(الصيحة) تقف على تخوم المثلث المحتل 2-3

عرض المادة
(الصيحة) تقف على تخوم المثلث المحتل 2-3
تاريخ الخبر 18-12-2017 | عدد الزوار 1950

حلايب.. صحو الذكرى المنسية

مواطن: حلايب تتعرض لظلم واضح من الحكومة

السكان المحليون يمتهنون مهنة العتالة ولكن ..!

شاب: "نحن منو وتابعين لياتو دولة "؟

حكومة البحر الأحمر تفترع خطة لتطوير المحلية المنسية

مواطنون: نتعرض للتضييق والاعتقالات بالجزء المحتل

حلايب: صديق رمضان

أبرع السينارست وأعلاهم كعباً وأكثرهم موهبة وأوفرهم إبداعاً، كان في تلك اللحظة سيعجز عن ترجمة ذلك المشهد التراجيدي إلى نص لأن عواطفه كانت ستهزمه ولن يجد أمامه غير وضع القلم جانباً لتأمل موقف يجسد الصدق في أبهى صورة، فحينما رحب بنا معتمد محلية حلايب بمكتبه بمدينة أوسيف، كان علينا توجيه الأسئلة إليه في مؤتمر صحفي مصغر ضم ست صحف، فابتدر زميلنا بصحيفة أخبار اليوم حافظ الخير طرح الأسئلة عن أحوال المواطنين في الجزء المحتل من المحلية، غير أن الصحفي الشاب لم يستطع تمالك أعصابه فلم يجد للتعبير عما يعتمل بدواخله من غبن غير أن يدخل في نوبة من البكاء، دموع انهمرت منه دون أن يتمكن من إيقافها، لتتسلل أيضاً من أعين من كانواً جلوساً، لحظات مضت بطيئة ساد فيها الصمت وتدثر الجميع برداء الحزن وربما الغضب، وفي رواية أخرى تملكتهم روح الغيرة على أرض انتزعت عنوة وظللنا طوال عقدين ويزيد عاجزين عن استردادها، ويبدو أن الزميل حافظ الخير لا يبكي عن الحاضر بتجلياته المؤلمة، فربما كان يحمل هم المستقبل حينما يسأله أبناؤه عن أسباب تفريطنا في أرض سودانية الهوى والهوية.

مقارنة

فضلنا أن نعقد مقارنة بين التعليم هنا وفي الجزء المحتل لعلمنا التام أن المصريين شيدوا عشرات المدارس لتوفير التعليم المجاني للسودانيين في أرضهم المحتلة، وحينما سألنا عن عدد المدارس في حلايب غير المحتلة علمنا أنها تبلغ ثماني "نعم ثماني فقط"، في محلية كاملة توجد ثماني مدارس أربع منها بمدينة يوسف.

وقبل أن يرتفع حاجب الدهشة لدينا هون علينا المعتمد الشاب السمري بقوله إن العدد في الماضي القريب جداً لم يتجاوز المدرستين فقط، فحكومة الولاية الحالية ومن خلال تجوالنا تأكد لنا أنها عملت أولاً على فك الاختلاط في مدرستي الأساس والثانوي بأوسيف بتشييدها مدرستين، ولم تكتف بذلك بل أعادت ذكرى الداخليات التي وأدتها الانقاذ مثلها والكثير من الأشياء الجميلة بالبلاد، فأوسيف اليوم تعد من المحليات القلائل في السودان التي توجد بها داخلية للطلاب تقدم فيها الوجبات مجاناً مثلما كان حادثاً في عهد السودان النضير قبل العام 1989، أما المدارس الأربع الأخرى فهي نصفية بعدد من القرى، رغم أن كل عدد التلاميذ في محلية حلايب لا يتجاوز في المدارس الثمان، ألف ومائتين إلا أنه مقارنة بالماضي يعد الرقم أفضل، ولكن في نظرنا يظل ضعيفاً ومتواضعاً، ولكن أن تأتي متأخراً خير من ألا تأتي، ومن ضمن هذا العدد ثلاثة عشر طالباً حضروا من المثلث المحتل للدراسة وفقاً للمنهج السوداني، حاولنا الالتقاء بهم لأنهم أبصروا النور وهم تحت الاحتلال، ولكن خشينا عليهم من أن يتعرضوا للتعذيب بعد عودتهم إلى حلايب.

