البكور بين حنتوب وطقت وبخت الرضا

عرض المادة
البكور بين حنتوب وطقت وبخت الرضا
2113 زائر
26-12-2017

غمرني حزن شديد عندما قررت (الإنقاذ) في لحظة طيش مجنونة إلغاء المدارس الثانوية القومية (حنتوب وخور طقت ووادي سيدنا وخور عمر) والتي أزيلت بدون أدنى سبب موضوعي وانتهت بنهايتها حقبة ناصعة من تاريخ التعليم في السودان وموروث ثقافي وحضاري باذخ..

لا ينتطح عنزان في أن تلك المدارس العملاقة لعبت دوراً كبيراً في بناء الوحدة الوطنية والهوية القومية، وفي ترسيخ الشعور الوطني لدى النّخب التي تعلّمت بل تربّت في تلك الصروح العظيمة والتي أسهمت بنصيب وافر في صناعة تاريخ السودان الحديث بعد أن انصهرت في بوتقة تلك المؤسسات الرائدة وتوحّدت إرادتها الوطنية بعيداً عن الانتماءات الإثنية والقِبلية والجهوية التي تُمسك بخناق بلادنا المأزومة في الوقت الحاضر.

رغم تلك المأساة التي لا نزال نتحسّر ونتجرّع علقمها المُر، أشم هذه الأيام رائحة مؤامرة مماثلة تستهدف بخت الرضا.. تلك المؤسسة الوطنية العملاقة التي ربما لم تشهد أفريقيا والعالم الثالث مثيلاً لها من حيث الدور الذي اضطلعت به في تدريب المعلمين وصناعة وتطوير مناهج التعليم العام في السودان الذي أنتج أعظم الكفاءات البشرية التي صعدت عبر بخت الرضا من نافذة جامعة الخرطوم إلى إعظم الجامعات البريطانية والعالمية.

لماذا دون العالمين نخرج على ما تَعارف عليه العالم المتحضّر الذي تجده على الدوام يُحافظ على موروثاته التي كلما تطاول عليها الزمن تزايد احترامه (وتقديسه) لها وحرصه على الحفاظ عليها وعلى عدم العبث بها باعتبارها إرثاً تاريخياً ينبغي أن يُورث للأجيال الجديدة ربطاً لها بماضيها التليد وتعميقاً لولائها الوطني الضارب في أعماق التاريخ.

لا أجد تشبيهاً لتحطيم حنتوب وخور طقت ووادي سيدنا وخور عمر أقرب من التساؤل القرآني الذي يهز قارئه هزّاً ويرجّه رجّاً (وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ)، فقد اتُّخِذ قرار وأد تلك الصروح التعليمية العملاقة التي كانت تجمع الطلاب المتميزبن أكاديمياً والقادمين من مختلف مناطق السودان في داخليات تصهرهم صهراً، اتخذ في إحدى لحظات الغفلة (الثورية) وسرعان ما ثبت خطله وعواره بمجرد أن أنشئت المدارس النموذجية في الخرطوم التي انداحت بعد ذلك في شتى أرجاء السودان لتحطّم الحجة العرجاء التي بُني عليها ذلك القرار العجيب وليت من ارتكبوا تلك (الجليطة) التي تشبه قرار (البكور) الذي تمّت مراجعته بعد عقد ونيف من اتخاذه، يجيبون اليوم عن السؤال حول مُبرّرات صنيعهم ذاك الغريب والذي قضى على أهم مؤسسات صناعة الوحدة الشعورية والوجدانية بين النخب السودانية بمكوناتها الإثنية والقبلية والجهوية المختلفة، فقد نشأت تلك المدارس بوحي من عبقرية سياسية وإدارية متفرّدة هي ذاتها التي أنشأت أعظم خدمة مدنية في أفريقيا قبل أن يصيبها ما أصاب كثيراً من مشروعاتنا القومية الكبرى!

