"الصيحة" تتجول على حدودنا الشرقية ـ 1 الفشقة المحتلة.. الملامح الإثيوبية تطمس المعالم السودانية

عرض المادة
"الصيحة" تتجول على حدودنا الشرقية ـ 1 الفشقة المحتلة.. الملامح الإثيوبية تطمس المعالم السودانية
تاريخ الخبر 14-01-2018 | عدد الزوار 2614

القريشة .. محلية منسية رغم كل إمكاناتها الضخمة

عدم توفر مياه الشرب يشكل هاجساً مؤرقاً لمواطني القريشة

القريشة: صديق رمضان.. عمار الضو

عند عبور نهر العطبراوي من الضفة الغربية حيث قرية ودكولي إلى الضفة الشرقية، فإن المعالم تختلف كلياً، فداخل الأراضي السودانية المحتلة بالفشقة الصغرى أنشأت السلطات الإثيوبية مدينة نموذجية مكتملة الخدمات وهي خور عمر التي تحولت إلى مستوطنة يرفرف على أعلى كنيستها العلم الإثيوبي، وعند عبورنا النهر قبالة قرية الأسرة الحدودية، فإن ذات المعالم الإثيوبية تبدو شاخصة، أمر يصيب المرء بالارتباك الممزوج بالحسرة، لأن الأرض سودانية الهوى والهوية إلا أنها باتت أثيوبية اللسان والشكل، وخلال تجوالنا على حدودنا بمحلية القريشة التي تجاور دولة أثيوبيا، وبعد تلمسنا واقع السكان في هذا المحلية بقراها الحدودية الإثنين والعشرين وغيرها أدركنا أسباب طمع دول الجوار في أراضينا، فهنا تتجسد مقولة "المال السائب بعلم السرقة"، لأن القرى في الشريط الحدودي تفتقر لأبسط مقومات الحياة وتشكو قلة السكان وضعف التواجد الحكومي، وفي حلقتنا الأولى هذه نتعرف على جزء من الواقع بمحلية القريشة.

الفساد يتجلى

تحركنا من القضارف عند الصباح ووصلنا إلى مدينة دوكة الواقعة على الطريق القاري الذي يربط بين السودان وأثيوبيا، ومنها اتجهنا شرقاً إلى محلية القريشة التي كانت مقصدنا الأساسي لتلمس قضايا المواطنين ولزيارة القرى التي تقع في الحدود والوصول الى الأراضي السودانية المحتلة، الطريق الذي يربط بين مدينة دوكة والقريشة رغم أن طوله لا يتجاوز السبعة وعشربن كيلو متراً إلا أنه يعتبر قطعة من جحيم لتعرجاته الكثيرة ومطباته ورداءتهن وكان نصيبنا أن توقفت العربة التي تقلنا إجبارياً لنصف ساعة بسبب تعطل الإطار الذي قال السائق الذي أقلنا أن توقف المركبات في هذا الطريق بداعي الأعطال أمر مألوف يتحسب له كل السائقين بسبب رداءته، وبدا متبرماً من عدم سفلتة رغم محدودية طول مسافتة، ويكشف عن أن الطريق في فصل الخريف يتحول الى مستنقعات وبرك لا يمكن قطعها إلا بعد جهد شاق قد يستغرق ساعات طويلة، وسرد لنا الكثير من أمثلة معاناة المواطنين خاصة المرضى والحوامل خاصة حينما تهطل الأمطار على أرضه الطينية، وبعيداً عن حديث السائق فإن هذا الطريق يجسد التجاوزات والأخطاء الحكومية في أقبح صورها، بل يمكننا أن نقول الفساد دون أن يرمش لنا طرف، فهذه المفردة التي تثير حفيظة الحكوميين لم يشر إليها مسؤول رفيع بالولاية، إلا أن حديثه عن الطريق كان قريباً من مفردة الفساد حينما بدا ساخطاً ومتبرماً من الأخطاء التي صاحبت ترقية وتطوير هذا الطريق.

الخضر والتقصير

تقول رواية المسؤول الحكومي إنه وخلال عهد حكم الدكتور عبد الرحمن الخضر للولاية تم التعاقد مع إحدى الشركات لسفلتة الطريق حتى تنتهي معاناة المواطنين، الذين غمرتهم السعادة حينما علموا أن الحكومة أخيرًا قررت وضع حد لأوجاعهم وجراحاتهم وشعورهم بالتهميش وإنها بصدد استدراك ما مضى من تقصيرها وتجاهلها لهذه المحلية الحيوية، حيث رسا العطاء في منتصف العقد الماضي على إحدى الشركات، ووقتها أكد كثيرون أن ثمة مجاملة، قد حدثت لأن الشركة لا علاقة لها بعمل الطرق، بيد أن المواطنين تجاوزوا هذا الأمر على أمل أن تتمكن الشركة من تنفيذ تعهدها بسفلتة الطريق، فوقتها كان جل حلمهم ينحصر أن يغطي الزفت هذا الطريق حتى يودعوا عهد المعاناة، وبعد طول انتظار تمخض الجبل فولد فأراً، وقد صدقت مخاوف وهواجس من شككوا في مقدرة الشركة التي عجزت تماماً عن إنجاز عملها وحتى الردمية الترابية لم تتمكن من إنجازها، وليس هذا وحسب بل إنها تقاضت حقوقها كاملة غير منقوصة لتبدد أحلام المواطنين وتذهب أدراج الرياح ومعها أموال ضخمة، ورغم ذلك لم تتم محاسبة الشركة ولا الذين أبرموا معها العقد، وقبلهم الوالي عبد الرحمن الخضر .

