الاقتصاد السوداني.. 62 عاماً من (المال والعمال)

عرض المادة
الاقتصاد السوداني.. 62 عاماً من (المال والعمال)
تاريخ الخبر 01-01-2018 | عدد الزوار 1139

الخرطوم: جمعة عبد الله

"62" عاماً مرت على استقلال البلاد، وما هو مثبت أن الدول تستند بشكل أساسي على مقوماتها الاقتصادية وما تحققه من تقدم يرجع لقوتها الاقتصادية، وخلال هذه الفترة التي تجاوزت الستة عقود ما الذي تغير في اقتصاد السودان؟ بل كيف كان وما الذي صار إليه الآن؟ الثابت أن الاقتصاد السوداني كانت بدايته في أولى سنوات الاستقلال في العام 1956م، يعتمد بالدرجة الأولى على الزراعة والصادرات الزراعية خاصة القطن، أي أنه اقتصاد زراعي، وهو اقتصاد كما تشير الوقائع وتحليلات الخبراء بأنه أثبت جدارته في الارتقاء بالدولة الخارجة لتوها من حقبة استعمارية تطاولت لنحو "58" عاماً، واستمر اعتماد الموازنة المالية للدولة على محصول القطن كمحصول نقدي أساسي لجلب العملات الصعبة لفترة طويلة، حتى تراجعت مكانته رويداً، رويداً مع السنوات، وتراجع الاهتمام بالقطن بعد استخراج النفط في خواتيم عام 1999م، وبالتالي تراجعت مساحاته المزروعة وصادراته، وكنتيجة مباشرة لهذا التراجع، قلت عائدات القطن، حتى خرج في بعض المشاريع الزراعية من الدورة الزراعية وبات بلا مساهمة تذكر في الاقتصاد القومي بعد أن كان متسيداً لها.

الموازنة الأولى.. أسرار وخبايا وأرقام

الاعتمادات الرئيسية التي استندت عليها أول موازنة بعد الاستقلال، وهي موازنة العام 1955/ 1956م، التي قدمها أول وزير مالية سوداني بعد الاستقلال المرحوم "حماد توفيق حماد" كانت معتمدة على محصول القطن كمورد رئيسي للموازنة، وجاءت تلك الموازنة التي قدمها وزير المالية حينها، كأول موازنة بالعملة المحلية "الجنيه"، وشكلت فيها الزراعة العمود الفقري لاقتصاد البلاد وبالتحديد القطن وهو المحصول النقدي الرئيسي.

المفارقة التي يمكن أن تعد مؤشراً على حجم التدهور الذي حدث لاقتصاد البلاد على مدى "62" عاماً، أن موازنة العام الأول وعلى كونها تعتمد على الزراعة كلياً، بل على محصول القطن فحسب، وكان هو المحصول الذي شكل العامل الأساسي في إنجاحها والخروج بالعام المالي للحكومة إلى بر الأمان، حيث تشير الوقائع لعدم حدوث إي إشكاليات في تسيير دولاب الدولة وإنشاء المشروعات الخدمية، وباستصحاب العامل الأساسي في الموازنتين، موازنة أول حكومة وطنية، وموازنة العام 2017م، نجد أن موازنة أول حكومة وطنية تركزت على إيرادات محصول القطن وحده، فيما تركزت موازنة العام 2018م، على الإيرادات الضريبية بنسبة "74%"، ويفهم من ذلك ضمناً أن جميع القطاعات الإنتاجية الحالية مثل الزراعة والصناعة، مضافاً إليها بقية الإيرادات النفطية وإيرادات المعادن وتحويلات المغتربين والمنح والقروض الخارجية، هذه جميعها لا تساوي نسبة "26%" من الموازنة المقبلة.

في الوقت الذي خرجت فيه موازنة العام المقبل "2018م" بتقديرات عجز تفوق "1,6%" من الموازنة الكلية وهو ما يعني أن عجز الموازنة "28" مليار جنيه.

وبمقارنة مع الوضع قبل "62" عاماً سابقة نجد أن موازنة العام، "1956م" حققت فائضاً بلغ نحو (1.8) مليون جنيه، مقابل عجز موازنة 2018م البالغ 28 مليار جنيه، وباعتبار أن الجنيه السوداني كان يساوي في ذلك الوقت ثلاثة جنيهات يكون فائض ميزانية 1956م قد بلغ "5,400" مليون جنيه، وهو يعتبر أول فائض تحققه الميزانية العامة للدولة.

