الخرطوم.. جرد حساب أولي لخطة الـ(100) يوم 5ـ5

عرض المادة
الخرطوم.. جرد حساب أولي لخطة الـ(100) يوم 5ـ5
تاريخ الخبر 22-12-2017 | عدد الزوار 1902

اقتصاديات النفايات.. ارتفاع في الرسوم وانخفاض في التدوير

اقتصادي: لا بد أن تتنازل المالية وتحويل القطاع إلى سوق استثماري

مصرفي: الرسوم تدر (50) مليون جنيه في منطقة الخرطوم شمال

وزير البيئة: مصنع تدوير النفايات يستأنف عمله نهاية العام الجاري

الشفافية: يجب طرح العقود مع الشركات في عطاءات مفتوحة وشفافة

الخرطوم: إنتصار فضل الله

واحدة من الأسباب التي أدت إلى ترشيح (أوردغان) رئيساً لوزراء تركيا أنه عالج مشاكل أساسية عندما كان رئيساً لبلدية (إسطنبول)، التي كانت تعاني في ذلك الوقت من ثلاث مشاكل وهي (النفايات ـ المياه ـ الكهرباء )، فقام بوضع خطة لمعالجة الأزمات الثلاث بشكل جذري، فاتخذ قراراً بتحويل هذه المشاكل التي كانت مصدر قلق للمحلية إلى موارد اقتصادية ساهمت في دعم التنمية وحولت المنطقة إلى جزيرة سياحية خالية من الأوساخ بعد أن قام بتوحيد حساب البلدية ومن ثم تعاقد مع شركات ضخمة على تحويل النفايات إلى منتج للكهرباء، بالتالي أصبح قطاع (القمامة) مجالاً للتصنيع الخصب، وذلك من منطلق أن المخلفات الموجودة في النفايات في الأساس مصنعة، وكان لا بد من تدويرها بشكل جيد.

فرز مؤسس

ولتحقيق الهدف المنشود أصبح هناك فرز كبير لكل صنف على حدة كـ(السيوم ـ البلاستيك ـ والأطعمة ـ والأكياس) وغيرها، وتم تدويرها بشكل مؤسس وفقاً لخطة محكمة ودراسات علمية أشرف عليها أرودغان بنفسه، مما سهل عملية إرجاع النفايات إلى منتجات يتم تداولها في السوق على مدار السنة، وقد خلقت هذه السياسة شركات محلية ضخمة وجدت التمويل من الحكومة عبر ضمانات وتسهيلات أخرى، وقد ساعدت الشركات حتى في إصلاح قطاع المياه والكهرباء، بالتالي أصبحت اسطنبول جنة الله في الأرض ومثلاً يحتذى في النظافة.

وفي ظل تمكن الكثير من دول العالم في القضاء على قطاع (المخلفات) والاستفادة منه كمورد اقتصادي، فإن دول العالم الثالث والسودان واحد منها تعاني من الإدارات الفاشلة كما يقول خبراء البيئة، وتعيش فوضى تعدد الشركات الرسمية والشركات التي قامت بشكل وهمي الهدف منها الترضيات والمأكلة غير المشروعة مع تواجد وتكاثر (القمامة).

تفاوت وقصور

النفايات مورد اقتصادي في كل الأحوال، سواء من خلال الرسوم التي يدفعها المواطن مقابل خدمة التخلص منها، أو إعادة تدويرها وتسويقها مجدداً من جانب الدولة، وفي ولاية الخرطوم تتعدد الرسوم وتختلف، فمن خلال جولة قامت بها (الصيحة) شملت الأحياء والأسواق والمصارف والشركات وغيرها من المؤسسات والوزارات، اتضح حجم الفروقات في التحصيل الشهري، حيث تراوحت الرسوم الشهرية المفروضة على المنازل بحسب الدرجات ما بين (16 ـ 50) جنيهاً، فيما شهدت الرسوم المفروضة على المحال التجارية زيادة كبيرة بلغت (98) جنيهاً بدلاً عن (75) جنيهاً بزيادة (23) جنيهاً، فيما تراوحت الرسوم المفروضة على المصارف وغيرها من المنشآت والوزارات ما بين (100) جنيه ـ 3000) جنيه شهرياً، وانتقد عدد من المواطنين سياسة جمع المال دون توفير خدمة ملموسة، وكشفوا عن معاناتهم من تراكم النفايات داخل المنازل وفي الشوارع، وأكدوا ظهور (الكوش) في الكثير من المناطق، مبينين أن غياب العربات انعكس على ميزانياتهم اليومية لأنهم يتخلصون من النفايات بواسطة العمالة الجنوبية التي تطوف المنازل لحملها مرتين في الأسبوع مقابل أجر يتفاوت من (20 ـ 30 ) جنيهاً حسب حجم القمامة.

