طواحين الهواء

عرض المادة
طواحين الهواء
2203 زائر
27-12-2017

المؤلف الأسباني المشهور سيرفانتس كان من أقدر الكُتّاب الأوروبيين الذين وصفوا الحالة النفسيّة التي ربما تعتري بعضاً ممن يعتقدون أنهم ضد العالم، وأن كل العالم يقف ضدهم، وكان من بين هؤلاء الشخصية المعروفة باسم دُونْكِيْشُوتْ.

ودُونْكِيْشُوتْ كان يُحارب طواحين الهواء ويقود عليها حملةً شعواء وشرسة، وحيث كان في اعتقاده أنه يقوم برد الصاع صاعين للأعداء الذين يتوهّم أنهم موجودون ويترصدونه.. وكان دُونْكِيْشُوتْ يتوهّم أنه يركب حصاناً أصيلاً ويحمل سيفاً بتّاراً ويتمنطق بالدروع والخُوذات، بينما كان في الحقيقة يمتطي حماراً أعرج ويلبس أسمالاً بالية ويحمل في يده خشبة أكلت دودة الأرض معظم أطرافها. وكان الرجل يُغير على طواحين الهواء رجاءَ أن يجد بداخلها الأعداء... وعندما لا يعثر عليهم يقوم بتسديد الطعنات والضربات للطواحين نفسها.

وقصة دُونْكِيْشُوتْ (بتاع الخواجات) تُذكرنا بالطُرفة العربية الواردة عن (أبي حُيَيَّة) والذي كان مشهوراً بالجُبن والادعاء ومعروفاً بالوهم على شاكلة دُونْكِيْشُوتْ.. وقد قيل إن نساء الحي في ليلة من الليالي المظلمة سمعن أصوات القدور تتساقط في أحد المنازل مما أحدث كثيراً من الضوضاء والجلبة (الكَرْكَبَة) داخل الدار .. واعتقدت النساء أن هذه الأصوات كانت بسبب أحد اللصوص. ولهذا فقد استنجدت النساء بأبي حُيَيَّة الذي حضر وهو يحملُ سيفه وصعد على أحد الأبراج العالية وهو يرتعد من الخوف وصار يخطب بالصوت العالي ويصيح متوجِّهاً نحو اللص المتوهّم ويتوعّد ويهدِّد قائلاً: "أيها اللص المغرور المجترئ علينا لقد اخترت لنفسك سوء العاقبة وليس لك عندنا إلا السيف المصقول وضربه المشهود، وعليك أن تخرج ونعفو عنك وإلا دخلنا عليك وأذقناك من العذاب والعقاب، والله إن لم تخرج دعوت إليك أخوالي من بني فلان ومن بني فلان، وأقاربي من بني علان وإنهم لفاعلون بك كذا وكذا".

وبينما هو يصيح ويكورك ويبرطع ويتوعد ويرغي ويزبد خرج من المنزل كلب كان هو الذي يُحرِّك الأواني و«الحِلَل» في الدار مما أحدث الأصوات المزعجة... التي خافت منها النساء حتى استنجدن بأبي حُيَيَّة.. وأبو حُيَيّة عندما شاهد الكلب قال: "أيها اللص الحمد لله الذي مسخك كلباً وكفانا حرباً !!!"وصار يتبختر بين النساء ويقول بافتخار..

وأمثال دُونْكِيْشُوتْ بتاع الخواجات وأبو حُيَيّة بتاع العرب يوجد لدينا الكثيرون.. وقد أفرزت المساحة المتاحة من الحريات أنماطاً كثيرة من مثل هؤلاء.. و"الفسحة" و"الكُوّة" والمساحة التي أتاحتها الإنقاذ للمُعارضة جعلت البعض يعتقد أنه يركب حصاناً بينما هو يمتطي الحمار المكسور الرجل والظهر.. ويعتقد أنه يحمل سيفاً بينما يحمل خشبة ويعتقد أنه يلبس الدروع والحديد بينما الرجل"قاعد ميطي في السهلة".. والبعض أخذته نشوة الحرية الممنوحة وأسكرته فصار يكورك مثل أبي حُيَيَّة قائلاً: "أيها الحكومة المجترئة علينا إن لم تُشاركينا في الحكم ولم تشاورينا في الأمر فإني سوف أدعو لك أهلي وأقاربي من بني فلان وعلان، وسوف أشكوك للأمم المتحدة والبنك الدولي وحقوق الإنسان ومحكمة العدل الدولية"... وربما تظل الحكومة ترقبه وهي تحمل الجزرة والعصا... وتمد له الجزرة فيدعي أنها أصغر من"مقاسه" وترفع عليه العصا "فَيَلْبِد" ويسكن.. ثم ينام ليصحو مرة أخرى مطالباً مرة ثانية بأن يتركوه يتذوّق طعم الجزرة وإلا فإنه سوف يستمر في الكواريك والجوطة عبر الواتساب والفيس بوك والتويتر ... وهلم جرا ... ولهذا تجد الحكومة " ماخدة " راحتها على الآخر لأن معارضة الأسافير تتمسح أول بأول ... فص ملح ويدوب....

   طباعة 
0 صوت
التعليقات : تعليق
« إضافة تعليق »
اضافة تعليق
اسمك
ايميلك

/500
تعليقك
5 + 5 = أدخل الكود
روابط ذات صلة
روابط ذات صلة
المادة السابقة
المواد المتشابهة المادة التالية
جديد المواد
جديد المواد
يد في الموية ويد في النار !! - د. عبد الماجد عبد القادر
لو كنت المسؤول!!! - د. عبد الماجد عبد القادر
من لم يمت بالساطور مات بغيره !!!! - د. عبد الماجد عبد القادر
بختك ضَمنت قروشك!! - د. عبد الماجد عبد القادر
محاسب عِلَّا مستفيد !! - د. عبد الماجد عبد القادر