تلخصت السمات العامة لموازنة العام 1955/ 1956م، فى عدد من المحاور بينها الحد من الإنفاق من احتياطى العملات الأجنبية على الواردات غير الضرورية والبنود غير المنظورة، وتوفير فائض كافٍ في الميزانية يمكن الحكومة من مواجهة التزاماتها المتزايدة وتمويل مشاريع الانشاء والتعمير، وتشجيع المشروعات الإنتاجية التي تضطلع بها المؤسسات الخاصة، كما فصلت موازنة أول حكومة وطنية، وهي حكومة الأزهري، الوسائل التي يمكن خلالها تحقيق الأهداف الثلاثة وهي تتمثل في فرض قيود على الاستيراد للحد من الصرف بالعملات الأجنبية على المواد غير الضرورية، وتقييد تسهيلات الائتمان من الخارج لاستيراد السلع الاستهلاكية بجانب الحد من القوة الشرائية للمستهلكين وذلك بتوجيه البنوك بتقييد تسهيلات الائتمان خاصة تلك التي تزيد من الوارد من السلع الكمالية وبالمقابل تقوم البنوك بتمويل المشاريع الإنتاجية. للمؤسسات الخاصة وزيادة الضرائب غير المباشرة على السلع الواردة ووضع القيود على المصروفات غير المنظورة.

موازنة 2018م.. من قسوة الحاضر نعيش على الماضي

ما أعلنته وزارة المالية والتخطيط الاقتصادي عن سمات الموازنة المقبلة هو اعتماد وظائف جديدة في مشروع موازنة 2018م. إن الملامح الرئيسة للموازنة تركز على استدامة الاستقرار الاقتصادي، واعتماد فرص توظيف جديدة بالموازنة بهدف خفض معدلات البطالة وتحسين دخل الفرد ورفع مستوى المعيشة، وأن تولي الموازنة عناية أكبر للشرائح الضعيفة بتوفير أدوات إنتاج بإسناد مباشر من الموازنة أو عبر التمويل الأصغر، وزيادة الدعم الاجتماعي في الموازنة والتوسع في التأمين الصحي واستيعاب الأدوية المنقذة للحياة داخل العلاج المجاني بالمستشفيات وداخل التأمين الصحي، والاهتمام بزيادة الخدمات والتوسع فى برامج الرعاية الصحية الأولية وزيادة تغطية الأرياف والتركيز على حصاد المياه ومواصلة تنفيذ برنامج "زيرو عطش"، والتوسع في تعليم الأساس واستمرار تنفيذ قرار إلزاميته، والصرف على محو الأمية، ووعدت المالية بتحقيق شعار الموازنة في زيادة الإنتاج والإنتاجية اتساقاً مع أهداف وموجهات البرنامج الخماسي في عامه الثالث، والاهتمام بتوفير الموارد للتنمية المتوازنة بالتركيز على الميزة النسبية لكل ولاية وتكامل الجهود مع القطاع الخاص وتحقيق العدالة في توزيع الموارد وتوجيهها نحو القطاعات الإنتاجية والبنى التحتية، مع الالتزام باستكمال حوسبة النظم المالية والمحاسبية واستكمال نظام الخزانة الواحد في جانب الإيرادات، مبيناً أن الموازنة الجديدة تستهدف زيادة حجم النمو في الناتج المحلي الإجمالي مقارنة بالعام الجاري، وخفض متوسط معدل التضخم، ومحاصرة عجز الموازنة في الحدود الآمنة وخفض الإنفاق الحكومي وترشيد الطلب على النقد الأجنبي، وخفض فاتورة الاستيراد واستمرار شراء الذهب عبر البنك المركزي، وأكد الاهتمام بعلاقات السودان الخارجية ومع مؤسسات التمويل الدولية.

موزانات العام... مشكلات متباينة منذ الاستقلال

في بيانه حول موازنة العام 1955/ 1956م، يلخص وزير مالية تلك الحقبة "حماد توفيق" مشكلة الاقتصاد السوداني بالرغبة في العيش بمستوى لا يتماشى مع حجم الدخل، أي أن تكلف الفرد أكثر من دخله، معتبراً إلى الاتجاه لتأجيل مشاريع الإنشاء والتعمير بسبب الصرف على المشروعات غير الإنتاجية. واستطرد الوزير في حديثه قائلاً: إن هذه الأخطار تملي علينا أن نشدد الرقابة المالية وإلا تعرضت البلاد لصعوبات. داعياً الشعب لشد الأحزمة على البطون وإدخار ما يفيض عن الحاجة وتوظيفه في مشاريع التنمية.

