الاستعمار الناعم

عرض المادة
الاستعمار الناعم
1817 زائر
01-01-2018

في مثل هذا اليوم قبل "62" عاماً انعتقنا من الاستعمار المادي، واستعصى علينا تحرير أنفسنا من الاستعمار المعنوي الحسي، ربما لأننا استسهلناه، أو ربما لأن النُخب السياسية التي حكمتنا بالقُداسة وظفته لمصالحها الشخصية فجعلت الشق الثاني من الاستعمار وسيلة للتخدير والاسترقاق بطريقة "ناعمة" لا تثير الغضب والحنق، ولا الثورة، لذلك سيظل الاستعمار المعنوي الحسي باقٍ فينا ولن نستطيع الانعتاق منه إلا إذا تحررنا من الظلم إلى رحاب تحقيق العدل والعدالة الاجتماعية ودافعنا عن المظلومين والمحرومين والمقهورين، ولن يحدث ذلك إلا إذا اصطففنا حول القانون وعظمناه وأعلينا قدره، ولن نستطيع الانعتاق من الاستعمار المعنوي إلا إذا تحررنا من الخوف والخنوع والرهبة من النُّخب السياسية التي تصادر حقوقنا وتسرق اللُقمة من أفواه صغارنا الجوعى، وتنزع جرعة الدواء المر من حلاقيم مرضانا، فهؤلاء يحتفلون بـ"الاستغلال"، ونحتفل بالاستقلال الذي نسعى لاستكمال حلقاته.... أقول النخب السياسية كلها على وجه العموم ولا أُسقط الأمر على نُخب اليوم وحدهم ولا الأمس وحدهم، فمعارض اليوم كان بالأمس حاكماً وسيُصبح غداً هو الحاكم باسم الدين، والأضرحة ويظلم ويصادر باسمهما وباسم الحق الإلهي، ويفعل كل خُلُقٍ قد نهى عنه اليوم كما هم حكام اليوم... إنها ذرية بعضها من بعض..

لن ننعتق من الاستعمار ونكون أحراراً إلا إذا شعرنا حقاً وصدقاً بحب الانتماء لهذا التراب الذي ارتوى بدماء شهدائنا الأوائل الذين اختلطت دماؤهم بماء البحر فأحالتها إلى كرات بلون الشفق ورائحة النضال... ولن نكون أحراراً إلا إذا كنا يداً واحدة وصفاً واحداً في وجه أعدائنا، وأكثر إدراكاً للفرق بين معارضة الوطن ومعارضة نظام حاكم قد يذهب اليوم أو غداً... ولن ننعتق من الاستعمار إلا كنا يداً واحدةً وصفاً واحداً في خندق المواجهة ضد جهابذة الفساد وإمبراطورياته وأباطرته الكبار، وضد أعداء أمتنا من الذين يبددون ثرواتها ومواردها الاقتصادية، وينهبون أموالنا العامة ويثرون ثراء فاحشاً.

التحرر من ربقة الاستعمار المادي ليس كافياً لبناء أمجاد الأمة، وليس كافياً لبناء مشروع السودان النهضوي، إذ لابد من التحرر من الجوع والمرض والفقر، وإذا لم يحدث ذلك سنظل "عبيداً" لهذا الثلاثي القاتل المدمر الذي ما حاق بأمة إلا سامها الذل والهوان، ووضعها لقمة سائغة أمام الانتهازيين والنفعيين والوصوليين من أولئك الذين لا تهمهم إلا مصالحهم الشخصية ومنافعهم الذاتية.

لن ننال استقلالنا الكامل بحق إلا إذا حررنا إرادتنا وحصّناها ضد التزوير.. وتزوير الإرادة هو استعمار آخر تمارسه علينا النخب السياسية وتوظفه لمصالحها... وأخيراً لن ننال الاستقلال الكامل إلا إذا حررنا عقولنا من أنماط التفكير التقليدي وإدمان القوالب الجاهزة التي وُضعت لتأطير تفكيرنا حتى لا نفكر خارج الصندوق... الصندوق الذي هو الفضاء المملوك لأسيادنا من النخب...

ليس صعباً أن نتحرر من الظلم والفساد و"الخم" والانقياد للانتهازيين، فذاك أهون من إقامة احتفال بـ"رأس السنة" في الساحة الخضراء..... اللهم هذا قسمي فيما أملك..

نبضة أخيرة:

ضع نفسك دائماً في الموضع الذي تحب أن يراك فيه الله، وثق أنه يراك في كل حين.

   طباعة 
0 صوت
التعليقات : تعليق
« إضافة تعليق »
اضافة تعليق
اسمك
ايميلك

/500
تعليقك
9 + 3 = أدخل الكود
روابط ذات صلة
روابط ذات صلة
المادة السابقة
المواد المتشابهة المادة التالية
جديد المواد
جديد المواد
جازالمزارعين - أحمد يوسف التاي
الأمراء - أحمد يوسف التاي
الحقُّ أحقُّ أن يُتَّبعَ - أحمد يوسف التاي
سوء الطالع - أحمد يوسف التاي