الاستقلال .. من الذي استعجل الخروج؟ سياسي: الإجلاء تم برغبة بريطانيا بعد إبرام اتفاق حق تقرير المصير

عرض المادة
الاستقلال .. من الذي استعجل الخروج؟ سياسي: الإجلاء تم برغبة بريطانيا بعد إبرام اتفاق حق تقرير المصير
تاريخ الخبر 01-01-2018 | عدد الزوار 1990

باحث : وجود الإنجليز كان سداً منيعاً لأطماع مصر في موارد البلاد

شمو: خروج المستعمر لم يكن (بكيفو) وكانت هناك اعتقالات

مواطن: نال السودان استقلاله مبكراً لكنه متخلف في كل شيء

الخرطوم: إنتصار فضل الله

ربما حالة الملل التي أصابته بسبب ملاحقة المركبات دون فائدة .. هي ما جعلته يقف حائراً ويتحسر على أيام زمان، فدون الشعور وتداعيات اللحظة أطلقها بملء الفم .. يا حليل زمن الإنجليز، ثم شرد بعيداً بفكره.. استدعت هذه الجملة التي أيدها البعض في مخيلتي حديث العم (أزرق) وهو قيادي بارز أيام الاستعمار وكان الشخص الوحيد الذي أعلن عن رفضه لذهاب (البريطانيين) من البلاد وعدم الاستعجال بالخروج، كما كان يطالب بإبقائهم لمدة عشرين سنة قادمة فبحسب نظريته أن وجودهم سوف يضيف الكثير، غير أن الأحداث والوقائع هزمت أحلامه وآماله في البقاء أو التأني في التنفيذ.

تباين واختلاف

الحديث عن وجود المستعمر بالبلاد يأخذنا إلى فتح العديد من الملفات الساخنة والمواقف التاريخية العظيمة والجهود التي بذلت وكان نتاجها أن نعيش أحراراً، فقد فرضت الساحة سؤالاً مهما حول خروج البريطانيين .. هل كان فيه نوع من الاستعجال . أم إنه جاء في الوقت الذي كتب لهم فيه الذهاب .. اختلفت الإجابات وتباينت، وانقسمت النظريات إلى قسمين فالبعض يعتقد أن البقاء لفترة زمنية أخرى كان سيؤدي إلى مكاسب تصب في مصلحة البلاد، وبحسب نظرية الخروج المبكر للمستعمر صاحب أمنياتهم مخاوف من صعوبة نيل التحرير .. فيما يرى آخرون أن المستعمر أخذ فترة كافية بالبلاد، وأن بقاءه لفترات أخرى كان سيوسع دائرة المناطق المغلقة في البلاد ويكفي أنه ذهب بوجهه القبيح .

حالة استغراب

وبالعودة إلى المواطن (أحمد) الذي أرهقته الحياة ومتطلباتها فقد نطق جملته بشكل جاد، متحسراً على الوضع الراهن، قابلها عدد من المواطنين الواقفين بالقرب منه بالاستغراب والتعجب، والبعض الآخر منهم رسم ابتسامة قصيرة على وجهه غير مفهومة القصد، وقبل أن يضيف كلمة أخرى تساءل المواطن (ياسر عابدين) هل يتمنى أحد زمن الاستعمار؟ .. في وقت تستقبل فيه البلاد شروق شمس يوم مع مولد عام جديد يحمل في طياته فرحة كبيرة بذكرى تحرير البلاد من قبضة المستعمر، ثم التفت إلى (أحمد) وطلب منه التحلي بالصبر والرضا بالمقسوم، لكنه اعتبر أن السودان الدولة الوحيدة التي نالت استقلالها مبكراً لكنها متأخرة في كل شيء، بالعكس الدول التي استغلت بعدها وتشهد اليوم نهضة في كافة القطاعات

