بين المحبوب عبد السلام والناجي عبد الله!

عرض المادة
بين المحبوب عبد السلام والناجي عبد الله!
3015 زائر
08-01-2018

ضحكتُ كما توجعتُ عندما قرأتُ تلخيصاً لمداخلة للأستاذ المحبوب عبد السلام خلال ندوة محضورة، أبرزتها صحيفة (الأخبار) قال فيها (إن العقل الإنساني بإمكانه تجاوز القرآن الكريم )! وقال كذلك: (إن تجديد الفكر الإسلامي شأن إنساني وليس إسلامياً فحسب)! ثم مضى في (خواطره) ليقول: (المدارس السلفية انتهت في ليلة واحدة بينما الحركات الاسلامية ستأخذ أياماً معدودة وستندثر لأنها أحدثت خراباً في صورة الإسلام وأطروحته)، وأكد المحبوب، حسب الصحيفة ، أن أطروحة المرشد الأول للإخوان المسلمين بمصر (حسن البنا) استنفدت أغراضها في السودان)!

ما أثارني قول المحبوب الذي وصفته الصحيفة بدون أن تقول لنا لماذا ؟! وصفته - في زمن التصنيفات والتعريفات المجانية - بالمفكر الإسلامي ..قوله: إن الحركات الإسلامية ستأخذ أياماً ثم تندثر !

صدّقني أخي المحبوب أن تلك الحركات الإسلامية ستبقى إلى الأبد وستندثر أنت وأندثر أنا كما اندثر الشهيد البنا منشئ ومؤسس الحركة، لأن الناس، مهما علا شأنهم، يموتون بينما الأفكار لا تموت خاصة تلك التي ترضع - كما يقول شاعرنا الكتيابي - من ضرع السماء ومن معين الحي القيوم سبحانه وتعالى.

لم يُجب المحبوب عن السؤال وربما لم تفض الصحيفة في طرح رؤيته ومبررات (نبوءته): لماذا صمدت الحركات الإسلامية طوال العقود الماضية رغم أنف التنكيل والتقتيل الذي مارسه عليها الطواغيت منذ اغتيال المؤسس الأول وحتى اليوم، ولم تندثر، بل لماذا بعث استشهاد سيد قطب وإخوانه والتضييق على الحركة من قِبل الطواغيت، روحاً وحياة جديدة في مفاصلها تنبأ بها الرجل الربّاني وكأنه ينظر من وراء حُجُب الغيب ليقول قبل استشهاده الأسطوري (إن كلماتنا تظل عرائس من الشمع حتى إذا ما متنا في سبيلها دبّت فيها الروح وكُتبت لها الحياة)؟

ما تحركت الفكرة واشتعلت الصحوة واستوت شجرة وارفة الظلال لتصبح تيارًا عالميًا كاسحاً هو الذي يمسك بخطام الدعوة الاسلامية في كل أرجاء الدنيا إلا بعد أن اشتدت الوطأة عليها ورُويت بتلك الدماء الطاهرة، ومن الغريب أن يصبح بعض أبنائها معاول هدم وتشكيك في صلاحيتها لكل الأزمان عبر التجديد الذي يقدحه في شرايينها الصادقون من منتسبيها المنتشرين في كل العالم والذين ينافحون عنها ويعرضونها في أشكال وتجليات مختلفة تستجيب كل منها للتحديات المنصوبة أمام واقعها المختلف زماناً ومكاناً وفقاً لقُرب أو بُعد تلك المجتمعات من المثال الإسلامي المُجسّد في المرجعيات الأساسية من قرآن وسنة.

لذلك يخطئ من يحكم على الحركات الإسلامية المباركة من خلال أنموذج السودان، وينسى نماذج أخرى وضيئة في مصر وفلسطين وتركيا وتونس والمغرب، بل وفي الغرب الأمريكي والأوروبي وفي شتى أنحاء العالم مما يُعبّر عنه على سبيل المثال الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين بزعامة أحد أفذاذ الحركة (القرضاوي) ممن تلقوا من النبع الصافي الذي نهل منه المؤسس الأول والذي يُثبت أنها هي التي تقود حركة الإسلام في العالم أجمع.

