الصحفي المخضرم محجوب محمد صالح في حوار التوثيق لـ(الصيحة) 1-2

عرض المادة
الصحفي المخضرم محجوب محمد صالح في حوار التوثيق لـ(الصيحة) 1-2
تاريخ الخبر 13-01-2018 | عدد الزوار 3476

بعد قيام ثورة 1929 حدث كبت عنيف للمثقفين مما جعلهم ينسحبون

مؤتمر الخريجين نظَّم أنشطة قصد منها ألا تثير حفيظة البريطانيين

صدقي باشا قال للمصريين: (جئتكم بالسيادة على السودان)

لهذه الأسباب (...) تخلى الاتحاديون عن فكرة الاتحاد مع مصر

المستعمر أخطر مؤتمر الخريجين بأنه غير مؤهَّل للحديث السياسي

لهذه الأسباب انتقلت مجلة "الفجر" من العمل الثقافي إلى السياسي

الحديث مع الصحفي المعتَّق محجوب محمد صالح جميل جداً، فهو إضافة لكونه شاهد على العصر – خاصة فيما يخص ذكرى الاستقلال – فهو ينقل لك الوقائع عارية دون مواربة أو تجميل، ويفصلها لك على مقاسك تماماً، إذ تجد نفسك داخل مشاهد حية وكأنك تجلس أمام فيلم تصويري، فتجد داخل الفيلم أن الأجواء كانت مشحونة بالتوترات، الاستقطابات الحزبية، الحالة العامة، والقراءات التحليلية لكل حدث على حدة، فكيف هذا إذا كان هذا الفيلم يحتوي على مشاهد من تاريخ بلادنا المعاصر، كما تحدث عن خفايا وأسرار الاستقلال، وما دار في كواليس المطبخ السياسي العالمي.. وذكر الكثير المثير الذي تجده في ثنايا الحوار

حاورته: نجاة إدريس إسماعيل

*برزت العديد من الحركات السرية التي نادت بإنهاء الحكم الثنائي ومنها جمعية الاتحاد السوداني لحث المواطنين على المقاومة.. كيف تفاعل المواطنون مع هذه الحركات؟

-أول الحركات السرية قامت عام 1919م بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى، وقد قامت الحركات السرية وسط مجتمع المثقفين والأوساط المتحررة وهولاء انسحبوا عند المواجهة نتيجة للحصار الشديد الذي مورس عليهم، ثم انطلقوا إلى الأحياء عبر الجمعيات الأدبية، وانتهت الحركات السرية مع قيام حركة اللواء الأبيض في عام 1924م، وبعد قيام ثورة 1924 حدث كبت عنيف للمثقفين ما جعلهم ينسحبون، وآثروا أن ينسحبوا إلى الأحياء ليعملوا عملاً أدبياً فقط وهذه المرحلة استمرت حتى الثلاثينيات .

*ماذا حدث بعد ذلك؟

في بداية الثلاثينيات كان لابد للنشاط الثقافي والفكري أن يخرج للسطح من خلال جمعيات أبوروف والهاشماب وودمدني وغيرها، وفي هذا الوقت كان أن خرجت صحيفة "النهضة" لعباس أبو الريش لتنقل الفكر والثقافة، وكان هذا العمل بمثابة إرهاص بقدوم العمل السياسي، ولكن الصحيفة لم تعمر طويلاً؛ لأن صاحبها كان مريضاً وتوفي، ثم جاءت بعدها مجلة "الفجر" والتي كانت أقوى من تلك؛ لأنها طرقت مواضيع قوية، وصدرت مجلة الفجر في عام 1934م أصدرها عرفات محمد عبد الله، وكانت تعبر عن وجهة نظر جمعية الهاشماب الثقافية.

*وهل تخصصت مجلة "الفجر" في الثقافي فقط؟

- بدأت المجلة بداية ثقافية، ولكن حدثت متغيرات بالسودان حيث تغير الموقف الأمني بأوربا فحدثت النازية والفاشية في ألمانيا وإيطاليا وخشيت بريطانيا أن تقود هذه المتغيرات لحروب، وخافت أن تقوم الحرب وأن يكون ظهرها مكشوفاً بالشرق الأوسط خاصة فيما يختص حول النزاع مع مصر وبالتالي مع السودان، فغيرت طريقتها في محاصرة المتعلمين لتبدأ سياستها الجديدة، وجاء الحاكم الجديد ليسمح بقدر من الحرية للمتعلمين في محاولة للوصول إلى تفاهمات معهم، وقد أخرج مذكرات تفيد بذلك وأبدى استعداداً بأن يسمح بقدر من الحرية، وهذا ما جعل مجلة "الفجر" تنتقل من العمل الثقافي والاجتماعي لتنخرط في العمل السياسي، وفي المرحلة الثانية نشرت فيها مقالات تتحدث عن مستقبل السودان وتحرره كما تتحدث عن أبجديات العمل السياسي.