أبعاد ومفاهيم

لا شك في أن هناك أسباب عديدة دفعت بريطانيا للتفكير في الدخول إلى السودان، كما يقول الباحث في التاريخ (حمد النيل عبد القادر حمد النيل) والذي ربط الإجابة على السؤال الذي طرحته (الصيحة) حول الذي استعجل الاستقلال، بضرورة التعرف على الأسباب التي قادت إلى دخول الإنجليز البلاد في الوقت الذي كانوا يحتلون فيه مصر، وأشار إلى أن التاريخ السياسي بالسودان مليء بالوقائع المثبتة التي تؤكد أنه لم يكن هنالك استعجال في الخروج، فبريطانيا جاءت لظروف معينة ومصالح في كل المنطقة، وكانت الدولة العثمانية همها الأول والأخير، وللمحافظة على مستعمراتها كان لابد من التوغل داخل أراضي السودان التي كان يحكمها المصريون، من أجل سد كل النفاجات التي تسمح بتعدي دولة أخرى على ممتلكات وموارد البلاد، الأمر الذي سيهدد مصالحها ووجودها في المنطقة، فبالتالي فإن الوجد البريطاني كان الهدف منه المحافظة على المستعمرات الأخرى في مصر التي كان الهدف من وجودها في السودان للحصول على الموارد ومياه النيل.

سد وحماية

بالتأكيد أن دخول الدولتين إلى السودان كان وفقاً لمفاهيم مختلفة تماماً كما يشير (حمد النيل)، ووصف الاتفاق الثنائي الذي تم بين مصر وبريطانيا في ذلك الوقت بأغرب حكم في تاريخ العالم، نسبة لأن البريطانيين دخلوا باسم الحكومة المصرية، ومن ثم تغيرت مواقفهم وبدأوا في البحث عن مصالحهم داخل السودان، ويضيف أن الوجود الإنجليزي كان بمثابة سد مانع ساهم في حماية السودان من المصريين وحافظ على الحدود كافة، وبفضلهم انفتحت البلاد في مجالات التعليم والإدارة والعلم وأصبحت ضمن الدول المتقدمة، بالتالي فإن الخروج لم يأت نتيجة استعجال وإنما فرضته مفاوضات واتفاقيات، تمت بعد قيام الحرب العالمية الثانية بين بريطانيا والدول المستعمرة، فقد كان رهن المستعمر إعطاء حق تقرير المصير لأي دولة بالمشاركة والوقوف معهم في الحرب، هذا القرار فتح أعين السياسيين في السودان وهنا نشأت الحركة الوطنية والأحزاب والتي انقسمت إلى اثنين، البعض منهم فضل الوحدة مع مصر وآخرون سعوا لنيل الاستغلال .

صراع على الموارد

الانشقاقات والخلافات التي نشبت بين الحركات والأحزاب السودانية أدت إلى صراع طويل وما زال الحديث لـ (حمد النيل) الذي قال: تزامن ذلك مع افتقار السودان لرؤية واضحة لمستقبل البلاد، فكان الصراع حول السلطة فقط للوصول إلى الموارد، بالتالي فإن خروج بريطانيا جاء لتغيير الظروف إلى قادتهم للدخول تغيرت بالكامل، وفي نفس الوقت كانوا يرفضون سيطرة مصر على السودان، فبالتالي كان منح تقرير المصير هو الحل الأنسب لإغلاق كافة الأبواب، وفي سياق قريب من الحديث الذي ذكر آنفاً يقول دكتور (حسن عابدين) الخبير السياسي إن الحركة الوطنية هي التي استعجلت وطالبت بالاستقلال وحق تقرير المصير، وذلك مع بداية الحرب العالمية الثانية، ويضيف: لم يكن إجلاء البريطانيين بالأمر الهين فقد سبقته مفاوضات مشتركة بين (مصر ـ السودان ـ بريطانيا) التي كانت عملياً مسيطرة على الوضع في السودان بشكل كامل .

رغبة بريطانيا

ويضيف: توصلت الأطراف الثلاثة إلى اتفاق موحد في اتفاقية الحكم الذاتي وهو أن يعلن الاستقلال في يناير (1956م ) ـ وذلك جاء بناء على رغبة البريطانيين في منح القيادات السودانية فرصة الاعتماد على أنفسهم وإدارة الحكم ووضع خطة لمستقبل البلاد، ووصف هذه الخطوة بالجيدة وأنها أكدت على مقدرة القادة والسياسيين في ذلك الوقت على كيفية إدارة الملفات السياسية وغيرها من الأعمال التي ساهمت في إجلاء المستعمر بقناعاته، ويشير إلى أن البريطانيين كان من الممكن أن يضيفوا إلى البلاد الكثير من الخدمات في حال امتدت فترة بقائهم ولو لمدة عشر سنوات أخرى .