أرقام موازنة 2018م

وبالنسبة لموازنة 2018م فقد كشف عنها وزير المالية الفريق محمد عثمان الركابي خلال الأسبوع الماضي وتوقع أن يبلغ إجمالي عجز موازنة العام المقبل "1.4%" من إجمالي الناتج المحلي، وأن يبلغ حجم العجز "28.4" مليار جنيه، وتوقع تحقيق الاقتصاد الوطني معدل نمو "4.4%" في العام المقبل، وأن يصل متوسط معدل التضخم بنهاية العام إلى "34.1%".

وكشف الركابي خلال تقديمه لخطاب موازنة 2018م بالمجلس الوطني، أن تقديرات حجم الموازنة الكلي "173.1" مليار جنيه، تمثل فيها الإيرادات الضريبية "64%" بما يعادل "75.1" مليار جنيه، والإيرادات الأخرى "116"، وقدر حجم القروض الخارجية والاستدانة من الجمهور والنظام المصرفي بقيمة "55.3" مليار جنيه،

ويقدر انخفاض عجز الميزان التجاري من "4.2" مليار دولار إلى "2.5" مليار دولار بمعدل انخفاض "40.5%"، وعزا الانخفاض لارتفاع قيمة الصادرات بمعدل "26%" وانخفاض الواردات بمعدل "1%"، مشيراً لارتفاع عجز الميزان الكلي من "120.8" مليون دولار في العام 2016م إلى "349.7" مليون دولار في 2017م، وقال إن تراجع نسبة الإيرادات للناتج المحلي الإجمالي يرجع لاستمرار إعفاء قطاعات وخدمات أساسية من الضرائب وهي الزراعة والنفط والمعادن والكهرباء والمياة. وأعلن الركابي عن السياسة النقدية المصاحبة للموازنة تهتم بمراجعة الفئات الجمركية لتحديد أثر تحريك الدولار الجمركي على أسعار السلع الضرورية ومدخلات الإنتاج المستوردة، وأكد إلغاء كافة الرسوم الجمركية والرسم الإضافي وضريبة التنمية على مدخلات الإنتاج، وأشار لاخضاع الأنشطة الهامشية للضرائب وتوسيع المظلة الضريبية ورفع كفاءة التحصيل وزيادة مساهمة ثروات باطن الأرض في الاقتصاد القومي.

وأعلن رفع مشروع الموازنة الجديدة حجم تحويلات الولايات من "21.8" مليار جنيه، إلى "32.7" مليار جنيه، بنسبة زيادة "50%" وتعهد بسعي الموازنة لخفض معدل التضخم إلى "19.5%" في العام المقبل وتخفيض معدل عرض النقود من "45%" إلى "18.2%" وتخفيض عجز الموازنة إلى "2.4%" من الناتج المحلي الإجمالي متضمناً فروق سعر الصرف.

مؤشرات التراجع... الإنتاج يترنح والإنتاجية تتراجع

في العام المنصرم، وفي محور الإنتاج كانت جملة المساحات التأشيرية في الزراعة والغابات نحو 8 ملايين فدان، منها "7" ملايين فدان في القطاع المروي من المحاصيل المختلفة "الذرة الدخن والفول السوداني والسمسم والقطن وزهرة الشمس والكركدي وحب البطيخ وغيرها"، وتشير البيانات الواردة من الولايات أنه قد تمت زراعة أكثر من " 9,47" مليون فدان، بينما يتوقع أن تتراوح المساحة المحصودة ما بين "70- 75%" من جملة المزروع، وكانت إنتاجية محصول القمح للموسم 2015-2016م "4.1" طن للفدان الواحد، بجملة إنتاج "799" تكفي لتغطية الاستهلاك بنسبة "40%، وتم شراء "1279" آلة رحّل منها للولايات والمشاريع الزراعية "498" آلة، فيما قام المشروع القومي للإنتاج الحيواني والبستاني بإنتاج نحو 4 ملايين شتلة لمختلف المحاصيل البستانية "موالح، مانجو، عنب، فاكهة أخرى". ويشير التقرير إلى زيادة الانفاق العام على الزراعة بنسبة 10% والتوسع في تطبيق الميكنة الزراعية في كل العمليات الزراعية خاصة الحصاد، فيما بلغت الغابات المحجوزة والتي تحت الحجز "180" غابة، بمساحة "555" فدان.

