أدى ركعتين في المسجد الحنفي.. أردوغان في سواكن.. ربط الماضي بالحاضر

عرض المادة
أدى ركعتين في المسجد الحنفي.. أردوغان في سواكن.. ربط الماضي بالحاضر
تاريخ الخبر 26-12-2017 | عدد الزوار 1920

بورتسودان- الخرطوم: صديق رمضان

من خلف زجاج العربة الفارهة التي أقلته من مطار بورتسودان الدولي إلى مدينة سواكن ظل الرئيس التركي رجب طيب أوردغان يلوح بيده والابتسامة قد ارتسمت على محياه للذين اصطفوا على طرفي الطريق الأسفلتي وهم على ظهور الجمال.

المنظر برمته كان يوضح حجم الترحاب الكبير الذي حظي به ضيف البلاد الذي ورغم أن وجوده بولاية البحر الأحمر لم يتجاوز الثلاث ساعات إلا أنها بحسابات أهل الديار تعني لهم الكثير.

وبالفعل آتت الزيارة أكلها حيث جنوا فوائد لا حصر لها أبرزها تعهده بتأهيل الجزيرة الأثرية وتوجيهه رجال الأعمال الأتراك بالدخول في شراكات مع حكومة البحر الأحمر، عطفاً على تسيير الخطوط الجوية التركية رحلات بين اسطنبول وبورتسودان .

حالة تأهب

قبل أن تشرق شمس يوم أمس، فإن ولاية البحر الأحمر وعلى رأسها الجنرال علي أحمد حامد كانت في حالة حراك دائم وتأهب قصوى لإنجاح الزيارة التاريخية لرئيس تربط دولته بأرض النيلين وشائج علاقة عميقة ضاربة بجذورها في الأعماق البعيدة، فالوالي حامد وحتى يزداد قلبه اطمئنانا سجل أكثر من زيارة إلى مدينة سواكن التاريخية التي تبعد 56 كيلو جنوب حاضرة الولاية مدينة بورتسودان كان آخرها مساء أمس، للوقوف على الاستعدادات واختبار الجاهزية النهائية لاستقبال رئيس الجمهورية وضيفه أوردغان، فسواكن التي تحتضن ميناء السودان الثاني المخصص للبضائع والركاب بمثلما تمثل رمزية اقتصادية فإنها أيضاً تحمل صفة أخرى جعلتها ذات أهمية قصوى فهي إحدى أعرق المدن العالمية التي عرفت الحضارة والمدنية قبل مئات السنين بفضل الدولة العثمانية التي ما تزال آثارها وتراثها شاخصاً بالجزيرة التي يحتضنها البحر الأحمر.

استقبال البشير

قبل ثلاث ساعات من موعد وصول رئيس الجمهورية إلى بورتسودان مستبقاً ضيفه الكبير، فإن ولاية البحر الأحمر كانت قد أكملت كافة استعداداتها، فالمطار الذي يبعد ثلاثين كيلو جنوب بورتسودان كان مثل خلية النحل يعج بالمستقبلين من الرسميين وعلى رأسهم الوالي علي أحمد حامد، المشهد بالمطار الدولي كان يوضح أنه سيستقبل شخصيات على مستوى رفيع، وعند منتصف النهار لاحت من على البعد طائرة بوينج كانت تحمل في جوفها رئيس الجهورية المشير عمر البشير ووفده الكبير الذي يضم عدد من الوزراء والمسؤولين المركزيين أبرزهم وزير الخارجية إبراهيم غندور، وبعد ربع ساعة من هبوط الطائرة أطل البشير بجلباب ناصع البياض وفوقه الصديري الذي يحرص على ارتدائه كلما توجه شرقاً وبجانبه حرمه وداد بابكر، ليحظى باستقبال حافل من حكومة البحر الأحمر ويتجه بعد ذلك إلى صالة كبار الزوار الأنيقة بالمطار، وهو يوزع الابتسامات على مستقبلية كما ظل يفعل في زياراته إلى الولايات.

المشير وحفيد السلطان

بعد مرور ربع ساعة خرج وفد البشير من قاعة كبار الزوار التي تبعد مسافة مائتي متر من مدرج الطائرات بمطار بورتسودان لاستقبال ضيفه رجب طيب أوردغان الذي أطل من الطائرة وبرفقته حرمه التي استقبلتها حرم رئيس الجمهورية وداد بابكر، استقبال تقدمه الرئيس البشير ووفده وكامل أعضاء حكومة ولاية البحر الأحمر والأحزاب السياسية بالولاية الساحلية، كانت الابتسامات عنوانه البارز.