على الهامش

بعد رحلة استغرقت أكثر من ساعة لمسافة لا تتجاوز الثمانية وعشرين كيلو متراً وصلنا القريشة التي بدات لنا هي ذاتها، فقد زرناها قبل سنتين، رغم وجود تغييرات واضحة على صعيد المرافق والمنشآت الحكومية التي شهدت تحسناً نسبياً عما كانت عليه في الماضي.

ويؤكد المواطنون الذين التقيناهم في حاضرة المحلية التي ما تزال أقرب للقرية الكبيرة منها إلى المدينة الحديثة أنه ومنذ العام 2007 الذي شهد إنشاء المحلية وكان أول معتمد لها والي سنار الحالي الضو الماحي، فإنها ظلت على هامش التنمية اتحادياً وولائياً، وتجسد لنا هذا الواقع بصورة واضحة من خلال تجوالنا في بالقريشة التي ما تزال تحمل ملامح القرية من حيث بنيتها التحتية رغم وجود عدد من المرافق الحكومية التي شهدت إضافات في عهد المعتمد الحالي الذي شيد عدداً من المنازل لموظفي المحلية، بالإضافة إلى استراحة ونادٍ، والمنطقة رغم أنها تجارية، إلا أن سوقها ما يزال مشيداً بالزنك ولم يتم تخطيطها حيث صدر قرار أخير لتنظيمه وتشييد محاله بالمواد الثابتة، ومدارسها معظمها مشيد بالمواد المحلية، ولا توجد في حاضرة المحلية كهرباء ولا شبكة مياه.

واقع متردٍّ

القريشة ورغم أنها تمتلك مليون فدان صالحة للزراعة ورغم كل إمكاناتها الضخمة، إلا أنها تبدو في ذيل سلم أولويات حكومات ولاية القضارف المتعاقبة بدعوى أنها لا تمتلك موارد وفقيرة لا تستحق خدماتها التطوير، بيد أن الحقيقة بخلاف ذلك، فقد تأكدت أن العلة ليست في مواردها بل في قصور نظر حكومة الولاية، وهذا ما يؤكده معتمد المحلية الذي يلفت إلى أن القريشة تضم كبار المنتجين في القضارف، بالإضافة إلى أنها تحتل مرتبة متقدمة على صعيد الزكاة، كما يوجد بها 300 بستان منتج للخضر والفاكهة منها 22 بسرف عرديبة، ولكن عدم وجود طرق معبدة عزلت المحلية تماماً، وكما أشار المعتمد، فإن تكلفة مؤتمر واحد بالخرطوم يكفي لتشييد طريق بالمحلية، ورغم أن المعتمد الشاب بدا متبرماً من عدم وجود ولو كيلو متر واحد مغطى بالأسفلت، إلا أنه كشف عن أن حكومة الولاية أخيراً أفردت اهتماماً بهذه القضية، ويتمثل ذلك في بداية العمل في طريق تبارك الله، الأسرة الذي يربط رئاسة المحلية بالشريط الحدودي، ويبلغ طوله 38 كيلو متراً، كما تمت إجازة طريق القريشة كاكوم بطول خمسة عشر كيلو متر، وطريق ثالث تمت إجازته بطول خمسة كيلو من القريشة حتى المقرن، وهذه مناطق إنتاج، وهنا يشير المعتمد إلى أن مواطنيها كانوا يتكبدون مشاق السفر في الوصول إلى مستشفى دوكة في الخريف والصيف وأن الحوامل والأطفال من يدفعون الفاتورة باهظة، وأضاف: رغم أن الوصول من القريشة الى دوكة إذا كان الطريق مسفلتاً لا يستغرق عشر دقائق إلا أن المواطنين في الخريف يعانون كثيراً، وربما استغرقت هذه المسافة القصيرة مسيرة يوم كامل، وكل هذه الطرق رغم فرحة المواطنين بها إلا أنها عبارة عن ردميات وليست مسفلتة، وهذه الفرحة توضح حجم المعاناة الحقيقية التي كانوا يتكبدونها في سبيل التحرك من منطقة إلى أخرى.

