"الصيحة" في موقع الحدث بمروي "النز".. آفة جديدة تصطاد منازل الشمالية

عرض المادة
"الصيحة" في موقع الحدث بمروي "النز".. آفة جديدة تصطاد منازل الشمالية
تاريخ الخبر 25-12-2017 | عدد الزوار 1745

الطفح المائي يهد المنازل ويهدد أشجار النخيل والموالح

ارتفاع منسوب المياه الجوفية يلامس سطح الأرض

انهيار (96) منزلاً وتصدُّع أكثر من (600) في منطقة مروي

مواطنون يفترشون الأرض النابع منها الماء خشية انهيار البيوت

معتمد مروي يتعهد بحل المشكلة ورئيس الجمهورية يوجه بإجراء دراسات

تحقيق: محجوب عثمان

منذ مئات السنين اتخذ أجدادهم المنطقة مساكن ومزارع ليعيشوا فيها وظلت الحياة تمضي بهم بكافة تقلباتها لكنهم صامدون يجارون التطور والنهضة العمرانية كل منهم "يجابد" ظروف الحياة في مساحات زراعية ضيقة يزرع فيها ليبيت آمناً في سربه ضامناً قوت يومه.. وما كان يطوف بخيالهم أن الأرض التي أحبوها وأعطتهم بقدر حبهم ستنتفض عليهم ذات يوم لينبع ماؤها الجوفي ويلامس السطح فيما يعرف بظاهرة الطفح المائي "النز" الذي يذيب "ساسات" المنازل بتراكم المياه لتنهد منازلهم فوق رؤوسهم وتعمل المياه عملها في جدور النباتات والأشجار تعفنًا لتموت أشجار النخيل واقفة لتشهد التاريخ على أن خطأ الإنسان يتحمله الآخرون دائماً... ذلك ما حدث في مناطق واسعة بالشمالية، إذ وجد المواطن نفسه دون سابق إنذار يفترش الأرض النابع منها الماء ويتغطى بالسماء التى يجلد زمهرير شتائها جسده المنهك.

انهيار تام

مشكلة الطفح المائي أو "النز" كما يطلق عليها السكان المحليون ظهرت مؤخراً في عدد من المناطق بالولاية الشمالية مثل البرقيق في أقصى الشمال، ومناطق في تنقاسي ونوري وأطراف مدينة كريمة، إلا أن منطقة الرجيلة التابعة لمدينة مروي تعد الأكثر تأثراً بالظاهرة التى تسببت في انهيار (96) منزلاً انهيارًا تاماً وتصدع أكثر من (600) منزل آخر، إذ لم يسلم أي منزل في المنطقة من التأثير فضلاً عن تأثر الأشجار والمغروسات والمحاصيل..

تلك المشكلة حركت الولاية لتتفاعل معها بالصورة المطلوبة ـ كما سنفصل لاحقاً ـ لدرجة أن رئيس الجمهورية المشير عمر البشير وجه خلال خطابه في افتتاح النسخة الرابعة لمهرجان البركل الأحد الماضي بمعالجة الظاهرة سريعاً.

الحديث عن منطقة الرجيلة دفع (الصيحة) لتقف على حقيقة الأوضاع في المنطقة، فكانت الزيارة التي بينت أن من يرى ليس كمن يسمع، إذ أن الدمار الذي وصلت إليه المنطقة كان شاهداً يقودك إليها دون وصف، فالأرض تحولت إلى اللون الأسود أو البني الغامق بفضل تسرب المياه للسطح وتحولت إلى طين يخلف بقع ماء كلما وطأته رجل في السير العادي والمنازل منهارة وبعض الأشجار ميتة واقفة، بينما تحول لون أوراق شجر الموالح إلى الأصفر في طريقه للتساقط بينما امتلات بعض المناطق المنخفضة بالمياه النابعة من الأرض لتكوّن بركاً على السطح صارت منتجعاً للكلاب الضالة والهوام.

