المشهد من الاستقلال إلى الآن السودان .. 62 عاماً من التراجع

عرض المادة
المشهد من الاستقلال إلى الآن السودان .. 62 عاماً من التراجع
تاريخ الخبر 02-01-2018 | عدد الزوار 2335

الدستور و(الجنوب) والتنمية أبرز تحديات السودان

كل الحكومات فشلت في إيجاد حلول ناجعة للقضايا الثلاث

محور التنمية غاب تماماً بسبب صراع الزعامات السياسية

الخرطوم.. عبد الرؤوف طه

قبل إعلان استقلال السودان في العام 1956م مر المناخ السياسي بتعقيدات عدة وخاصة أن الأحزاب السياسيه وقتذاك كانت تعاني من الاصطفاف ما بين تقرير مصير السودان ونيل الاستقلال، وما بين الوحدة مع مصر وكان الاتحادي الديمقراطي والأمة يمثلان رأس رمح المواجهة في معركة الاصطفاف التي ظلت تتواصل ما بعد الاستقلال وواجهت حكومة ما بعد الاستقلال التي تزعمها الزعيم إسماعيل الأزهري ثلاثة تحديات رئيسية تتمثل في مسألة الدستور ومشكلة الجنوب والتنمية في بلاد كانت ترزح تحت وطأة الاستعمار لأكثر من 50 عاماً.

مشاكل مستعصية

عطفاً على المشاكل والتعقيدات أعلاه فإن الحكومة التي تلت الاستقلال فشلت في تحقيق حلول ناجعة للقضايا المذكورة بدليل وصول مجنزرات العسكر لكابينة الحكم في السودان بعد عامين من الاستقلال وهو ما عرف بانقلاب الفريق إبراهيم عبود في العام 1958م، فقضية الدستور ظل السودان يعمل بالدستور الإنجليزي المعدل لفترة ما بعد الاستقلال، بل مازال أهل السودان يعملون بالدساتير المعدلة، وفشلت النخب السياسية في التوافق على دستور دائم، بينما ظلت مشكلة الجنوب تمثل معضلة كبرى لحكومة ما بعد الاستقلال، بل لكل الحكومات الوطنية ولعبت القضية دوراً محورياً في الإطاحة بحكومة عبود عبر الانتفاضة الشعبية، بينما كان محور التنمية غائبة تماماً عن المشهد بسبب صراع الزعامات السياسية حول كرسي السلطة خاص بين الاتحاديين والأمة وإهمال الجوانب التنموية بصورة واضحة.

الوضع السياسي في السابق

بالإضافة للقضايا التي تهم الدولة في العام وقتذاك (1956)م، ثمة قضايا سياسية كانت حاضرة في تضاريس المشهد السياسي السوداني الخارج لتوه من براثن الاستعمار، فكانت الصراعات الأيدلوجية ما بين اليسار واليمين في أوج عظمتها بالإضافة للصراع بين الديمقراطيين والشموليين.. كان الحزب الاتحادي الديمقراطي في ذلك الوقت يتزعمه إسماعيل الأزهري أول رئيس وزراء لحكومة ما بعد الاستقلال، وكان يحظى برعاية ودعم من طائفية الختمية ومرشدها الشيخ علي الميرغني، الذي دخل في خلافات حادة مع إسماعيل الأزهري فاضطر الأخير للخروج من الحزب والحكومة معاً، بعد مضي ستة شهور من الاستقلال، وتكوين الحزب الوطني الاتحادي قبل أن تعود المياه لمجاريها بين القطبين الاتحاديين بمبادرات قيل إنها أتت من مصر.