قامت الحركة على وسطية جهادية متدرجة على منهاج الرسول الخاتم الذي ما خُيِّر بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثماً، فتعددت الاجتهادات بتعدّد التحديات الظرفية واستجابت لمطلوبات مجتمعاتها المحلية فاختلفت (نهضة) تونس في تدرجها عن جهاد (حماس) في فلسطين، وعن تدرج أردوغان نهوضًا من العلمانية المتوحشة الشبيهة بأيام الدعوة الأولى في مكة إلى علمانية أوربية مسالمة ثم تدرجاً نحو المثال وهكذا.

أود أن أسأل الأخ المحبوب: أي حركات يا رجل تلك التي أحدثت خراباً في صورة الإسلام؟ لو كنت تعني الحركة الإسلامية في السودان لربما أيّدتُك، فقد كانت التجربة مريرة شوّهها ذلك الصراع المحتدِم على السلطة، وخطأ استعجال قطف الثمار قبل نُضجها واتخاذ الوسيلة الخاطئة لبلوغ الهدف الكبير، أما تعميم الحكم على الجميع حتى على الحركات خارج السودان فهو الخطأ الأكبر والتحامُل المرَضي (بفتح الراء) الذي أخشى أن يكون مجرد انهزام مؤسف أراه يفِت في عضد بعض العناصر المتساقطة التي أضحت وبالاً على الدعوة تنتاشها بسهام صدئة وتقيم مساجد الضرار التي تسترضي بها المتربصين ابتغاء كسب ودّهم وتعوق في نفس الوقت مسيرة التعافي شأنها في ذلك شأن الراجعين عن نصرة الرسول صلى الله عليه وسلم في (معركة أحد) من الذين شنّ عليهم القرآن الكريم هجوماً ضارياً في آل عمران (الَّذِينَ قَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا قُلْ فَادْرَءُوا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ) .. بعض هؤلاء المتساقطين والمبدّلين للأسف ينسون أن معظم حياة الرسول الخاتم (من البداية وحتى عهد الحديبية في السنة السادسة للهجرة) كانت تحت قهر وسطوة قريش لكنهم يستعجلون بعد أن عجزوا عن بلوغ مطلوبات قيمة الصبر التي تحتاج إلى أولي العزم والحزم والثبات.

ينشر المحبوب هذا (الموال) من حين لآخر رغم تمدّد وسيادة فكر الحركة الإسلامية في العالم أجمع خاصة في محيطها الجغرافي الحيوي والذي تثبت من خلاله كل يوم أن من يُضيّقون عليها الخناق إنما يُضيّقونه على أنفسهم بالإصرار على الارتماء في حضن أعدائهم وأعدائها بالرغم من أنه لا حل لهم غير التصالُح معها كما تُثبت الأحداث اليوم في كل مكان.

أعجب هذه الأيام من جرأة كثير من بني علمان وأهل اليسار ممن يهرفون ويثرثرون بهرطقات عجفاء لن يتجاوز أثرها (حلاقيمهم) وينصبون أنفسهم حُكّاماً على التاريخ .. ماضيه بل حاضره ومستقبله، وعلى مسيرة حركة قدسية ربانية لم تقتلعها كل أسلحة الفتك والتآمر وبعيداً عن أولئك، أعجب أكثر أن يضم ذات الحزب الإسلامي (المؤتمر الشعبي) الناجي عبد الله والمحبوب عبد السلام وعمار السجاد الذين يفترض أنهم ينهلون من مرجعية واحدة!

أقول للأخ المحبوب .. حنانيك يا أخي فوالله العظيم لكأني أرى النصر محمولاً على أجنحة الروح الأمين لأولئك الصابرين في سجون السيسي وأشباهه من الطواغيت في كل مكان، رغم أنف المُثَرثرين بأحاديث التثبيط والتخذيل!

   طباعة 
1 صوت
التعليقات : تعليق
« إضافة تعليق »
اضافة تعليق
اسمك
ايميلك

/500
تعليقك
8 + 3 = أدخل الكود
روابط ذات صلة
روابط ذات صلة
المادة السابقة
المواد المتشابهة المادة التالية