وفي مجال الإنتاج الصناعي فقد بلغ إنتاج السكر، نحو "6" آلاف طن، تمثل "50%" من حاجة الاستهلاك، والدقيق "1700" طن، وإنتاج الزيوت "265" ألف طن، وإنتاج الاسمنت، "7.3" مليون طن، والسيراميك "18" مليون متر مربع، والحديد "360" ألف طن، وبلغ إنتاج الذهب حتى نهاية نوفمبر من هذا العام 105 طن، بزيادة 167% عن المؤشرات المتوقعة وعدد الشركات العاملة في مجال التعدين 401 شركة. ويستحوذ القطاع الأهلي على نسبة 80% من الإنتاج، كما يسهم في تشغيل مليوني نسمة. وتقول وزارة المعادن إن الخطة للعام المقبل تتضمن سن القوانين والتشريعات التي تمنع تهريب وتخزين الذهب وإنشاء بورصة الذهب التي ستعمل بمعايير عالمية حديثة مما سيؤدي لتحرير 70% من الذهب المهرب. وما تم استخراجه من معادن حتى الآن أقل من 2% من الثروات المعدنية الموجودة في البلاد.

أما السكة حديد فقد رحلت "179" ألف راكب، فيما أنتج القطاع النفطي في العام 2016م "700" برميل من النفط الخام، و"14.4" طن متري من المنتجات النفطية المختلفة، وفي مجال الإنتاج الحيواني، بلغت جملة صادرات المواشي الحية "6" ملايين رأس، مقابل 624.7 طن لحوم، و"250.5 قطعة جلد، وبلغت عائدات صادر الثروة الحيوانية مجتمعة "صادرات مواشي حية ولحوم وجلود" قيمة "1.833" مليون دولار، وبلغ إنتاج اللحوم، "474.1" ألف طن، والألبان "818.4" ألف طن، ولحوم الدواجن "170" ألف طن، وبيض المائدة "140" ألف طن، والأسماك "42" ألف طن.

الاقتصاد السوداني.. مشكلة قديمة تتجدد في كل عام

المشكلة التي لخصها المرحوم حماد توفيق أول وزير مالية سوداني ما تزال لم تجد علاجاً ناجعاً، حيث قال توفيق حينما كان وزيراً للمالية إن مشكلة الاقتصاد السوداني تتمثل في شيئين هما، تكلف المواطن أكثر من دخله، وعدم اهتمام الدولة بالمشروعات التنموية التي توفر فرص العمل ولجؤها إلى المشروعات الإنتاجية سريعة العائد، كما حدد في بيانه مكونات الاقتصاد السوداني بأنه (اقتصاد زراعي)، وأن الزراعة تشكل العمود الفقري لاقتصاد البلاد خاصة محصول القطن، ولكن بحلول الذكرى الـ(62) للاستقلال المجيد يبدو أن المشهد الاقتصادي يتجه إلى العودة إلى المربع الأول حيث مازالت المشكلة الاقتصادية قائمة كما شخصها ولخصها المرحوم حماد توفيق بأن المواطن السوداني ظل يتكلف وينفق أكثر مما يكسب من دخل، والدولة لم تركز على المشروعات التنموية الكبرى لتوفير فرص العمل واستغلال الموارد، بل أهدرت حتى توظيف عائدات النفط ولم توجه لاستغلال وتفجير طاقات موارد أخرى كالزراعة، لتلجأ الحكومة إلى البحث عن بدائل للنفط ببرنامج اقتصادي ثلاثي يستوعب تداعيات مرحلة ما بعد الاستفتاء ويمتص تأثيرات فقدان موارد النفط إذا جاءت نتائج الاستفتاء بالانفصال، ومن بين تلك الموارد العودة إلى الزراعة كمورد أساسي في الميزانية أي العودة إلى المربع الأول للاقتصاد الزراعي الذي قامت عليه أول ميزانية بعد الاستقلال، حيث ركزت الحكومة في بدائل النفط على تطوير الزراعة وزيادة الصادرات الزراعية خاصة الصمغ العربي الذي ألغت الرسوم المفروضة عليه فى موازنة العام 2011م أول ميزانية للبرنامج الاقتصادي الثلاثي (ميزانية الأساس)، ودعم الزراعة والتوسع في زراعة القمح لتمزيق فاتورة الواردات من الغذاء الذي ارتفع إلى (26.4%) خلال الـ(10) أشهر الأولى من العام 2010م، كما بلغت فاتورة استيراد القمح فقط نحو (1.6) مليار دولار، خلافاً لاستيراد السكر والدقيق وزيت الطعام والألبان وغيرها من السلع الغذائية.