*ما هي النتائج التي ترتب عليها هذا التغيير؟

ترتب على هذه النهضة السياسية أن قام مؤتمر الخريجين والذي جاءت فكرته من اقتراح قدمه أحمد خير في جمعية ود مدني الثقافية والذي نادى بقيام مؤتمر للخريجين، وفي هذا الوقت كان أن تفاوض البريطانيون والمصريون في عام 1936 حول قضيتين هامتين، وهما الوجود العسكري البريطاني بمصر و- مصر كانت تطالب وقتها بالجلاء - والقضية الأخرى هي قضية السودان والتي كانت تطالب مصر بأن يتوحد معها، وفي هذه الاتفافية نصت اتفاقية الحكم الثنائي على أن تستمر - اتفاقية الحكم الثنائي والتي وقعتها بريطانيا ومصر - سارية المفعول على السودان، وأن تحاول الحكومة جهدها لرفاهية السودانيين، وكان أن قدم أحمد خير مذكرة يقول فيها إن هذا الأمر حدث لأننا كنا غير موجودين، وليس من حق الدولتين أن تبحثا مصيرنا في غيابنا ورأى ضرورة قيام جسم سوداني للحديث باسم السودانيين واقترح تكوين مؤتمر الخريجين.

*إذن أحمد خير المحامي كان أول من فكر في لم شمل السودانيين عبر مؤتمر الخريجين؟

- نعم وبعد محاضرته هذه كان قد انتقل حديثه للخرطوم وتصدى له نادي الخريجين بأمدرمان والذي كان سكرتيره إسماعيل الأزهري، وأقام الأزهري ندوات عديدة لمدة شهرين أو ثلاثة لمناقشة فكرة إنشاء مؤتمر للخريجين ينخرط فيه كل من تخرج من المدرسة بعد الأولية، أي كل من تخرج من المرحلة الوسطى أو كلية غردون أو ما يناسبها من المعهد العلمي أو الدراسات الدينية، ودعوا لاجتماع هام للخريجين وعندها تنادوا من جميع مدن السودان وكونوا في فبراير من عام 1938م بداية لمؤتمر الخريجين، وبدأوا بنشاطات اجتماعية فأقاموا يوم التعليم، ويوم الرياضة ويوم القرية ونظموا حملات محو الأمية وجميعها كانت أنشطة قصد منها ألا تثير حفيظة البريطانيين.

*لماذا أرجأوا مرحلة الانتقال للسياسة لمرحلة لاحقة بالرغم من الانفتاح البريطاني الذي ذكرته؟

-هذا لأن مؤتمر الخريجين كان في ذلك الوقت ينظم صفوفه ، ففي 1939 كان ينظم نفسه واستمر في التنظيم ذلك حتى عامي 1940- 1941 كان مشغولاً بالعمل الاجتماعي، وفي أبريل 1942م، قدم مذكرة كانت طبيعتها سياسية، وقد تضمنت 12 مطلباً للشعب السوداني وكان أهم مطالبها أن يمنح السودان حق تقرير المصير وتضمنت المذكرة حديثاً عن جنوب السودان وإلغاء قانون المناطق المقفولة وأن يتم توحيد المنهج التعليمي بين الشمال والجنوب وتعمير مشروع الجزيرة وكل هذه الأشياء كانت قضايا أساسية.

*وهل أجازت الحكومة البريطانية هذه المذكرة؟

-لا.. الحكومة البريطانية رفضت مذكرة الخريجين وأرجعتها إليهم وأنذرتهم بحل كيانهم الذي بات يعمل بالسياسة وأخبرتهم بأنهم غير مؤهلين للحديث السياسي وحدث توتر بينهما وتم تبادل خطابات بين حكومة الحكم الثنائي ومؤتمر الخريجين ولكن الأخير أصر على موقفه.

*ألم تأت مراجعات لهذا الموقف التعسفي تجاه مؤتمر الخريجين؟

نعم .. لاحقاً اعترف البريطانيون بخطل موقفهم وأقروا بأنهم بالغوا برد الفعل وأنهم ما كان عليهم أن يقابلوا المذكرة بهذه الحدة، ولكن البريطانيين وقتها كانوا قد تبنوا سياسة المواجهة وكان الوقت حراً، بعدها ظل مؤتمر الخريجين على حاله وظل التوتر سيد الموقف بين العلاقة بين المستعمر ومؤتمر الخريجين .