تدريب مستمر

وأشار د.(حسن) في كتابه (سودانيون وإنجليز) إلى دور البريطانيين في وضع البنيات الأساسية للتعليم وقطاع النقل، وإنجازاتهم في المشاريع الزراعية كمشروع الجزيرة، إلى جانب تمتين العلاقات الإنسانية بينهم وبين السودانيين، بينما يقول بروفيسور (صلاح حماد) وهو أحد الشخصيات التي عاصرت ذلك الوقت، لم يكن هناك استعجال لخروج المستعمر من البلاد، نسبة لأن الأحزاب السياسية التي نشأت منذ ثلاثينيات القرن الماضي قاموا بالكثير من الجهود التي ساقت العملية وأدت إلى التحرير من قبضة المستعمر، وأضاف أن العملية لم تكن بالأمر الساهل في ظل وجود حكم ثنائي، مشيراً إلى أن تبعية السودان لوزارة الخارجية البريطانية، ساهم في منح فرص التدريب على الحكم والديمقراطية، خاصة أن أغلب السودانيين كانوا خريجين الأمر الذي سرب إحساس الاطمئنان داخل نفوس المستعمر على مستقبل البلاد.

بطء الخروج

واتفق السفير (بابكر علي عبد الكريم ) المحاضر في المركز القومي للدراسات الدبلوماسية مع الحديث السابق الذي أشار إليه بروف (صلاح)، فبحسب إفادته لم يستعجل المستعمر على الخروج من السودان، ودلل على ذلك بمطالب القوى السياسية المتكررة على منحها حق تقرير المصير، وذلك من خلال رفع مذكرة ممهورة بالدم الى الحاكم العام الذي يدخل عليهم بعد كل سبعة عشر يوماً، وأشار إلى دور المستعمر في تدريب أبناء الوطن على الاستقلال والاعتماد على أنفسهم، وذلك من خلال إنشاء بعض المؤسسات السياسية للتدريب على الحكم كالمجلس الاستشاري لشمال السودان، ولفت إلى أن أولى خطوات الاستقلال بدأت بتوحيد الأحزاب السياسية الاتحادية في أواخر عام (1952م)، بالإضافة إلى اتفاق جميع الأحزاب مع المصريين على رأي موحد لمواجهة الإنجليز، كما اتفقوا على الحلول التي وردت في المذكرة المصرية والتي تتعلق بجنوب السودان ولجنة الحاكم العام، والانتخابات المباشرة وغير المباشرة والجلاء وفقًا لاتفاقية فبراير (1953م) بالقاهرة، وكونت بموجب ذلك الاتفاق لجنة الحاكم العام ولجنة أخرى للإشراف على الانتخابات ولجنة ثالثة للسودنة.

إجراء انتخابات

بالتالي، فقد كونت السلطة التشريعية للسودان من الحاكم العام ومجلسي الشيوخ والنواب، واستمرت الهيئة القضائية في ممارسة اختصاصاتها كما كانت في الماضي، واكتسح الانتخابات التي أجريت الاتحاديين الذين فازوا بمقعد مجلس النواب، بينما فاز حزب الأمة بمقاعد مجلس الشيوخ، وحصل حزب الأحرار الجنوبي على تسعة مقاعد في مجلس النواب وثلاثة مقاعد في مجالس أخرى، وحصل الحزب الجمهوري على ثلاثة مقاعد في مجلس النواب فقط وفي السادس من يناير في العام (1954) انتخب الأزهري كأول رئيس لمجلس الوزراء وعليه بدأت التجهيزات لإعلان السودان دولة مستقلة في العام (1956) بعد قناعة البريطانيين بعدم وجود مصالح تستدعي بقاءهم في السودان، والجهود التي بذلها أبناء الشعب للمحافظة على الوطن .