ضفة المعارضة

في ضفة المعارضة، كان حزب الأمة بزعامة عبد الله بك خليل ورعاية ودعم عبد الرحمن المهدي يعارض الحكومة السودانية الأولى بعد الاستقلال بشدة وبعد الخلافات التي ضربت الحزب الاتحادي أتيحت الفرصة لعبد الله بك خليل للجلوس على مقعد رئيس الوزراء الذي ظل به حتى وصول الفريق عبود إلى الحكم. بالعودة لخلافات الحزبين في ذلك الوقت فإن محاورها الأساسية كان قبل استقلال السودان فتراكمت الخلافات وظلت متواصلة إلى ما بعد الاستقلال، فالشاهد أن شعار السودان للسودانيين الذي رفعه أنصار حزب الأمة القومي كان يمثل قضية خلافية كبرى مع الاتحادي الذي كان ينادي بالاتحاد مع مصر، المهم في الأمر أن تلك الخلافات بين أكبر الأحزاب السياسية في السودان ساهمت في تأخير عجلة التنمية ما بعد الاستقلال.

نظام الحكم

من المعروف أن ظلال المشهد السياسي دائماً ما تكون حاضرة في نظام أي حكم طبقاً لوثائق تاريخية فإن الأحزاب السودانية فشلت في التوافق على صيغة توافقية مشتركة حول نظام الحكم والدستور واستمر الخلاف لعدة سنوات في ذلك الوقت خاصة التعامل مع مشكلة الجنوب التي كانت حاضرة في المشهد السياسي خاصة وأن الجنوب كان تحت قانون المناطق المقفولة، ولعبت قضية الجنوب دوراً مهماً في الإطاحة بحكومة عبود.

حكومة الأزهري

تزعم إسماعيل الأزهري أول حكومة سودانية بعد الاستقلال كرئيس للوزراء باعتبار أن حزبه الاتحادي الديمقراطي قد حقق أكبر الأصوات في انتخابات 1953م، ولكن حكومته واجهت عدة مشاكل خاصة من داخل الحزب الحاكم الذي تعرض لانشقاق بعد مضي ستة أشهر على استلامه السلطة، فخرج الأزهري مكونًا الوطني الاتحادي بعد خلافه مع علي الميرغني وعلى إثر تلك الخلافات تولى حزب المعارضة (الأمة) الحكم فجاء بعبد الله بك خليل رئيساً للوزراء، رغم حدوث تقارب فجائي بين الأزهرى وعلي الميرغني توجس منه حزب الأمة خشيه أن يعود للحكم مرة أخرى، كل ذلك حدث في العام1956م.

الوضع الاقتصادي

كان الوضع الاقتصادي ما بعد الاستقلال يعتمد بشكل مباشر على الزراعة خاصة في مشروع الجزيرة الذي ظل داعمًا أوحد لخزينة الدولة السودانية الحديثة مع مساهمات طفيفة من الصمغ العربي وبعض المنح والهبات الخارجية، فكانت صادرات القطن تدر عوائد مادية ضخمة لخزينة الدولة، في المقابل كان الاقتصاد التقليدي من أبرز مظاهر الحياة مثل التجارة والزراعة التقليدية في عدد من أقاليم السودان مثل سنار والنيل الأزرق وكردفان، بالرغم من ذلك لم يكن الوضع الاقتصادي في أفضل حالاته، وكان الاقتصاد يعاني من هشاشة واضحة في ذاك الوقت.

ما أشبه الليلة بالبارحة

بإجراء مقارنة سريعة للأوضاع في السودان ما بين 1956م والعام 2017م، نجد أن ثمة متشابهات كبيرة لم تتغير وما زالت حاضرة باستثناء قليل من القضايا منها قضية الجنوب التي انتهت بالانفصال .

المعضلة المعجزة

لم يعرف السودانيون دستوراً دائماً يتحاكمون إليه منذ استقلال السودان وحتى العام 2017م، فظلت الدساتير الانتقالية ديدن كل الحكومات الوطنية التي مرت على السودان، بدليل أن السودان ما زال يحكم بما يعرف اصطلاحًا بدستور 2005 م الانتقالي، وهو الدستور الذي تم التوافق عليه ما بعد اتفاقية نيفاشا وما زال يعمل به حتى الآن، رغم انفصال الجنوب وأوصت مخرجات الحوار مؤخراً بوضع دستور دائم للسودان، بالتالي تظل مشكلة الدستور السوداني معضلة أشبه بالمعجزة التي لم تجد حلاً جذرياً منذ الاستقلال وحتى الحين.