الفرسان والجمال

المنظر خارج المطار كان معبراً ولافتاً للأنظار لأنه اقتصر على الاستقبال الرسمي للبشير وأرودغان، أما خارجه فقد تراص مئات الفرسان من مكونات الولاية بأزيائهم المميزة وهم يمتطون ظهور الجمال ويلوحون بسيوفهم التي شهروها في الهواء للتأكيد على تقديرهم لزوارهم، مشهد جسد مدى المكانة التي يتمتع بها ضيف البلاد أوردغان الذي اختصت حكومته ولاية البحر الأحمر بزيارة تاريخية، وإذا كان المشير البشير قد حظي بمثل هذا الاستقبال كثيراً في زياراته المتعددة إلى الولاية الساحلية، فإن أوردغان كان من خلف زجاج النافذة يتأمل المشهد الذي يبدو أنه لم يره من قبل وربما أعاد إليه ذكريات دولة إسلامية ينتمى إليها بدأت في استعادة ملامح ماضيها وهي تتجسد في الواقع في هيئة دولة تركيا التي باتت دولة تتمتع بمكانة عالمية مرموقة لا تختلف عن تلك التي كانت تحظى بها الدولة العثمانية، فالفرسان الذين كانوا يلوحون له بسيوفهم ترحاباً أمس لم يختلفوا كثيرًا عن أسلافه الذين عملوا على نشر الإسلام في معظم أنحاء العالم، بالرابط بينهما الجسارة والقوة.

سواكن في كامل زينتها

عند مدخل مدينة سواكن التي تقع شرق الطريق القومي الرابط بين الخرطوم وبورتسودان لم يكن المشهد يختلف كثيراً عما كان عليه بالمطار وعلى طول المسافة إلى المدينة الساحلية الأثرية، فقد خرج مواطنو سواكن بأعداد غير مسبوقة لاستقبال البشير وأرودغان، ويبدو أن معتمد المحلية الشاب خالد سعدان قد بذل مجهودات مقدرة لإخراج الحدث الكبير في ثوب قشيب، فقد كانت سواكن أمس في كامل زينتها، وبعد الاستقبال الضخم توجه الوفد رفيع المستوى ناحية الجزيرة الأثرية التي تضم الآثار العثمانية.

الحياة تدب

الجزيرة التي توجه ناحيتها البشير وأوردغان تضم عددا مقدراً من المباني الأثرية التي شيدها العثمانيون قبل أكثر من مائتي عام، جزء كبير منها انهار بفعل عوامل الطبيعة خاصة الرطوبة العالية لوقوعها بالقرب من البحر المالح، إلا أن مباني فيها بدأت الحياة تدب في أوصالها إثر إخضاعها لعمليات ترميم وصيانة واسعة من قبل منظمة تيكا التركية المختصة في ترميم وإعادة بناء الآثار التي بدأت عملها بترميم المسجد الشافعي والحنفي، بالإضافة إلى مبنى المحافظة الذي كان مقراً للاتراك خلال فترة حكمهم للسودان ويحتوي على (16) غرفة بالإضافة إلى باحات وقاعات أخرى، وكذلك مبنى الجمارك في العهد التركي الذي أعاد الوفد الضخم إلى قاعته الرئيسية ذكريات الماضي حينما كانت تعج بالحركة .

صلاة وتأمل

قبل أن يتوجه الوفد إلى بمنى الجمارك الأثري أختار البشير وأوردغان زيارة المسجد الحنفي الذي خضع لعمليات تأهيل واسعة، وأدى الرئيسان ركعتين داخله، وبعد خروجه من المسجد وكأنه قد تأثر بالأجواء الروحانية والاحتفالية فقد طلب أوردغان أن تترك لدولته مهمة تأهيل الجزيرة الأثرية، ولم يجد البشير غير النزول على رغبة ضيفه ووافق على أن تتولى الحكومة التركية تأهيل المباني الأثرية، وبعد ذلك توجه الرئيس ناحية البحر وألقيا نظرة عليه وهما يقفان في ساحله حيث تم تقديم شرح وافٍ لضيف البلاد عن المكان الذي كان يقف به داخل الجزيرة الأثرية الذي كان مرسى للسفن القادمة في عهد الدولة العثمانية إلى سواكن من مختلف أنحاء العالم وهي تحمل بضائع وواردات الى مختلف الدول الأفريقية، وكان الرئيس التركي يصغي للشرح باهتمام .