قيمة إضافية

(صلاح مصطفى محمد) صاحب مطبعة صغيرة، أفاد بأنه يسدد مبلغ (390) جنيهاً شهريا رسوم نفايات ولا توجد خدمة ملموسة، بالرغم أن قصاصات الورق التي تنقلها العربات من فترة إلى اخرى يمكن إعادة تدويرها والاستفادة منها في صناعة أطباق البيض، وصناعة الكراتين وفي تعبئة الفواكه ونقل الزجاج بوضعها بين الألواح، وفي هذه الحالة تشكل قيمة إضافية اقتصادية للجهات المعنية بالنفايات، بالتالي تعود بالفائدة للتنمية والخدمات والمواطن مما يؤدي إلى تحسين مستوى المعيشة.

أما (محمد عبد الله) مدير مركز علاجي بالخرطوم ويسكن شمبات الجنوبية يشكو من معاناتهم في نقل النفايات ويفيد من خلال تجاربه الشخصية أن معظم العمال المكلفين بنقل النفايات فاقد تربوي ولا يجيدون التعامل مع المواطنين ويساهمون بشكل مباشر في تشتيتها في الطرقات، مؤكداً أن سلوكهم دون جدوى، فهناك حالات (سكر) والبعض منهم يعمل وبيده عبوات (السلسيون)، ويرى أن هذه السلوكيات تدخل ضمن مسببات الأزمة وتنعكس على موارد المواطنين.

صرف إضافي

ولكن المواطنة (حنان الطيب) التي تسكن بري أفادت بأنهم رغم سداد الرسوم المقررة كانوا يعانون من عدم نقل النفايات، إلا أنهم حددوا مبلغا خاصاً تدفعه الأسر لبعض من عمال النظافة، وبذلك تمكنوا من نقل نفايات المنطقة بأكملها، وترى في هذا أثراً اقتصادياً سلبياً يعود عليهم وينعكس على الموارد بشكل مباشر، وتساءلت عن أوجه صرف رسوم النفايات التي تتحصل عليها المحليات والشركات شهرياً، ودعت إلى أهمية مراجعتها من قبل المراجع العام ومحاسبة المقصرين في القطاع من النواحي المالية، أما (أماني عمر الحاج) مدير تنفيذي لوكالة سفر تقول إنها تسدد مبلغ (195) جنيهاً شهرياً، ورغم ذلك لا توجد لديهم نفايات تستحق هذا المبلغ، ولكنها تواجه مشكلة في أن البعض يتخلصون من نفاياتهم ويتركونها أمام الوكالة.

مرتفعة التكاليف

تصل رسوم النفايات المفروضة على المصارف شهرياً حوالي (2,925) جنيهاً بحسب مصدر مصرفي فضل حجب اسمه، موضح أن هذا المبلغ مفروض على رئاسات البنوك وتتحصل عليه شركة (كوستيلا) للاستثمار والأنشطة المتعددة التابعة لمشروع نظافة قطاع الخرطوم شمال، وهناك رسوم أخرى مفروضة على أفرع مختلف البنوك الواقعة في الخرطوم شرق، مشيراً إلى أن العقود يتم تجديدها كل شهرين أو ثلاثة شهور، وفي بعض الأحيان لا تهتم الجهة المتحصلة بمسألة العقود المهم لديها التحصيل المالي الشهري، وأضاف: في كثير من الأحيان تتراكم النفايات ويوجد قصور في نقلها مما يدفع بعض المصارف إلى تركها أمام البوابات الخارجية، وفي هذه الحالة تفرض عليهم المحليات غرامات مالية لتشويه المنظر العام، يصاحب ذلك المطالبة بتخصيص مكان داخل البنك لحفظ الأوساخ إلى أن تأتي عربة النفايات، وبدورها تقوم الشركة بفرض رسوم أخرى تحت مسمى (خدمة إضافية) مما يحق لهم زيادة المبلغ المالي لأنهم ينقلون النفايات إلى الخارج عبر عمالتهم، ووصف ذات المصدر هذه العملية بالاستغلالية وأن المبالغ التي تدخل الخزينة شهرياً تحت بند (النفايات) بحاجة لمراجعة، خاصة أن حجم التحصيل المالي من منطقة الخرطوم شمال وحدها يفوق الـ(50) مليار جنيه في السنة.