*وماذا حدث بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية؟

- في عام 1945 انتهت الحرب وانفجربعدها كل النشاط السياسي الذي كان مكبوتاً في شكل أحزاب، والتي أعلنت وجودها وتكونت منذ عام 1943 منابر داخل المؤتمر وعندما جاء عام 1945 كانت قد خرجت للعلن فخرج حزب الأمة وحزب الأشقاء وخرجت الأحزاب التي ارتبطت بالاتحاديين والتي كانت رؤيتها الاتحاد بين مصر والسودان مثل ذاك الحزب الذي كان اسمه "وحدة وادي النيل "، وهذه كانت الصورة عندما انتهت الحرب، وطلبت مصر من بريطانيا أن تدخل بمفاوضات معها بشأن الجلاء في مصر والسودان، والاتحاد بين السودان ومصر وتقرر أن تنعقد أول جولة مفاوضات، وكان ذلك في عام 1946 بالقاهرة.

*وماذا عن الموقف بالسودان إزاء تلك المستجدات؟

-الموقف بالسودان كان مختلفاً؛ لأنه عندما تم إمضاء اتفاقية 1936 لم يكن هناك حزب سوداني ولم يكن هناك مؤتمر للخريجين، ولم يكن هناك أي تنظيم سياسي معلن، والتنظيمات السرية - التي تحدثت عنها في السؤال الأول - بدأت في 1919م، وانتهت بثورة اللواء الأبيض، وهنا عندما تقررت المفاوضات في 1946م كانت قد قامت أحزاب بالفعل، وكونت هذه الأحزاب جبهات وأصبح حزب الأمة الحزب الرئيسي للجبهة الاستقلالية، والأشقاء أصبحوا الحزب الرئيسي لجبهة الكفاح السوداني، وكان غير الأحزاب هناك أفراد ناشطون، أما عن حزب الأمة فقد خرج من مؤتمر الخريجين منذ عام 1945؛ لأن الأشقاء أخذوا الأغلبية منه واستصدروا منه قراراً يؤيد وحدة وادي النيل، وحزب الأمة كان يؤيد قرار الاستقلال لذا انفصل منه، وقال إنه لن يعترف به، وفي عام 1946 استصدر حزب الأشقاء أمراً بأنه سيرسل وفداً للقاهرة ليكون على مقربة من المفاوضات أي بأنه لن يكون في المفاوضات، ولكنه يمكنه أن يؤثر على المتفاوضين، وفي هذه اللحظة أعلن حزب الأمة بأنه سيرسل وفداً ثانياً ليكون على مقربة من المتفاوضين، وليطالب بالاستقلال، وهنا كان الموقف بأن هناك وفدين سيذهبان للقاهرة أحدهما سيعبر عن الجبهة الاستقلالية، والآخر يمثل مؤتمر الخريجين أو جبهة الاتحاد مع مصر، المستقلون والحركة الطلابية وقفتاً كوفد واحد مطالبين بحق تقرير المصير وارداً حسم الموقف تماماً، وجاءت وفود من مدني وأم درمان ومن كلية غردون وذهبوا بمطالبهم هذه لمؤتمر الخريجين كما اتجهوا للجبهة الاستقلالية، في اللحظة الأخيرة تمكنوا من حسم هذا الخلاف بمشروع تحالف مع مصر وتحالف مع بريطانيا وكان هذا الحل بمثابة حل وسط ولكنه حل هش لأنه لا يشرح شيئاً بل يقول تحالف مع مصر تحالف مع بريطانيا ولم يكن يقرر كيف يكون نوع هذا الاتحاد، ولذلك فإن هذا الوفد الذي ذهب موحداً لم يظل على وحدته تلك لأكثر من شهرين ثم دبت فيه الخلافات ثم خرج حزب الوفد من الاستقلاليين .