إلى القاعة

بعد دقائق على الهواء الطلق وفي ظل أجواء جميلة توجه البشير وأرودغان ناحية قاعة بمبنى الجمارك الأثري خضعت هي الأخرى لأعمال الترميم فاكتست حلة زاهية وما زاد من جمالها الحضور الكبير الذي استقبل الرئيسين بالهتافات، اكتفى البشير وأرودغان بتحية الحضور ، وتركت مهمة الحديث للوالي علي أحمد حامد الذي مضى أيضاً في طريق إعادة ذكريات الدولة العثمانية حينما أوضح في كلمته أنه وعلى بعد مائة كيلو من سواكن كان الأتراك يمتلكون مشروعاً زراعياً "ممتاز باشا " كان يزرع القطن بدلتا طوكر، وعرج الوالي في حديثه عن الاتفاقيات التي أبرمتها الحكومة مع الجانب التركي، وبعد انتهاء حديث الوالي تركت الفرصة لعمد ومشايخ سواكن الذين قدموا هدايا تاريخية لضيف البلاد أوردغان منها عملة تركية كانت متداولة في عهد الدولة العثمانية ومخطوطات وقد بدا سعيداً بها.

تغيير حقيقي

عقب مغادرة الوفد الكبير لمدينة سواكن سألت معتمد المحلية خالد سعدان عن الحدث الاستثنائي الذي شهدته مدينة سواكن امس فبدا سعيداً بأن يزورهم البشير ورجب طيب أوردغان، وقال لـ(الصيحة) إن الرئيس التركي وبإعلانه تأهيل حكومة بلاده للجزيرة الأثرية وضع سواكن في العتبة الأولى لتكون من أكثر المناطق في العالم جذباً للسياح، مؤكداً على أن السياحة باتت من أهم الموارد التي لا تحتاج إلى مدخلات إنتاج وتدر على الدول عملات حرة بعيداً عن حسابات الربح والخسارة، مبيناً أن تأهيل الجزيرة الأثرية من شأنه جعل سواكن جاذبة للسياح من مختلف أنحاء العالم لتمتعها بخلاف الآثار بالساحل النقي الذي يتيح ممارسة رياضة الغطس والصيد تحت الماء، متوقعاً أن تشهد المرحلة المقبلة تشييد فنادق ومنتجعات، ويرى أن الزيارة كانت محل تقدير واهتمام من كل أهل سواكن .

توجيهات وشراكات

الزيارة التاريخية لم يقتصر خيرها على محلية سواكن التي أعلن الرئيس التركي تكفل بلاده بتشييد وتأهيل المباني الأثرية فيها بل وجه بعد وصوله المطار بأن تسير الخطوط الجوية التركية رحلات بين العاصمة اسطنبول ومدينة بورتسودان، ويكشف مستشار والي البحر الأحمر للإعلام، عبد الرحمن علي، في حديث لـ(الصيحة) عن أن الرئيس التركي لم يكتف بهذا التوجيه بل أردفه بآخر حاثاً خلاله رجال المال والأعمال الأتراك الدخول في شراكات مع حكومة ولاية البحر الأحمر في كل مشاريع التنمية والاقتصاد بالولاية، معتبراً أن هذا مكسباً كبيرًا سيعود بفوائد لا تحصى ولا تعد على مواطني البحر الأحمر لأن الشراكات يتوقع أن تشمل الجوانب الصناعية والزراعية والسياحة والمعادن.

توقيت ملائم

رجل الأعمال ورئيس الغرفة التجارية السابق بولاية البحر الأحمر، محمود صديق، قابل توجيهات الرئيس أوردغان لرجال المال والأعمال الأتراك بسعادة كبيرة وتفاؤل، مؤكداً في حديث لـ(الصيحة) عن امتلاك ولاية البحر الأحمر للكثير من الموارد التي تحتاج لرؤوس المال الأجنبي والتقانة المتطورة للاستفادة منها، ضارباً المثل بالأراضي الخصبة بدلتا طوكر والمعادن والسياحة ،مبيناً أن تركيا باتت من أكبر الدول تطوراً في الاقتصاد وأن التعاون معها من شأنه أن يعود بفوائد كبيرة على اقتصاد البحر الأحمر والسودان عامة.

وداع وتحايا

بعد ثلاث ساعات وربما قليل عاد الرئيس التركي رجب طيب أوردغان أدراجه ناحية مطار بورتسودان عائداً إلى الخرطوم التي قدم فيها أمس محاضرة بقاعة الصداقة ، غادر البحر الأحمر بعد أن ترك بصمة على جدارها وبعد أن خلفت في دواخله ذكرى طيبة لنجاحها في ربطه بين ماضي أسلافه وحاضر أحفادهم.

0 صوت
التعليقات : تعليق
« إضافة تعليق »
اضافة تعليق
اسمك
ايميلك

/500
تعليقك
8 + 6 = أدخل الكود