أطماع مصرية أم مخاوف سودانية؟ الحريات الأربع... تكامل اقتصادي منقوص

عرض المادة
أطماع مصرية أم مخاوف سودانية؟ الحريات الأربع... تكامل اقتصادي منقوص
تاريخ الخبر 13-01-2018 | عدد الزوار 1421

الخرطوم: مروة كمال

منذ أكثر من 14عاماً ظلت الخرطوم تشكو تلكؤ القاهرة في تنفيذ اتفاقية الحريات الأربع التي تم توقيعها بين البلدين في أبريل 2004 والذي جاء امتداداً لعلاقات ذات طبيعة خاصة تجمع شطري وادي النيل، فسبقها الرئيسان السابقان (نميري) و(مبارك) في أكبر اتفاقية تكامل وقتها في الوطن العربي.

امتعاض الخرطوم واستيائها من تلكؤ القاهرة في تنفيذ الاتفاقية كان حبيس الاجتماعات والغرف المغلقة حتى وقت قريب، لكن اليوم ومع حالة الاحتقان السياسي بين البلدين أصبح الحديث مجاهرة بالتطبيق الكامل أو الإلغاء.

ورغم أن أكثر من 70% من بنود الاتفاقية الخاصة بحرية التملك والتنقل والعمل والإقامة، بهدف التوصل إلى تكامل اقتصادي بزيادة الاستثمارات والتبادل التجاري بين البلدين فإن كثير من المراقبين يرون أن ذلك يصب في مصلحة الدولة المصرية، بحسب خبراء في الاقتصاد إلا أن القاهرة تمادت وطلبت تعديلاً في بنود الاتفاقية حتى تطبقها على أرض الواقع، ليظل التطبيق الآن من جانب الخرطوم.

ويأخذ على هذه الاتفاقية تعنت الجانب المصري في استيراد المنتجات السودانية خاصة اللحوم، واشتراط وصول الماشية الحية من السودان إلى مصر، الأمر الذي احتج عليه أصحاب العمل واتحاد الغرف الصناعية باعتبار أن تصدير الماشية وعدم تصدير اللحوم المصنعة محلياً يفقد المنتج السوداني القيمة المضافة، فضلاً عن إمكانية عودة الماشة في شكل منتجات لحوم مرة أخرى للسودان بما يعود بالمنفعة أولاً وأخيراً للخزينة والاقتصاد المصري.

أما في ما يتعلق ببند التنقل بين مواطني البلدين فإن مصر ترغب في تعديل الاتفاقية لمنع دخول السودانيين إلى الأراضي المصرية للذين تتراوح أعمارهم بين (18 إلى 49) عاماً إلا بتأشيرة مسبقة بحجة التخوفات الأمنية، بينما كانت السلطات السودانية إلى وقت قريب جداً تسمح للمصريين من كافة الأعمار بالدخول إلى السودان دون تأشيرة.

ومن ضمن البنود التي أخذت حيزاً من الجدل في ذات الاتفاقية، قضية تملك الأراضي، إذ تطالب مصر بالتملك في السودان دون قيد أو شرط، حال رغبة المواطن المصري، بينما اشترطت "10" سنوات لتملك السوداني حكراً، وتهدف من وراء تلك الخطوة التأكد من تنفيذ استثمارات سودانية قوية في مصر.

ويبقى ميزان التبادل التجاري بين البلدين شاهداً على انتفاع القاهرة من هذه الاتفاقية دون الخرطوم، يظهر ذلك جلياً في واردات السلع المصرية "المواد البلاستيكية - أواني منزلية" وفي أغلبها سلع كمالية تنتج محلياً، مما يتسبب في جانب آخر من اغراق السوق بمنتجات مصرية ذات منافسة عالية، عانى منها المنتجون والمصنعون الوطنيون. إلى جانب المنتجات الزراعية والحيوانية، ولذلك بقي السودان صاحب النصيب الأكبر من الصادرات المصرية وتبقى السوق السودانية هي أكبر سوق لمصر في لدول حوض النيل بحصة 35.6% من إجمالي هذه الصادرات.

وتظهر الصورة أكثر وضوحاً في حجم التبادل التجاري إذ تبلغ قيمة الصادرات المصرية للسودان 56 مليون دولار مقابل 15 مليون دولار من الصادرات السودانية لمصر والتي معظمها مواد خام لا تمتاز بالقيمة المضافة من خلال الصناعة التحويلية.