مزرعة عوض الله

بدايتنا كانت في مزرعة إدريس عوض الله الواقعة شرق حكى لنا فيها عن بداية المشكلة، مبيناً أنها ظهرت قبل نحو عامين ببقع سوداء صغيرة ثم ما لبثت أن انتشرت بكثافة لتعم كل المنطقة قبل أن تبدأ جذور المغروسات من البرسيم والأعلاف في التعفن وتظهر ملوحة في الأرض لتحولها إلى أرض غير صالحة للزراعة... إدريس قال إنه عندما أراد الزراعة في هذه المنطقة قام بحفر بئر إرتوازية عمقها (7) رجال "نحو 10 أمتار" قبل أن يقوم بالحفر العميق مسافة (30) قدماً ليتحصل على المياه الكافية، لكن الآن امتلأت البئر التي حفرها عن آخرها، وأصبح من الممكن أن تتناول منها المياه بوعاء بيدك وأنت على سطح الأرض... ويشكو إدريس من تأثير قرب المياه من السطح إلى جذور الأشجار والمغروسات، مبيناً أن ذلك سيكون السبب في موتها طال الزمن أم قصر.

حوادث مؤثرة

قادني عدد من الشباب لمنزل في واجهة القرية وبعد أن دخلته وجدت أن جميع غرفه سقطت على الأرض عدا غرفة واحدة آيلة للسقوط أيضاً لما يظهر من تآكل أساسها التحتي وتساقط أجزاء من "البياض" في جدرانها.. داخل الغرفة وجدت الشاب فتح العليم حبيب البالغ من العمر نحو (25) عاماً يرقد على سريره ورجله اليسرى محاطة بـ"الجبص" أخبروني بأنه عندما بدأت غرف البيت الأخرى في التساقط حاول أن يخرج منها كل ما يقدر عليه بعد أن اطمأن على خروج والده وبقية الأسرة، لكن سقط عليه فتسبب في كسر رجله، فأصبح طريح الفراش تحت سقف قد ينهار عليه في أي لحظة..

حادثة فتح العليم ليست الوحيدة، فقبلها تسببت الأرض الطينية الزلقة في انزلاق دراجة بخارية كان يمتطيها أحد شباب القرية مسببة له كدمات وجروحاً رتبت نقله للمستشفى، فضلاً عن حوادث الانزلاق الكثيرة التي حدثت لمواطني القرية بفعل الأرض الزلقة.

قصة الـ(96) منزلاً

لكل منزل من المنازل التي انهارت قصة مختلفة لكن جميعها تتوافق في أنها تركت أصحابها بلا مأوى، فبعضم اكتفى بأن يشيد "راكوبة" من جريد النخل وبعضهم ارتحل ليقيم في منزل أخيه أو أبيه الآيل للسقوط في انتظار المجهول، غير أن البعض الآخر آثر الخروج من دائرة الخطر وخرج بقليل متاع ليعيش خارج منزله.. منازل تهدمت وكل متاع أهلها بالداخل وأخرى انهارت على رؤوسهم وآخر سقط سقفه على العفش داخله ولا يزال العدد يرتفع كل يوم لينضم ضحايا جدد إلى قائمة المتأثرين.. خاصة وأن جميع المنازل امتد إليها "النز" ولم يسلم منها حتى مسجد القرية الذي تم تشييده في أكثر منطقة مرتفعة فيها.

لكن كل من في القرية يحكي بتأثر قصة العريس سيد أحمد محمد سيد أحمد الذي جمع ما لديه ليبني منزله قاصداً أن يكون جنته الصغيرة التي تضمه وعروسته لكن قدر "النز" كان له رأي آخر ليسقط المنزل قبل أن تكتمل فرحته