شركات لحظية

النفايات ليست قمامة بل هي مصدر دخل لا ينضب، ويجب التعامل معها كقيمة اقتصادية وبمثابة دخل إضافي للمجتمع، خاصة وأن هناك دولاً تستوردها بمبالغ طائلة، هذا ما اتفق عليه الخبراء والمراقبون الذين قالوا إن هناك دولاً قطعت شوطا كبيراً في إعادة تدوير النفايات، وأصبحت تستوردها من الدول النامية، بالتالي أضحت من الموارد التي يمكن تصديرها إلى تلك الدول بعد نقلها وفرزها محلياً حسب الضوابط المتعارف عليها، غير أن الشركات القائمة بولاية الخرطوم بحسب الخبير الاقتصادي (أحمد مالك) شركات لحظية نشأت من خلال عملية منح العطاءات بالمحسوبية لأفراد لا قدرة لهم على نقل (القذارات)، ودائمًا ينضوون تحت فئة الضباط المعاشيين، وبعض الوزراء العطالى الذين تربطهم مصالح مع المسؤول من التصاديق على إنشاء شركات تمثل مصدر دخل مؤقتاً قبل إغلاقها، ورغم ذلك هناك تحصيل ضخم جداً للرسوم الشهرية بدون توفُّر الخدمات .

غياب الرقابة

ويتابع (مالك) حديثه مشيراً إلى أن القصور الحالي في نقل النفايات مسؤولية الجهات العليا المعنية بالبيئة والاستثمار، فالقضية كما يراها بحاجة لتنظيم هيكلي وإداري مع المتابعة والرقابة اللصيقة، وأن لا تترك الجباية والرسم الشهري للمحليات خاصة وأن هناك تنازعاً في السلطة بينهم والجهات المعنية بالبيئة، ويؤكد وجود فشل ذريع جداً يستعصي معه تحول القطاع إلى مورد اقتصادي، رغم أن دخله في الميزانية كبير، ولكن لا يتم التعرض إلى تحليل هذه المبالغ ومعرفة أوجه صرفها، بالتالي يدفع الثمن المواطن والبلد والخرطوم التي ستظل (كوشة) كبيرة دون معالجات، وهو أمر مؤسف خاصة أن هناك هياكل ضخمة ومعتمدين ووزراء للبيئة وكمية كبيرة جدا من الدرجات السيادية بعضهم لا كفاءة لهم ولا يستطيع أحد أن يسألهم في أي مأكلة، فالآن الولاية تحتاج لمحافظ واحد وضابط صحة مهني عنده هيكل منظم على أن يدير الخدمات بكفاءة دون تدخلات من أي جهة، وحتى تصبح الخرطوم (اسطنبول ) أخرى يجب أن تتنازل وزارة المالية من استبدادها للأموال، ومعالجة القضية بعيدًا عن الفوائد الشخصية.