ويقول الخبير الاقتصادي دكتور عبدالعظيم المهل لـ(الصيحة) إن المحصلة العامة للعلاقات السودانية المصرية تؤكد أن المصريين يستفيدون من السودان أكثر من استفادة السودان من مصر، ويتمثل ذلك في مياه النيل فالإيراد المحسوب لمياه النيل 83 مليار متر مكعب بينما الإيراد الفعلي حسب اتفاقية العام 1959م 110 مليار متر مكعب، مما يعني أن مصر تستفيد من حوالي 27 مليار متر مكعب من غير وجه حق. وبقيام سد النهضة ربما يستطيع السودان الاستفادة منها إضافة إلى أنه ومنذ اتفاقية مياه النيل الأولى 1929م فإن السودان يدين مصر سنوياً أكثر من 6 مليارات متر مكعب، وهذا الدين إلى الآن بدون أي مقابل، وفيما يتعلق بالحريات الأربع فإن السودانيين يحتلون المرتبة الثانية من السياح الذين يذهبون إلى مصر وفي الغالب ينفقون أكثر من الخليجيين وبالعملات الصعبة، إضافة إلى أن كثير من السودانيين المتواجدين بالخارج يملكون حسابات في البنوك المصرية بالعملات الحرة، جازماً بعدم استفادة السودان تجارياً مع مصر، خاصة فيما يتعلق في قطاع الثروة الحيوانية وبقية المنتجات السودانية التي تحصل عليها مصر بأسعار زهيدة وتقوم بإعادة تصديرها إلي دول أخرى بأسعار مرتفعة، وفي المقابل تصدر مصر للسودان سلعاً رديئة الجودة. وأيضاً الشركات المصرية العاملة في السودان تقوم بتحويل أرباحها إلى مصر في عدم وجود شركات سودانية في مصر. لافتاً إلى منافسة مصر للسودان عقب أن قام بإضافتها لمنظمة الكوميسا أصبح غير مستفيد من المنظمة.

وأفاد المحلل في الشؤون الدولية الدكتور الرشيد محمد إبراهيم لـ(الصيحة) أن الخلل في العلاقات السودانية المصرية على مستوى الأهداف والتوجهات، مشيراً إلى أن أي اتفاقيات بين البلدين ليس لديها معنى إذا كانت الأهداف بين الجانيبن غير صحيحة، لافتاً إلى أن المشكلة ليست في الحريات الأربع، وإنما في نظرة النظام المصري للتعامل مع السودان وغياب الرؤية الاستراتيجية من الجانب المصري، مبيناً أن الحريات الأربع تعني انسياب الحركة لمواطني البلدين وانسياب الموارد والاقتصاد والتجارة بين البلدين، وأضاف "إذا كانت القناعات السياسية غير مكتملة تولد قصوراً في الاستفادة من الحريات التي تصطدم بالارادة السياسية وطريق الحريات يكون في اتجاه واحد حسب رغبة المصريين الذين يريدونها عكس جريان النيل". وقال إن التوازن يخلق المصلحة السودانية، لجهة أن السودان لديه ما يقدمه لمصر على الصعيد التجاري والاقتصادي بما يمتلكه من موارد بعكس الجانب المصري، وأوضح أن المصريين يريدون أن تكون حركة التجارة ذات اتجاه واحد فقط وهذا خلل كبير جداً، ونوه إلى أن السودان ظل لوقت طويل جداً يجامل النظام المصري باعتبار المصلحة الاستراتيجية وعاطفة التاريخ، مؤكداً أن هذا الاعتقاد بات غير مجدٍ وقديم بواقع الحال، حتى أن الرأي العام السوداني أصبح متقدماً فيه عن الحكومة، وأقر بحوجة البلاد إلى إعادة النظر في المفاهيم الكلية لهذه العلاقات، جازماً بعدم وجود معنى للحريات الأربع في ظل غياب التفاهمات والإرادة السياسية، وقال إن مشكلة مصر مع السودان هي العمل من جانب واحد، لذلك لم تتجاوز العلاقات الثنائية بين مصر والسودان مرحلة العاطفة والتاريج إلى تفاهمات استراتيجية بعكس العلاقات بين السودان وإثيوبيا توجد بها لجان مشتركة، وكذلك تشاد. وهذه المرحلة لم يستطع السودان الوصول إليها مع مصر لجهة أن القاهرة نظرتها ضيقة ولا تؤمن بالجماعية والثنائية في العمل، بل تؤمن بمصالحها فقط، فمصر القديمة تضع نفسها حالياً في مواجهة أفريقيا الجديدة، وتجهل أن السودان مقبول أفريقياً. وأكد أن السودان كان جاداً وحريصاً على الاتفاقيات لجهة أن السودان يعي أن الخرطوم والقاهرة هما ضمن محيط استراتيجي أمني واقتصادي، عكس الجانب المصري الذي يعمل على الجانب الأمني الخاص به ولا يدعم الجانب السوداني، ونتج عنه اصطدام الحريات بالنظام المصري الذي لم يتعامل بها وكان السبب في فشل الحريات مما يصعب على السودان تعزيز قناعاته بها.

1 صوت
التعليقات : تعليق
« إضافة تعليق »
اضافة تعليق
اسمك
ايميلك

/500
تعليقك
3 + 7 = أدخل الكود