*وكيف حل هذا الخلاف؟

-عندما احتدم الخلاف تعثرت المفاوضات المصرية، وفي مرحلة من المراحل انتقلت لبريطانيا وتغيرت الحكومة بالقاهرة وجاء سياسي مصري اسمه صدقي باشا، وكان رجلاً دكتاتوراً وضرب القوى السياسية المدنية بالقاهرة، فأخذ وفداً ليفاوض معه ببريطانيا وعندما قفل راجعاً قال إنه أقنع بريطانيا، وقد قبلت سيادة مصر على السودان، وقال في تصريح صحفي للمصريين "جئتكم بالسيادة على السودان"، وهذا أدى لانفجار في موقف الاستقلاليين، وجاء الأنصار بعصّيهم وحرابهم واصطدموا مع مؤتمر الخريجين، وحدثت مظاهرات وبريطانيا حوصرت من قبل السودانيين الذين كانوا مع الموقف الاستقلالي كحزب الأمة، وعندها نفت بريطانيا ما قاله صدقي ومع نفيها كان صدقي قد استقال، والحكومة التي جاءت بعده، ورفعت قضية الخلاف بين مصر وبريطانيا حول الجلاء من مصر والسودان إلى مجلس الأمن، نصح مجلس الأمن الاثنين بوقف المفاوضات، في ذلك الوقت كانت حكومة السودان قد ذهبت وحدها لتعمل تطورات دستورية، المعسكر الاتحادي أعلن رفضه لهذه التطورات الاتحادية وشكك في نوايا الإدارة البريطانية والتي تريد أن تطيل عمر الاستعمار وأن العمل تحتها لا يجدي سواء أكانت حكومة تشريعية أو حكماً ذاتياً محلياً فكله لا يفيد، وأن اقتراحها بعمل جمعية تشريعية ومجلس تنفيذي لن يكون مفيداً لمؤتمر الخريجين وللجبهة الاتحادية وعندها قبل حزب الأمة ووافقت الحكومة على القبول المبدئي وشكلت الحكومة لجنة برئاسة إداري بريطاني اسمه سادريبيكروكلفتهم بالتسليم وكتبت هذه اللجنة رؤيتها إزاء الحكم الذاتي أو التدرج نحو الحكم الذاتي، وفي أثناء كتابة هذه الرؤية إذا بالمصريين رجعوا يفاوضون البريطانيين في هذه القضية، وثانية تعثرت المفاوضات واختلفا فقامت حكومة الوفد التي جاءت بانتخابات ببريطانيا في عام 1950 بإلغاء اتفاقية الحكم الثنائي من جانبها، وكانت هذه الاتفاقية قد وقعت عليها مصر وبريطانيا ليفرضا علينا حكمهما، ومصر قالت إنها لن تعترف بها لأنها ألغتها، أما بريطانيا فقالت إن الاتفاقية الثنائية لن تلغى من جانب طرف واحد.

*وما موقف السودانيين من القضية؟

السودانيون قالوا إنهم يعترفون بهذا الإلغاء ونعتبره انتهى، واختلف الموقف ثانية، فالاتحاديون قالوا إنهم سيخاطبون الأمم المتحدة لتضع السودان تحت وصايتها، الاستقلاليون قالوا لابد أن يعلن استقلال السودان وفوراً، الأعضاء السودانيون الذين كانوا في لجنة ساديبيكر أغلبهم استقالوا، وقالوا إننا نعتبر أن الحكم الثنائي انتهى وسنرى طريقة ثانية لنكتب بها دستور السودان، لأن الحكم الثنائي انتهى، وفي هذه (الدربكة) أصبح الدستور مجمداً فأخذ الحاكم العام المسودة وأعطاها لخبير، وقال له صححها وراجعها وأرجعها إلينا، وهنا وقع انقلاب اللواء محمد نجيب في عام 1952م، فتغيرت الصورة تماماً لأن الأزمة التي قامت بين مصر والسودان كانت بسبب وحدة وادي النيل، وعندما جاء النظام الإنقلابي في مصر برئاسة محمد نجيب قالوا نحن نوافق على أن يخرج الجيش البريطاني والجيش المصري وأن يأخذ السودانيون فترة حكم ذاتي وبعدها يقررون مصيرهم، وهذا كان بمثابة تغيير دراماتيكي وتغيير شامل في الإستراتجية المصرية، وانسحب البساط من تحت بريطانيا التي كانت ترعى مقولة إن الحكم الذاتي لا يمكن أن يصل إليه البلدان اللذان يقعان تحت سيطرتها إلا بعد عشرين سنة أي في سنة 1966 وبعدهذا الأمر لم يكن لديها حجة باعتبار أنها كانت تعارض وحدة وادي النيل حتى تحمي السودانيين من التغول المصري، وهنا قالت مصر (إنها ما عايزة وخلي السودانيين يقرروا مصيرهم)، فأصبح موقفها ضعيفاً.