وضع مزرٍ

الخبير المالي (عادل زين العابدين) قال: هناك ارتفاع كبير جداً في رسوم النفايات تفرضها المحليات، وهناك كمية كبيرة جداً من النفايات ولا توجد مصانع لإعادة تدويرها، ووصف الواقع الموجود بالمزري جداً فهناك مفتشون وغرامات وأصبحت الجهات المعنية تترصد الناس، تزامن مع ذلك بروز موضوع البيئة الذي أصبح ملازماً للقضية التي تسببت في إغلاق بعض المستشفيات والمراكز الصحية الخاصة والعامة التي عجز أصحابها عن سداد الرسم الشهري، وبحسب رؤيته فإن المسألة مزعجة جداً لأن هناك شركات ومنشآت أضحت تتخلص من النفايات بالقرب من المساحة الخالية التي تحيط بها وهذا تلوث بيئي يدمر الاقتصاد القومي، مشدداً على أن النفايات من الخدمات التي لا يستغني عنها المواطنون، ولكن الرسوم التي تجمع من المواطنين لا تذهب لوزارة المالية وحتى الجهة التي يتم توريد المبالغ إليها مجهولة تماماً، وهذا ما حولها إلى عبء اقتصادي.

مناقصات وأرباح

الخبير البيئي (آدم الريح) يوضح أن فرز القمامة يجعل لها قيمة اقتصادية تساهم في كل الخدمات والمجالات الأخرى، وبالإمكان من بعد ذلك بيعها كجزء من المناقصات الشهرية التي يمكن عملها والبيع للتجار بأسعار مناسبة، وتأسف على التخلص من (7) آلاف طن قمامة يومياً بدون إعادة إنتاجها، ويتحمل تكلفة نقلها المواطن عبر الرسوم المفروضة عليه، وانتقد وجود شركات متعددة المسميات باتت تحتكر القطاع وتفرض شروطها، وفي الغالب لا تستمر في العمل لأكثر من عام، وبالمقابل هناك مكبات قمامة ضخمة على أطراف المحليات، ولكن وجودها لم يغير شيئاً بل خلق أزمات بيئية أخرى حاربها مهتمو البيئة، مطالباً بالاستفادة من تجارب الدولة الناجحة في القطاع، ووضع النفايات تحت المجهر والعمل على تصديرها في ظل أن الصادرات السودانية تواجه ضعفاً ومشاكل كبيرة .

عدم التزام

دكتور (الطيب مختار) من منظمة الشفافية السودانية منشغل ومنذ سنوات بمشكلة النفايات في الخرطوم، ويرى أنه بالإمكان خفض رسومها إلى النصف، ويطالب بضرورة مراجعة العقود التي يتم تجديدها سنوياً أو كل سنتين بواسطة مراجعين، ويقول: من المفترض أن تطرح العقود في عطاءات مفتوحة وشفافة وأن توضح فيها الالتزامات والعقوبات، واصفاً عدم تقديم خدمة مقابل أخذ المال من المواطن بالفساد المنضوي تحت (استخدام السلطة)، مما دفع بعض المواطنين أن يطلبوا من المحليات إعطاءهم جدول عمل العربات حتى يعرفوا متى تأتي، ورهنوا تسديد الرسوم الشهرية بمعرفة الساعة واليوم الذي تأتي فيه العربة.

تأخر وتعثر

في الوقت الذي درس فيه العالم كيفية فرز المواد الناتجة عن النفايات ودعم بها الاقتصاد، ما زال الوضع في العاصمة متعثرا حتى في كيفية نقلها إلى المحطات والمرادم، كما كشفت بعض المصادر أنه لا توجد سوى حراقات بيئية متواضعة، وتريد الولاية البدء في التدوير لاحقاً وطالبوا بأهمية إنشاء حراقات بيئية متطورة لا تؤذي الإنسان مع أهمية إيجاد مصانع لإعادة تدوير القطاع بأكمله، وفي هذا الجانب أفاد الوزير (حسن إسماعيل سيد أحمد) ورئيس المجلس الأعلى للبيئة والترقية الحضرية بأن هناك مساعي جادة لتحويل القطاع إلى مورد اقتصادي يساهم في التنمية، وذلك من خلال التفاهمات مع الشركات الإيطالية والتركية التي سوف تعمل على إعادة تشغيل مصنع تدوير النفايات المتعطل منذ سنوات، مؤكداً أن عمل إعادة التشغيل سوف يبدأ بنهاية العام الجاري .

0 صوت
التعليقات : تعليق
« إضافة تعليق »
اضافة تعليق
اسمك
ايميلك

/500
تعليقك
2 + 9 = أدخل الكود