا الأسلوب.

بيد أن بنك السودان المركزي الذي لم يكن ليثق في تعهدات حكومة الجنوب كان قد احتاط لمثل هذه الحالة بتجهيز عملة جديدة . فقام بطرح الأوراق المالية الكبرى منها من السوق وسحب الأوراق القديمة لحرمان حكومة جنوب السودان من توجيه ضربة قاصمة للسوق النقدية من خلال سحب ما يربو على (700) مليون دولار دفعة واحدة. بيد أن حكومة الجنوب وبعض المضاربين المتعاملين معها قد أفلحوا في تهريب نسبة 15% حسب تقدير البعض. وذلك من خلال تهريب بعض الأوراق الكبيرة وكل الأوراق والعملات الصغيرة للسودان. وقد شكل هذا العمل رغم التحوط له قدراً من الضغط على سوق العملات في السودان في وقت كانت تعاني فيه من تراجع العرض على نحو مريع. ثم أن وفاء حكومة السودان بدفع تعويضات الجنوبيين العاملين بالسودان والسماح لهم بتحويل هذه الأموال إلى عملات أجنبية عند المغادرة أدى هو الآخر إلى مزيد من الضغط على المعروض المحدود. وأدى جفاف السوق النسبي إلى تهافت المحتاجين للعملات الأجنبية لأغراض الاستيراد أو العلاج أو التعليم أو حتى العطلات.

عودة السوق السوداء

وأدى هذا التهافت الذي ترافق مع بروز أباطرة السوق السوداء مرة أخرى إلى شبه تجفيف كامل للسوق . عجز معه البنك المركزي على التعويض الذي هو السبيل الوحيد لمناهضة السوق السوداء. ولما اتسع الرتق على الراقع كان لابد من سياسة جريئة مسنودة بترتيبات محسوبة لإعادة السيطرة على سعر الصرف . ومناهضة وترويض الفئة الباغية التي تضارب في العملات للاسترباح ولو على حساب استقرار الاقتصاد الوطني وعلى حساب حصول المواطن البسيط على السلع الضرورية بأسعار معقولة. وكان لابد من حزمة سياسات مالية ونقدية وأمنية في آن واحد. وهي الحزمة التي اعتُمدت في الوقت الراهن. فوزارة المالية عليها اتباع سياسة مالية تقشفية مع إحلال الواردات وزيادة الصادرات، وتشجيع الاستثمار ذي العائد السريع. وبنك السودان عليه أن يحصل على موارد تمكنه من إعادة القبض على زمام المبادرة . وذلك بتوفير وسادة من النقد الأجنبي تمكنه من التدخل وإدارة سعر الصرف بعد تعويمه . وذلك للنزول به تدرجاً نحو الوضع الاعتيادي الذي يعود فيه عرض العملات الأجنبية طبيعياً. ويتوقف إحجام من البائعين الصغار أو الكبار. ويعود فيه الطلب إلى الوضع الاعتيادي الذي يتمثل في الاحتياجات الحقيقية (غير الاحتكارية) للعملات الأجنبية. وبنك السودان المركزي لابد له من ترك حالة الحذر المفرط وعدم اختيار مساحة وسطى بين خيارين، فإن مثل هذه المساحة لا وجود لها، ربما أولى المعالجات هي المعالجة الذهبية، وأعنى بها شراء كل الذهب المستخرج بسعر مجزٍ يتفق عليه مع المنتجين يناسب السعر العالمي للذهب وذلك من خلال قيام مجلس للذهب يضم الحكومة والقطاع الخاص وكبار المنتجين وممثلي التعدين الأهلي لتحديد سعر الشراء وتوفير الظروف الأنسب لتطوير الإنتاج والحؤول دون التهريب الواسع لمعدن ناضب. وفي مرحلة أخرى تطوير المجلس إلى بورصة للذهب بعد استقرار الأسعار. كذلك يمكن احتذاء التجربة التركية في سك جنيهات ذهبية وتوفيرها في الأسواق لتكون وعاء للقيمة يطمئن إليه من يريد حفظ قيمة مدخراته. كذلك يمكن اعتماد صكوك الجنيه الذهبي التي تضمن لحاملها استبدال الصك بسعر الذهب العالمي في يوم الصرف، وبذلك يمكن توفير ملاذات آمنة لمن يريد الدولار مخزناً للقيمة، وهؤلاء هم العدد الأعظم من الفئة التي تهجم على الدولار ليس لشراء السلع أو للاستيراد وإنما لحفظ قيمة النقود وقد اتسع عدد هؤلاء بالتوسع في السيولة بالجنيه السوداني بسبب الذهب. لا شك أن هذه الحلول هي أقوى المحفزات لتحقيق الاستقرار لكن أموراً أخرى تتعلق بالسيطرة على حجم السيولة في الاقتصادية تظل ذات أهمية تكميلية. كذلك فإن تقليص المستوردات من خلال توسيع قائمة السلع الممنوع استيرادها مؤقتاً حل مطلوب وإن كان مثل الدواء المر لطائفة من المستهلكين وللوزارة المالية لما له من أثر على تقليص عائدات الجمارك ولكنك في عالم اقتصاد الندرة لن توفر شيئاً حتى تقتطعه من جزء ما من الغطاء الاقتصادي.

ولا شك عندي أنه إذا اتبعت هذه السياسات بالجرأة المطلوبة فإن هنالك تفاؤلاً عظيماً بنجاح هذه السياسة (سياسة التعويم المدار). خاصة إذا نجحت جهود بنك السودان في الحصول على موارد تقارب وتسدد لسد النقص المتوقع لهذا العام ما يعني إعادة القدرة إليه لامتلاك زمام المبادرة.

كما أن تباعد شبح الحرب بين السودان وجنوب السودان وربما الأمل في عودة الاستقرار للجنوب وربما عودة المفاوضات الأمنية التي يرجى أن تفضي إلى فتح ملفات النفط والملفات الأخرى سوف يبعث بروح من التفاؤل للأسواق، تحتاجها الأسواق لإعادة الطمأنينة والتوازن النفسي إليها. وإذا أدى بدء المفاوضات ونجاحها إلى نتائج فإن بعض تلك النتائج سيعني حصول السودان على المزيد من موارد النقد الأجنبي. سواء من خلال ما تنتهي إليه المفاوضات أو مساعدات دولية كانت موعودة ولا يزال الحصول على بعضها لا يستحيل. وإذا ألهم الله الرشد للحركات غير الدستورية الحاملة للسلاح وبدأ شوط مفاوضات جديدة، فإن نجاح المفاوضات سيفضي بإذن الله لانقشاع السحب السوداء في سماء الاقتصاد فالأوضاع الأمنية هي العامل الأكبر في فساد كيمياء الاقتصاد الوطني.. وفي كل الأحوال توسيع دائرة الحوار والوفاق الوطني والتشاور القومي الواسع سوف يعين على قراءة الوقائع أياً ما تكون ويوفر الحلول ببعض ما ذكرنا وما غفلنا عن ذكره. وأهل السودان قادرون بحول الله على تسخير موارد بلادهم وطاقتها للتعامل مع ذلك الواقع أياً ما كان. والحكومة الوطنية عليها أن تثق بشعبها وربها الرزاق ذي القوة المتين.

انتهى،،،

0 صوت
التعليقات : تعليق
« إضافة تعليق »
اضافة تعليق
اسمك
ايميلك

/500
تعليقك
5 + 6 = أدخل الكود