وهنا لابد من الإشارة إلى أن حدود محلية القريشة مع أثيوبيا تمتد على طول 150 كيلو مترا توجد بها أكثر من خمس وعشرين قرية، ورغم ذلك لا يوجد بها طريق مسفلت، والمحلية التي يوجد بها مليون فدان من أخصب الأراضي الزراعية بالقضارف يتجاوز عدد سكانها المائة وخمسين ألف نسمة ينحدرون من مختلف أنحاء السودان ما يؤكد أن هذه المحلية سقطت تماماً خلال الفترة الماضية عن أجندة حكومة القضارف ليس لعدم وجود طرق مسفلتة وحسب بل حتى إن الطرق الرابط بين القرى كانت مغلقة أو دعونا نقول لم تكن موجودة وأخيرًا فإن سلطات المحلية عملت على تحديدها ومساواتها مع الأرض عبر الآليات حتى يتمكن السكان من التحرك.

تأجيل المشروعات

وللتأكيد على التهميش الذي تتعرض له القريشة فإن مشاريع التنمية المخصصة للمحلية ظلت حكومة الولاية تعمل على تأجيل تنفيذها منذ العام 2014 وحتى الآن لم تر النور، وهذا ما أشار إليه مدير صندوق إعمار الشرق من قبل، وأوضح أنهم خصصوا الكثير من المشروعات للمحلية، ولكن على أرض الواقع لم يتم سوى السد ومحطة المياه التي لم تعمل، ومنها مستشفى القريشة الذي يعتبر الأكثر تردداً بالولاية، وفي اليوم الواحد يقابل الطبيب العمومي 350 مريضاً، وهذا جعل المحلية تطالب بإنشاء مستشفى إلا أنه لم تتم الاستجابة منذ سنوات، ويعتقد مواطنون أن المستشفى الذي تم تشييده في دوكة تم تحويله بعيداً عن محليتهم التي تبدو في أمس الحاجة لمستشفى لأن الذي سجلنا إليه زيارة يبدو في وضع بائس ويعاني من نقص في كل شيء، وتعجبنا من كونه يقدم خدماته لأكثر من مائة وخمسين ألف مواطن في محلية مترامية الأطراف تفتقر الى الطرق المسفلتة، والأدهى والأمر أن طبيبا واحداً هو الذي يوجد بالمستشفى.

والقريشة من ضمن أربع محليات حدودية مع إثيوبيا بجانب الفشقة، باسندا والقلابات الغربية، التي يفترض أن تحظى بتمييز إيجابي واهتمام متعاظم من الحكومة المركزية والولائية، إلا أن الواقع يقول بخلاف ذلك، فقد وقفنا على مدى التردي والتواضع على الأصعدة كافة وضعف البصمة الحكومية على صعيد الخدمات

تفاوت

تتفاوت قضايا قرى محلية القريشة، فالكثير منها وللمفارقة يعاني مواطنوها أشد المعاناة من عدم توفر مياه الشرب التي تشكل لهم هاجساً مؤرقاً ومزعجًا خاصة في الصيف مثل قرية سفاوا التي أرسلت المحلية فريقاً فنياً لدراسة الخط، وفي قرى أخرى لا يجد المواطنون غير الشرب من نهر عطبرة مباشرة رغم تلوثها والذي تسبب في ظهور الإسهالات المائية من قبل، وبالفعل حينما زرنا نهر العطبراوي وجدنا الماشية والإنسان يشربون من مورد واحد وفي قرية أخبرتنا طفلة أنهم يقطعون يومياً مسافة تتجاوز الاثنين كيلو متر لإحضار المياه من النهر، ولحل هذه المشكلة فإن المحلية تسعى لاستجلاب تانكر لتوزيع مياه الشرب لهذه القرى ، وأيضا تأهيل محطة مياه تعرضت بعض أجزائها للسرقة، وقد أحضرها صندوق إعمار الشرق وقيمتها سبعة ملايين جنيه، ولم يتم تشغيلها حتى الآن، وتوجد بالقرب من السد، ولكن هيئة مياه الشرب بالقضارف لم تعمل على تشغيلها وما تزال متوقفة ولم تتم الاستفادة منها، وقرى أخرى تفتقر الى الخدمات الصحية ولا يجد سكانها غير قطع المسافات الطويلة بحثاً عن الاستشفاء بالمستشفيات والمراكز الصحية، وقرى ثالثة تبدو فيها بيئة التعليم فقيرة إلى درجة أسهمت في تفشي ظاهرة التسرب لأن المدارس تبدو غير جاذبة للصغار ولا للمعلمين، وبدأت المحلية تهتم بالتعليم من خلال النفرة التي أطلقتها أخيراً.

0 صوت
التعليقات : تعليق
« إضافة تعليق »
اضافة تعليق
اسمك
ايميلك

/500
تعليقك
4 + 7 = أدخل الكود