اتفاق مالطا

ويرى البروف (علي محمد شمو) السؤال حول استعجال المستعمر للخروج من البلاد بالافتراضي، ويقول إن العشر سنوات التي جاءت بعد إجلاء الإنجليز كانت ممتازة بحسب وصفه، ولم تكن هناك مشاكل في الإدارات أو غيرها، ويضيف لم يخرج الإنجليز (بكيفهم) فقد كان هناك اتفاق مالطا الذي ورد في مذكرة الخريجين وهو متعلق بالوعد الذي قطعه الإنجليز (بأن أي من الدول المستعمرة تقف معهم في الحرب سوف تنال حق تقرير المصير)، والذي على أساسه خرج الإنجليز والدول الحلفاء وحتى هذا الخروج صاحبته مظاهرات واعتقالات وسط أبناء الشعب.

خروج طوعي

بالرغم من أن الاستقلال جاء نتيجة لتراكم حركات شعبية ونخب، إلا أنه أتى بشكل طوعي إثر الخلاف الناشب بين مصر وبريطانيا (دولتا الاستعمار) في راهن ومشهد سياسي يدار بواسطة البيوت الدينية والطائفية ومواليهم من النخب السياسية كما يفيد الخبير الإعلامي (سعد الدين محمد) الذي يشير إلى أن قضية الوطن لم تكن من أولوياتهم مع سيطرة البيوت الدينية على عقلية الناس ومع الجهل المتفشي ومنع الناس من التعليم بحجج دينية والروح العدائي تجاه القوى التقدمية والديمقراطية، وهذا ما خلقه الاستعمار بوجهه القبيح ليبقى الاستعمار بشكل جديد وهو ما قاد إلى أن تكون البلاد دون أثر للاستقلال الحقيقي فضلاً عن سياسة المناطق المقفولة في جنوب وغرب البلاد وغيرها التي زرعها الاستعمار والتي تعيش البلاد أزمتها السياسية والاقتصادية حتى تاريخ اليوم.

استعجال محلي

واصفاً العقليات التي تقول إن خروج المستعمر كان عاجلاً بعقلية القطيع الذي يردد ما أراده له أصحاب المصالح، بالتالي يرى أن الاستعمار خرج بالباب لكنه عاد بالشباك، وأكد حاجة البلاد اليوم لاستقلال حقيقي من الاستعمار العلني والمخفي بل من استعمار دول الخليج ومصر وغيرهما من البلدان الأخرى، بينما يقول (محجوب أحمد) أستاذ دراسات استراتيجية (متعاون ) في عدد من الجامعات السودانية لم يستعجل المستعمر البريطاني الخروج من السودان، غير أن القيادة السياسية السودانية في ذلك الوقت هم من استعجلوا خروجه.

أسباب أخرى

وعزا الخروج المبكر للبريطانيين لأسباب إلى جانب الاتفاقيات وجهود الحركات منها عدم توافق مستوى التنمية الاجتماعية والتباين الثقافي، وتجاهل نهضة عدد من المناطق مثل (جبال النوبة ـ جنوب السودان ودارفور والشرق) مع تركيز التنمية والتعليم في الخرطوم والشمالية، إلى جانب عدم توازن التنمية في بقية الولايات ومن هنا بدأت الأزمة عندما شعر الجنوبيون بالظلم تمردوا على المركز عام (1950م)، حتى عام (1970) ثم تجدد مرة أخرى بداية الثمانينات وشملت العدوى مناطق مناطق جبال النوبة والشرق، وأخيراً دارفور والتي ما زالت مستمرة بسبب استعجال الساسة خروج المستعمر، ويرى أن المستعمر لم يترك أي أزمة وإنما ترك خدمة مدنية ومؤسسات ساهمت في صهر الشعب السوداني في بوتقة واحدة، أما هولاء الساسة أول خطأ ارتكبوه فقد ميزوا بين أهل البلاد، في كل المجالات على أساس الموقع الجغرافي أو الأصل العرقي مشكلة لم يفعلها المستعمر وما زال أثره حتى في ثقافتنا اليوم (مواعيد إنجليزية تعني هذه الكلمة الدقة في المواعيد) وصناعة إنجليزية (وتعني الجودة في التصنيع).

0 صوت
التعليقات : تعليق
« إضافة تعليق »
اضافة تعليق
اسمك
ايميلك

/500
تعليقك
4 + 3 = أدخل الكود