كان أكبر مبررات القضاء على تلك المدارس القومية التي كان الطلاب يأتونها من شتى بقاع السودان، أن ينهى التفريق بين الطلاب على أساس المستوى الأكاديمي باعتبار أن ذلك خطأ تربوي، ولم تمض سنوات قلائل حتى نشأت مدارس نموذجية تضُم المتفوقين في الخرطوم وبقية عواصم السودان لتُنهي تلك الحجة الداحضة التي دفعت تلك المنارات العلمية التاريخية السامقة ثمن عوارها.

في الوقت الذي كنت أعتزم مخاطبة بروف محمد عبد الله النقرابي أمين عام صندوق دعم الطلاب للتكفير عن ذلك الخطأ الفادح من خلال إعادة بناء تلك الصروح التاريخية على غرار قرار إعادة النظر في مسخرة البكور الذي خرجنا به، في لحظة مجنونة، عن التوقيت العالمي وتفرّدنا بابتداع مسخ مشوّه (قطعناهو من راسنا) دون العالمين، أقول إنني بينما كنت أفكر في توجيه تلك الدعوة للنقرابي قرأتُ عن اعتزام وزارة التربية وأد منارة بخت الرضا بكل إرثها التاريخي الباذخ وعطائها الثر وإبدالها بنبت شيطاني جديد يشبه ذلك (البكور) الغريب!

تتلخّص المأساة الجديدة في أن هناك تبرعاً سخياً أو منحة مقدمة من منظمة اليونسكو لإنشاء مركز لتدريب المعلمين في بخت الرضا لكن ما أثارني أن هناك حديثاً متداولاً بأن وزارة التربية والتعليم الاتحادية قررت تحويل تلك المنحة لإقامة مركز بالخرطوم وكأن الخرطوم التي تحتكر كل شيء بما في ذلك معظم الجامعات والمؤسسات التعليمية والتدريبية في السودان (ناقصة)!

كانت فكرة عبقرية تلك التي أنشأ بها أولئك الرواد الأوائل معهد بخت الرضا في موقعه الحالي في ثلاثينيات القرن الماضي ولا يمكن لأحد أن يجادل في حسن اختيار ذلك الموقع الذي زاد من ملاءمته وتأهيله لتلك التربوية المهمة إنشاء كبري الدويم الذي يسّر وصول القادمين إليه من كل أطراف السودان سيما وأن المركز القومي للمناهج ببخت الرضا، والذي أنشئ في بيئة تربوية وتعليمية متميزة بعيداً عن ضجيج الخرطوم وصخبها وازدحامها، يضم مساحات شاسعة وداخليات وملاعب تؤهله للتوسع مستقبلا.

رحم الله مؤسس بخت الرضا الأستاذ عبد الرحمن علي طه الذي ألف أعظم نشيد للوحدة الوطنية والذي لطالما تغنينا بمطلعه الجميل:

(في القولد التقيت بالصديق

أنعم به من فاضل صديقي)

ليصنع به إحدى أهم لبنات التربية الوطنية التي برعت بخت الرضا في غرسها في نفوس المعلمين الذين كانوا يقضون في رحابها سنتين كاملتين وفي التلاميذ الذين كانوا ينهلون من المعاني السامية التي زرعتها بخت الرضا في عقولهم المستعدة للتلقي.

رسالة أرجو أن أوجهها إلى القائمين على أمر التعليم بأن لا يمسوا بخت الرضا بسوء وأن يحافظوا عليها ويزودوها بالمنحة التي خُصصت لها لإقامة مؤسسات إضافية لتدريب المعلمين وتطوير المركز القومي للمناهج ثم رسالة أخرى إلى بروف النقرابي بأن يصحح الخطأ الشنيع الذي ارتُكب في حق وطننا العزيز من خلال إعادة بناء مدارسنا القومية من جديد.

   طباعة 
1 صوت
التعليقات : تعليق
« إضافة تعليق »
اضافة تعليق
اسمك
ايميلك

/500
تعليقك
5 + 5 = أدخل الكود
روابط ذات صلة
روابط ذات صلة
المادة السابقة
المواد المتشابهة المادة التالية