قصة خور أبو دوم

في خور أبو دوم الشهير في مدينة مروي، بدأت المياه تظهر في شكل برك صغيرة لم تلبث أن تجمعت لتشكل نهراً جارياً ما جعل المزارعين المالكين للمزارع حول الخور أن يقوموا بتركيب مضخات لسحب مياه الخور لري مشاريعهم فاستمر تدفق المياه حتى أكمل ري موسمين قبل أن تبدأ المياه في الانحسار وتجف مؤخراً.. وحتى هذه اللحظة لم يعلم أحد من أين جاءت المياه بهذه الكميات الكبيرة التي تكفي لري أكثر من (250) فداناً لموسمين كاملين، ولا يعلمون أيضاً أين ذهبت ولماذا جفت، كل ما قاله المزارعون لـ(الصيحة) أنهم وجدوا مياهاً أفضل من المياه الجوفية وتماثل مياه النيل نقاوة وطعماً ولوناً فآثروا الاستفادة منها إلى أن جفت.

سبب المشكلة

تختلف التقديرات في أسباب مشكلة "النز"، لكن أصابع الاتهام تشير لمشروعات زراعية قريبة أقيمت في التروس العليا ذات التربة "الخشخاش" المتفككة التي تسمح بتسرب المياه فيما تمر ترع إلى الخاصة بتلك المشروعات قريباً من المناطق المتأثرة، ذلك ما أفاد به عدد من سكان تلك المناطق في حديثهم لـ(الصيحة) لكن آخرين يرون أن المياه الجوفية في المنطقة عامة أصبحت قريبة من السطح لزيادة المخزون الجوفي بتسرب كميات من المياه المخزونة في بحيرة سد مروي مستدلين على أن المياه كانت دائماً ما تكون على عمق 10 إلى 15 متراً تحت سطح الأرض، لكنها أصبحت الآن على بعد 5 إلى 10 أمتار فقط.

مشروع اللار

في منطقة الرجيلة التي نركز عليها هنا، يرجع كل أهل المنطقة المشكلة إلى مرور ترعة مشروع اللار الزراعي الذي تبلغ مساحته (5) آلاف فدان بالقرب من القرية، ويرون أن تصميم الترعة فيه خطأ يمنع انسياب المياه إذ تم حفر الأرض لتمر المياه، بينما كان الأفضل لانسياب المياه أن يتم تشييد ردم على سطح الأرض، ويوضحون أن شق الترعة في باطن الأرض جعل المياه تركد بداخلها لفترات طويلة تتسرب فيها لباطن الأرض خاصة وأن الحفر عادة ما يدمر الطبقة السطحية المتماسكة ويتصل مباشرة بطبقة هشة تسمح بتسرب المياه بكثافة، وإن كان المواطنون قد بدوا مقتنعين بصحة تلك الرواية فإن ذلك يعود كما قالوا لتقارير جيلوجية قام بإعدادها عدد من الخبراء الذين زاروا المنطقة، وكانت خلاصتها أن السبب يكمن في ترعة مشروع اللار.

إيقاف المشروع

ما إن اقتنع المواطنون بذلك الزعم إلا وأسرعوا لمعتمد مروي الذي وعدهم بحل المشكلة وعمل على ذلك لكن مع سرعة انتشار النز آثر المواطنون اتخاذ خطوة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه فكان أن سيروا موكباً لموقع بيارة مشروع اللار وطالبوا المسؤول بوقف ضخ المياه من النيل وكادت الأمور أن تخرج عن السيطرة، كون أن المشروع يعد واحدًا من مشاريع الأمن الغذائي وأن عدد من مزارعيه قد بدأوا الموسم الشتوي لكن مع أصرار المواطنين تم إيقاف ضخ المياه منذ نحو (10) أيام لمحاولة إصلاح الخلل.

