بقرة السوق

عرض المادة
بقرة السوق
1371 زائر
26-12-2017

في أحدث دراسة تم التوصل إليها بشأن تحديد الفجوة بين الأجور وكلفة المعيشة في السودان كانت تلك التي كشف عنها المجلس الأعلى للأجور مؤخراً، إذ توصل إلى أن كُلفة معيشة الأسرة الصغيرة المكونة من خمسة أفراد تبلغ حوالي "5800" جنيه في الشهر... في رأيي أن مثل هذه الدراسات مهمة للغاية لمعرفة البون الشاسع ما بين دخل الأسر ومنصرفاتها، وكيفية ردم هذه الفجوة الكبيرة التي تتسع يوماً بعد يوم مما يجعل ردمها في حد ذاته لغز كبير... بعد الاطلاع على ما نشر في الدراسة قفزت إلى ذهني بعض الملاحظات التي يمكن إيجازها في النقاط التالية:

أولاً: بدا لي من الصعوبة بمكان اعتماد أي دراسة عن كلفة المعيشة بالسودان، حتى وإن كانت هذه الدراسة شهرية ناهيك عن كونها سنوية، وذلك لسبب بسيط جداً، وهو أن الفوضى الضاربة بأطناب السوق وانفلات الأسعار والجشع الذي أكل الصدور، ستجعل أي دراسة لا قيمة لها، لأن الكُلفة الصاعدة بسرعة الإفلات ستتخطى أي دراسة ولا تصلح إلا لـ"48" ساعة فقط، وإلا سنكون بحاجة لدراسة كلفة المعيشة بعد كل "48" ساعة..!!! فإذا أجريت دراسة للأسعار اليوم وأكملتها بعد أسبوع واحد فقط ستجد أن البون شاسع ما بين الأسعار لحظة الشروع في الدراسة، واللحظة التي أكملت فيها، ويمكن أن يجسد ذلك تلك الطرفة التي يتندر بها الناس عندما يصورون مشهد شخص يسأل آخر عن سعر الدولار فيجيبه بسؤال ساخراً: قبل سؤالك أم بعده؟!!! فالأسعار والغلاء لا ينتظران لحظة ولا يستقران على حال، فهما في حالة ارتفاع مذهل يشيب الولدان من هوله وقسوته وآلامه التي لا يحسها ولا يشعر بها إلا هؤلاء المعذبون في الأرض..

ثانياً: هذه الدراسة شملت 78 سلعة لكن قطعاً لم يكن من بينها "الدواء" الذي تصاعدت أسعاره إلى أكثر من 400% خلال أشهر، ولم تشمل الكلفة العلاج، ولا "الضيافة"، لأن هذه أشياء طارئة ولا يمكن التنبؤ بها ومعرفة حساب كلفتها... في تقديري ومن خلال معايشة ومعرفة لصيقة وتجارب شخصية أن الكُلفة أكبر مما أشارت إليه الدراسة بكثير.

ثالثاً: في تقديري ومن خلال ملاحظات دقيقة ومتأنية بدا لي واضحاً أن ارتفاع هذه التكاليف المعيشية بهذه الطريقة المذهلة، وانفلات السوق وتصاعد الأسعار هو أمر مفتعل ومصنوع، مجرد صناعة... وأن هذا الانفلات والغلاء صنعته الفوضى... والفوضى وجدت نفسها تتمدد وتتسع وتلتهم كل شيء عندما تركت الحكومة للتجار الحبل على الغارب بصورة تثير كثيراً من الشكوك والمظان، وبدأ يتراءى لي أن الحكومة مستفيدة جداً من هذه الفوضى لكونها "تحلب" رزقها من "بقرة" السوق إذ لابد لها أن تترك البقرة تسرح وتمرح وتلتهم كل شيء في السوق لتضمن "دراً" كثيراً و"ضرعاً" ممتلئاً، وهكذا حال العقليات الجبائية، وأما المواطن المغلوب على أمره فله الله رب العالمين فإنه بعباده رؤوف رحيم... قناعة أخرى هي عندي بالضرورة، لكنها ترسخت في ذهني عندما همس بها شيخ حكيم في أذني:" يا ولدي الحكومة دي بس ما تهبشا في كرسيها دا، لكن تاني أي حاجة بترضا ليها إلا الكرسي"... اللهم هذا قسمي فيما أملك...

نبضة أخيرة:

ضع نفسك دائماً في الموضع الذي تحب أن يراك فيه الله، وثق أنه يراك في كل حين.

   طباعة 
0 صوت
التعليقات : تعليق
« إضافة تعليق »
اضافة تعليق
اسمك
ايميلك

/500
تعليقك
6 + 3 = أدخل الكود
روابط ذات صلة
روابط ذات صلة
المادة السابقة
المواد المتشابهة المادة التالية
جديد المواد
جديد المواد
القضية دستورية يا سعادتك - أحمد يوسف التاي
شرف الاستقالة مرفوض - أحمد يوسف التاي
ومازالتِ الأسواقُ تغلي - أحمد يوسف التاي