وتقول الخبيرة الاقتصادية والمحاضرة بجامعة الجزيرة د. إيناس إبراهيم إن تقديرات وملامح الموازنة لا غبار عليها معتبرة أن المحك الفعلي يتمثل في إنزالها على أرض الواقع. وقالت لـ"الصيحة" إن أهم مقومات فعالية الموازنة أن تتضمن تقليل الصرف الإداري معتبرة أن كثرة الصرف علي الجوانب الإدارية من السلبيات الكبرى التي مني بها اقتصاد البلاد، داعية للاستفادة المثلى من الأموال المخصصة للصرف غير المنتج. واعتبرت أن دعم المشاريع المنتجة أكثر جدوى من الصرف الإداري غير المنتج واستبعدت تحقيق الموازنة لنتائج إيجابية للمواطن في ظل عدم تقليل الصرف الإداري. وتسائلت عما ستقدمه الموازنة للمشاريع الإنتاجية وتمويل مشاريع صغار المنتجين الذين يمكن اعتبارهم قوى اقتصادية في حال تم الاهتمام بها بصورة كافية وإيلائها الدعم والرعاية اللازمة. واعتبرت الأولوية في الصرف يجب أن توجه نحو القطاعات المنتجة التي تحقق فائضاً في الدخل وتسهم في رفع المستوى المعيشي للمواطن داعياً للاهتمام أكثر بالقطاعين الزراعي والصناعي باعتبار أن البلاد تمتلك مقومات نجاح هذين القطاعين.

العملة الوطنية.. هبوط اضطراري وارتفاع دولاري

منذ الإعلان عن استقلال البلاد في أول يناير 1956م، تم اطلاق عملة الجنيه السوداني بواسطة لجنة العملة، وقد اشتهر السودان آنذاك بإنتاج وتصدير القطن والمنتجات الزراعية المتعددة التي عززت من قيمة العملة الوطنية، ودعمت استقرارها، وبنهاية أول عام مالي في يوليو1957م تم الاتفاق مع صندوق النقد الدولي على تحديد سعر صرف الجنيه السوداني بما يعادل (2.87 دولار)، أي أن يكون سعر الجنيه السوداني يعادل (0.35) دولار (أي أن الجنيه يساوي 35 سنتاً)، واستمر تثبيت سعر الجنيه في هذا المعدل إلى مارس 1972م عند استحداث ضريبة تحويل على الواردات علاوة تشجيع بنسبة (15%) وهي عبارة عن تخفيض غير معلن، لكن ظل نظام سعر الصرف ثابتاً حتى نهاية فترة السبعينات في القرن الماضي، لكن تلك السياسة تغيرت بعد حلول فترة سياسة تخفيض سعر الصرف، وحسب الأسس النظرية التي اعتمدت عليها برامج الصندوق كان الغرض الرئيسي هو زيادة تنافسية الصادرات، إلا أن سياسات سعر الصرف لم تؤد لتشجيع الصادرات لاعتماد البلاد على محصول نقدي واحد هو القطن، وقد تقدمت صناعات البدائل من الريون والنايلون وانتشار استخدام المشتقات البترولية، وهذه العوامل أدت إلى تراجع أسعار القطن بشكل لم يسبق له مثيل.

ومنذ العام 2011م، تتصاعد أسعار الدولار مقابل الجنيه بمستويات عالية لم تجد سياسات البنك المركزي فتيلاً لكبح جماح الدولار، الذي وصل سعره في يومنا هذا "27" جنيهاً، وتمثل الآثار المترتبة على انفصال جنوب السودان أهم الأسباب التي عمقت من مشكلة ندرة موارد النقد الأجنبي، حيث فقدت البلاد (76%) من موارد النقد الأجنبي وحوالي (56%) من الإيرادات العامة للدولة، وسرعان ما انتقلت الصدمة إلى القطاعات الاقتصادية المختلفة، وشهدت البلاد ارتفاع الضغوط التضخمية، وانخفض الإنتاج الحقيقي في القطاعات الإنتاجية، وارتفع عجز الموازنة العامة وترتب على ذلك تنامي الكتلة النقدية وارتفاع تكلفة المعيشة تباعاً، مما اضطر واضعي السياسات النقدية إلى حلول متعددة لم يجدِ أي منها نفعاً حتى وصل سعر الدولار الآن إلى "27" جنيهاً.

0 صوت
التعليقات : تعليق
« إضافة تعليق »
اضافة تعليق
اسمك
ايميلك

/500
تعليقك
8 + 7 = أدخل الكود