*هناك من يقول إنه كان يدور لغط في المطبخ العالمي بين قوى إقليمية وقوى دولية وإن واشنطن كانت تشمشم بأنفها في هذا الأمر مع لندن ..ما صحة هذا القول؟

- أمريكا كانت حريصة لأنها كانت تضع مشروعاً للدفاع عن الشرق الأوسط في إطار الحرب الباردة والمواجهة مع الاتحاد السوفيتي، وكانت تريد أن تجذب حلفاً أسمته حلف بغداد، وكان هذا الحلف يضم مصر والعراق وإيران وباكستان حتى يقفوا في وجه التمدد الدولي، وأمريكا كانت ضاغطة بريطانيا لصالح مصر لأن الأخيرة كانت رافضة هذا الحلف، ومصر كانت لها أهميتها بالنسبة لواشنطن، وكان الباكستانيون واالعراقيون موافقين على هذا الحلف، أما الضلع الثالث في هذا الحلف فلم يكن قابلاً، وكانت مصر كأنها تقول لواشنطن وتذكرها بأنها محتلة من بريطانيا، وأنها تريد الجلاء، فأصبحت أمريكا تضغط بريطانيا لتصل لتسوية مع مصر حتى ترضي مصر لتدخل معها في هذا الحلف، ولكن مصر تعثرت بجهة والموقف الجديد للحكومة الجديدة لم يكن ينادي بوحدة وادي النيل إضافة للضلع الثالث من القضية وهو موقف الأحزاب السودانية جميعها الاتحادية وحزب الأمة أصبحت تنادي بالاستقلال، ففي عام 1953 اتفقت مع المطالب المصرية بعمل تعديلات معينة تدخل على دستور استانلي بيكر والخاص بالتعديلات المصرية وتضم الفترة الانتقالية.

*حدثنا كيف تغير موقف الاتحاديين ليكون موقفهم مع استقلال السودان وهم الذين كانوا ينادون بالاتحاد مع مصر؟

-(اصبري سأشرح لك) الوضع تغير بعد الاتفاقية التي وقعها صلاح سالم في العاشر من يناير لسنة 1952 وقد أخذوها إلى بريطانيا وهم يقولون إننا - المصريون - مسنودون من الشعب السوداني ونحن تنازلنا عن وحدة وادي النيل والشعب السوداني يريد تعديل دستور استانلي بيكر، ورأينا أن تكون هناك فترة انتقالية لمدة ثلاث سنوات تنتهي بتقرير مصير ونحن ملتزمون بقبول النتيجة سلفاً أياً كانت وليس لبريطانيا حل إلا أن توقع اتفاقية في 12 مارس من العام 1953 تبدأ من أول يوم يبدأ فيه البرلمان وبعدها سيكون الجلاء للجالية البريطانية من السودان بالإضافة للقوات العسكرية وسيتم عمل سودنة للوظائف ليحل السودانيون محل البريطانيين، وبعد ذلك تقول حكومة الحكم الذاتي للدولتين إنني جاهزة لتقريرالمصير ثم تبدأ إجراءاتها الرسمية وبعدها جرت الانتخابات وبالطبع خاضها الحزب الوطني الاتحادي الذي تألف بالقاهرة في عام 1952 بمبادرة من محمد نجيب رئيس الجمهورية المصرية، وقد قام هذا الحزب على أساس وحدة وادي النيل واندمجت داخل الحزب كل الأحزاب الاتحادية الصغيرة وعلى رأسهم الأزهري ومحمد نورالدين وغيرهما.. وبعدها جرت الانتخابات في أول 1954 وتشكلت الحكومة الجديدة، وفي هذه الانتخابات كانت المرة الأولى والأخيرة التي تؤهل حزباً واحدًا تكون فيه أغلبية ليحكم السودان لأن كل الانتخابات اللاحقة كانت تتشكل منها حكومات ائتلافية يكون فيها أغلبية النواب؛ وذلك لأنه لم تكن هناك أغلبية لحزب معين، ولكن في هذه المرة كانت الأغلبية لحزب إسماعيل الأزهري، ومن اليوم الأول للحكومة شعر السودانيون بأن ملامح الاستعمار قد تلاشت، والجيوش الأجنبية خرجت، والمستعمرون الذين كانوا بالوظائف العليا خرجوا وأصبح السودانيون يديرون أجهزة الدولة، فبدأوا يتساءلون لماذا إذن نتحد مع مصر ما دمنا قد استقللنا بأنفسا فوحدتنا مع مصر كانت من أجل أن تساعدنا في نيل استقلالنا، وتحدثت الصحف بهذا الرأي حتى أصبح الأمر مشروع رأي عام، ثم حتى على مستوى الأحزاب الاتحادية التي راقت لهم الفكرة فأصبحوا يضغطون من الداخل إضافة لدور الصحف والندوات السياسية ليتم التخلي عن فكرة الاتحاد مع مصر.

0 صوت
التعليقات : تعليق
« إضافة تعليق »
اضافة تعليق
اسمك
ايميلك

/500
تعليقك
8 + 7 = أدخل الكود