صدق غندور وكذب سفهاء الاعلام المصري

عرض المادة
صدق غندور وكذب سفهاء الاعلام المصري
2989 زائر
02-01-2018

وأخيراً طفح الكيل وبلغ السيل الزبى والروح الحلقوم بقائد الدبلوماسية السودانية المشهود له بسعة الصدر وحسن التعبير واللباقة التي كثيراً ما تسعفه في الخروج من (المطبات) الصعبة التي يلجئه إليها منصبه القريب دوماً من مساقط الضوء فأخرج ما كتمه دهراً وقال: (مصر تفكر بطريقة: لا تجعل جارك يقوى)!

هي عبارة معلومة في عالم ساس يسوس القائم على العبارة المتداولة بكثافة باعتبارها من المسلمات المتفق عليها والتي تقول : (السياسة لعبة قذرة) لأنها لا تحتكم إلى القيم الأخلاقية ، ذلك أن الجار (عدو محتمل) Potential enemy وبالتالي فإنه قد يتضرر من جاره إذا أصبح ذلك الجار أقوى منه ومعلوم أن الحروب تشتعل في الغالب بين الدول المتجاورة التي كثيرًا ما تنشأ الخلافات بينها حول الحدود والموارد.

ما قاله غندور بات للأسف من القناعات الراسخة لدى غالبية أفراد الشعب السوداني بعد أن تسبب حكام مصر، بدون استثناء تقريباً، في ترسيخ هذه القناعة فبقدر ما ظل السودان يجزل العطاء لمصر ظلت أو قل ظل حكامها يقابلون الإحسان بالإساءة وليس أدل على ذلك من أن يكون السودان بالنسبة لمصر ملفاً أمنيا مزعجاً ينظر إليه بعين الريبة والتوجس حيث لا يتولى منصب السفير المصري في الخرطوم إلا رجال المخابرات!

يلزمني هنا أن أفرق بين الشعب المصري وحكوماته التي لا تضمر للسودان إلا الشر، فالشعب المصري في الغالب لا يحمل بغضاً للسودانيين، فقد شهد بذلك الكثير من السودانيين كما لمستُ ذلك من خلال معايشتي له إبان زياراتي المتكررة للقاهرة والإسكندرية لكن أكثر ما أخشاه أن تسهم التعبئة الإعلامية التي يقوم بها قصار النظر من الساسة والصحفيين في إحداث تباعد بين الشعبين ويومها لن تجد تلك النخب (الغبيانة) من تلوم إلا نفسها، فقد شهدنا ما تفعله مشاعر البغضاء من خلال ما حدث في جنوب السودان الذي ما انفصل إلا بعد أن زرعت الكراهية في نفوس أبنائه جراء السياسة الاستعمارية التي وحدت الجنوب مع الشمال سياسياً وفصلته ثقافياً وشعورياً الأمر الذي أفضى في النهاية إلى الانفصال ونخشى من تنامي روح العداء بين الشعبين السوداني والمصري جراء ما يقوم به أولئك السفهاء بما يسد آفاق التلاقي مستقبلاً ويحيل العلاقة إلى خصام واحتراب.

لا ينكر إلا مكابر عظمة مصر تاريخاً وجغرافياً ولن تلجئنا المشاعر السالبة التي نشأت بفعل التراشق الإعلامي مع سفهاء مصر إلى مغالطة الحقائق التاريخية الدامغة، فمصر أرض حضارة ضاربة في أعماق التاريخ، ويكفي ذكرها عدة مرات بالاسم في القرآن الكريم وفي التوراة والإنجيل بل إنها أرض الرسل والأنبياء من لدن إبراهيم الخليل ويعقوب ويوسف وموسى وعيسى عليهم السلام، كما أنها أرض عمرو بن العاص وصلاح الدين وقطز وغيرهم من العظماء.

مع إقرارنا بذلك كله مما ينبغي أن يجعلنا نفرق بين مصر الأرض والشعب وبين حكامها الذين ظلوا يتأرجحون بين صالح وطالح لا نملك غير أن نتحسر على مصر التي رُزئت بحكامها الحاليين بل منذ محمد علي باشا والذين خضعوا لمنطق السياسة الاستعمارية الأنانية المجردة من الأخلاق.

هل يجوز لي أن أقول إنها (لعنة) النيل التي ظلت تحكم السياسة المصرية تجاه السودان؟!

مصر هبة النيل كما قال الشاعر الإغريقي الشهير هوميروس من قديم، فالنيل هو الذي منح مصر الحياة كما منحها مكانتها التاريخية عبر القرون وبدونه هي مجرد صحراء جرداء حتى وإن أطلت على البحرين الأحمر والأبيض المتوسط، وكانت على امتداد الزمن ومنذ عهد الفراعنة مرتبطة بالسودان بل كانت قديماً موحدة مع السودان حيث شكل النيل حوله حضارة ودولة واحدة حكمت من السودان أحياناً ومن مصر في أحايين أخرى حيث لم تكن حدود الدولة القطرية التي فصلت الدولتين من بعضهما خلال القرنين الأخيرين موجودة في تلك الأزمنة الغابرة.

منح الاستعمار البريطاني مصر 54 مليار متر مكعب من مياه النيل بموجب اتفاقية عام 1959 وهي تساوي ثلاثة أضعاف ما منح للسودان الذي عجز منذ توقيع الاتفاقية عن استغلال حصته البالغة (18) مليار متر مكعب مما جعل الحصة الفائضة تتدفق في الأراضي المصرية ولا غرو أن تظل مصر أسيرة لهذا الواقع السوداني المتخلف عاملة على استبقائه باذلة الجهود في سبيل تعويق إقامة أي مشاريع ري من شأنها تمكين السودان من استغلال حصته المهدرة ولذلك لا غرو أن تغضب كلما قام سد أو خزان على النيل وأن تتصل بالدول والمؤسسات الراغبة في التمويل للحيلولة دون قيام تلك المشاريع، ولذلك فقد كانت مصر أكثر الدول سعادة بالعقوبات الأمريكية التي فُرضت على السودان طوال العقدين الماضيين لأنها عوّقت مسيرة التنمية في السودان وحدّت من تطوره في شتى المجالات بما في ذلك المجالان الزراعي الذي تشتد حاجته إلى المياه وكذلك الصناعي.

   طباعة 
2 صوت
التعليقات : تعليق
« إضافة تعليق »
اضافة تعليق
اسمك
ايميلك

/500
تعليقك
2 + 9 = أدخل الكود
روابط ذات صلة
روابط ذات صلة
المادة السابقة
المواد المتشابهة المادة التالية