مقاربات المشهد

المشهد السياسي الحالي لا يختلف كثيراً عن المشهد السياسي في العام 1956م الصراعات لا تزال باقية والاصطفاف بين المعارضة ظل عنوانًا بارزاً لكل المكونات السياسية منذ الاستقلال وحتى الحين.. ما بين البارحة واليوم تظل الانشقاقات العامل الأوحد في الطبيعة السياسية للأحزاب في أول عام بعد الاستقلال انشق الحزب الاتحادي الديمقراطي بزعامة الأزهري ومن ثم تكوين حزبه الوطني الاتحادي، في الوقت الحالي يعاني حزب الاستقلال (الاتحادي) من بكتيريا الانشقاقات التي كادت أن تقضي على الحزب الذي توزع إلى أشلاء من الأحزاب السياسية بلغت خمسة أحزاب أو أكثر تحمل ذات الاسم وذات العنوان مازالت طائفية الختمية التي كانت حاضرة في المشهد السياسي ما بعد الاستقلال موجوده في المشهد السياسي الراهن تغذّي الحزب الاتحادي الأصل بالعضوية والقيادات.

على صعيد حزب الأمة القومي الذي كان أكثر تماسكًا ما بعد الاستقلال بات الحزب اليوم يشكو الصراعات لدرجة الإدمان، فانقسم إلى عدة طوائف سياسية تحمل ذات العنوان، بينما يتمسك الإمام الصادق المهدي بلافتة حزب الأمة القومي، ومن المفارقات أن تكون مصر ملاذاً آمناً للصادق المهدي في الوقت الحالي في وقت كان يرفض فيه أجداده التقارب مع مصر، ما لم يكن موجودًا بصورة بارزة في ذاك الزمن هو سطوة الحزب الشيوعي والجبهة الإسلامية، فالشيوعي برز بشكل فاعل في الخارطة السياسية عقب انقلاب 1969م بقيادة العقيد جعفر نميري، بينما برزت الجبهة الإسلامية من خلال شخصيات محدودة في أكتوبر 1964م، مثل ظهور الراحل حسن الترابي وتحريض المتظاهرين على الثورة ضد عبود، الآن أصبح الشيوعي والحركة الإسلامية بمختلف تنظيماتها هما الأبرز في الساحة السياسية مقارنة بما حدث في العام 1956م .

الوضع الاقتصادي

ثمة اختلاف كبير في الوضع الاقتصادي ما بين العهدين في العام 1956م كانت الحكومة تعتمد على الزراعة فقط، بينما في العهد الحكومي الحالي تراجعت الزراعة الى أبعد المستويات وصارت نسيًا منسياً وباتت الحكومة تعتمد على صادرات الذهب، وقليل من صادرات البترول، أيضاً كانت الحكومة الوطنية التي تلت الاستقلال تعاني في جوانب التنمية، وهو نفس الأمر الذي ينطبق على الحكومة الحالية التي تعاني من التدهور الاقتصادي في كل الجوانب.

غياب عامل مهم

ظلت حكومة ما بعد الاستقلال التي تزعمها الأزهرى لستة شهور ثم خلفه عبد الله خليل تولي اهتماماً خاصاً بقضية الجنوب التي كانت من أكبر الإشكاليات التي تواجه الحكومة الوليدة، وفشلت الحكومة في إيجاد معالجة للقضية خاصة وأن تمرد توريت الأول في العام 1955م فاقم القضية ووضع تعقيدات كبرى أمام حلها بعد إصرار الجنوبيين على حمل السلاح، بعد ستين عاماً من الاستقلال استطاع الجنوب أن يقرر مصيره ويؤسس أهله دولة خاصة بهم، بيد أنه لا تزال القضية ترمي بظلال سالبة رغم الانفصال، فلم تسكت أصوات الرصاص في العهد الحالي خاصة في الولايات المتاخمة للجنوب مثل جنوب كردفان وجنوب النيل الأزرق.

0 صوت
التعليقات : تعليق
« إضافة تعليق »
اضافة تعليق
اسمك
ايميلك

/500
تعليقك
7 + 9 = أدخل الكود
روابط ذات صلة
روابط ذات صلة
المادة السابقة
المواد المتشابهة المادة التالية