مشكلة مؤرقة

معتمد مروي مبارك شمت يقر بوجود المشكلة ويؤكد أنها مؤرقة له ولمواطني المحلية، ويقول شمت إن المشكلة موجودة في عدد من المناطق بداخل المحلية ومناطق خارج المحلية، لكنها ظهرت بصورة واسعة في منطقة الرجيلة وأثرت على عدد كبير من المنازل كما ظهرت في مناطق "الغُرَيبة وتنقاسي ومناطق في كريمة" وغيرها مبيناً أن المحلية اهتمت بها وأثارتها في خطاب المحلية أمام رئيس الجمهورية، مبيناً أن المحلية أعدت تصوراً متكاملاً لحلها بعد أن أثبتت التقارير الجيلوجية أنها نتاج المشروعات القريبة من تلك المناطق، وقال: "الآن المعالجة بدأت في منطقة الرجيلة بقطع ترعة مشروع اللار في المنطقة المتأثرة وإجراء معالجات عليها". وأضاف "لو أن هذه المعالجة نجحت سنعممها على بقية المناطق، لأننا نريد أن تكون الرجيلة نموذجاً لحل المشكلة"، موضحاً أن مشكلة النز تعدت المساكن للزراعة نفسها، ويقول "النز يؤثر حتى على الأشجار لأن الزراعة أصبحت متشبعة بالمياه وبدأت مرحلة تعفن الجذور"

مشكلة المشروع

لدى المعتمد المشكلة لا تنحصر في "النز" فقط لكنها تتعداها للمشاريع القائمة وبصورة أخص مشروع اللار فهو يرى أن تشبع أرض المشروع بالمياه واستمرار الري فيه سيفاقم المشكلة أكثر ولهذا فإن تصور المحلية كما يقول معتمدها شمت يمتد ليشمل المشروع أيضاً فهو يقول "التصور الموضوع للحل يحتم علينا أن نقلل المياه القادمة من البحر فضلاً عن العمل على توزيع أمثل للمياه داخل المشروع، بأن نزيد الرقعة المزروعة وتوزيع المياه عليها وأن يكون الري وفق حاجة النبات للمياه"، ويوضح أن تلك الرؤية تحتاج لمزيد من البحث، ويقول "نحن الآن محتاجون لمزيد من الدراسات العميقة "عشان نعرف بالتحديد الموية دي جاية من وين عشان ما نزيد نسبة المياه لأنها في النهاية بتأثر على الزراعة"

استشعار الخطورة

معتمد مروي يؤكد أن النز تترتب عليه خطورة كبيرة جدًا على المحلية الأمر الذي يحتم عليهم التحرك السريع لمعالجتها بصورة جذرية، مبيناً أن المعالجات التي تتم الآن معاجات آنية للآثار التي خلفتها ظاهرة النز، ويقول "مواطنو الرجيلة لابد أن نعالج لهم الأمر معالجة جذرية بأن نوفر لهم مخططاً سكنياً جديداً نعيد توطين من انهارت منازلهم فيه فضلاً عن الساكنين في المناطق المنخفضة عشان نقدر نحميهم ونساعدهم بأن نحاول أن نقدم بعض المعالجات لمن انهارت منازلهم، لكن المعالجة الجذرية يجب أن تشمل المشروع" وبيبن أن المحلية تسعى لاستصدار قانون من مجلس تشريعي الولاية يلزم كل ملاك الأراضي بزراعتها ليضمن توزيع المياه في مساحة واسعة تقلل من التسرب لباطن الأرض.

آمال

ما بين توجيهات رئيس الجمهورية وخطوات المحلية لحل المشكلة، تظل عين المواطن ساهرة ومترقبة وحذرة خشية انهيار منزل على رأسه وكل آماله أن تعود حياته إلى ما كانت عليه قبل أن تتمدد الظاهرة.. مواطنو المناطق المتأثرة يحملون المشاريع الزراعية حولهم مسؤولية الأمر لكنهم لا يطمعون في أن تستجيب الحكومة بإعادة النظر في تلك المشروعات أو إلغائها متى ما ثبتت مسؤوليتها تجاه ما يحدث، لكنهم فقط يطمعون في أن تحمل الحكومة أصحاب المشروعات أو تتحمل هي مسؤولية ونفقات إنهاء الكابوس الذي أرقهم كثيراً.

0 صوت
التعليقات : تعليق
« إضافة تعليق »
اضافة تعليق
اسمك
ايميلك

/500
تعليقك
6 + 2 = أدخل الكود