مشوار الميل

محلية حلايب التي تعرضت للإهمال منذ احتلال الجزء الشمالي منها ما تزال تحتاج للمزيد من التمييز الإيجابي بشهادة والي الولاية علي أحمد أحمد والمعتمد السمري، ويبدو أن الحكومة تريد التكفير عن خطاياها التي ارتكبتها مرتين في حق هذا الجزء من البلاد، المرة الأولى حينما قدمتها على طبق من ذهب للمحتل المصري، والمرة الثانية حينما غضت الطرف عن الجزء غير المحتل منها، فالخدمات تمضي في تحسن نسبي، فعلى صعيد الصحة فإن المستشفى لم تعد مهمته الأساسية تحويل المرضى نحو بورتسودان فقد بات يقدم الخدمات بعد توفير المعينات المطلوبة منها عربتا إسعاف وعدد من الأطباء والأجهزة ليس ذلك وحسب، بل إدخال كل المواطنين مظلة التأمين، وفي محطة الكهرباء التي تقع شمال المدينة فإن صندوق إعمار وتنمية الشرق قد وفر مولدات ضخمة ستضيء ظلام المحلية وتستديم هذه الخدمة من أربع ساعات في اليوم إلى أربع وعشرين ساعة، وهي أيضاً تعتبر خطوة جيدة في مشوار الميل، ومن المشاريع التي يجري تنفيذها وقد اقتربت من نهايتها المسجد العتيق الذي كان مشيداً من الأخشاب، بالإضافة الى عقبة وادي ديس التي تختصر الطريق بين أوسيف ووادي العلاقي ذات الإنتاج العالي من الذهب من يوم إلى أربع ساعات، ومن المشروعات التي تستحق أن نتوقف عندها كثيراً ونتأملها تشييد مدرسة ومركز صحي بمنطقة وادي العلاقي الغنية بالذهب، تكمن المفارقة هنا في أن هاتين المنشأتين الخدميتين لم تعرفهما المنطقة من قبل ويمثلان أول مظهر للدولة السودانية فيها منذ أن خلق الله الأرض ومن عليها وهو أمر يوضح عدم اكتراث الحكومات المتعاقبة بالمناطق الحدودية، ووادي العلاقي لمن لا يعرفه يقع على الحدود مع مصر، وهي قرية اتسعت مساحتها وزادت حركتها بعد اكتشاف الذهب في وديانها وجبالها وقبل ذلك رغم موقعها الاستراتيجي إلا أنها كانت نسياً منسياً وتعرض سكانها للتهميش الكامل من الحكومة.

في أوسيف ما يزال التعليم الديني يحظى بمكانته كسائر أنحاء شرق السودان، وحكومة الولاية أيضاً عملت على تشييد خلوتي العمدة مكير والشريف أدروب لتستوعب المزيد من الصغار بدلاً عن أن يمتهنوا الرعي وهم في سن باكرة.

معاناة حقيقية

سألنا المعتمد الشاب السمري عن مصادر دخل المواطنين لأنه ليس بالخدمات وحدها يحيا الإنسان، فأشار إلى أن النقطة الجمركية كانت تمثل الشريان الذي يغذي اقتصاد المنطقة بتوفيره فرص عمل واسعة ولكنها لم تعد كذلك بعد تراجع حركة التجارة بين البلدين بنسبة 50% حيث كان السكان المحليون يمتهنون مهنة العتالة، ولكنهم باتوا اليوم "يقسموا اللقمة بيناتهم " لتراجع دخلهم، البطالة تمثل لحكومة الولاية وسلطات المحلية هاجساً كبيراً وذلك لأنها قد تكون سبباً مباشراً لهجرة المواطنين نحو حلايب المحتلة أو إلى بورتسودان، لذلك فإن الرؤية تتجه ناحية استغلال ما يكتنزه البحر الأحمر الذي يقع إلى الشرق من أوسيف والمحلية عبر توفير قوارب صيد للسكان المحليين وذلك بالتعاون مع ديوان الزكاة وصندوق إعمار الشرق والاستفادة من موقع إنزال الأسماك الموجود ومصنع الثلج، علاوة على تفعيل وتقنين التعدين الأهلي بجذب المزيد من الشركات التي تبلغ حالياً سبع وإنشاء المزيد من الأسواق بمناطق التعدين لتوفير فرص عمل، ورغم خطط حكومة الولاية إلا أن هذه المشروعات لن تستطيع محاصرة البطالة ومكافحة الفقر بالمنطقة التي تبدو في أمس الحاجة لمزيد من المشروعات .

المنقذ

مزيد من المشروعات التي توقفنا فيها في الفقرة السابقة يعتقد عدد من المواطنين منهم الشاب عيسى ومحمود علي كرار وأحمد طاهر أنها تتلخص وتتوقف على إعادة تشغيل ميناء أوسيف الذي سجلنا إليه زيارة وتفاجأنا بتحوله إلى أطلال ينعق فيها البوم، فقد بات مثل الوكر المهجور، ويرمي المواطنون باللائمة على هيئة الموانئ البحرية ويدمغونها بعدم الجدية في إعادة تأهيله بعد أن أزالت الكثير من منشآتها الأسمنتية، ويؤكدون أنها لم تف بوعدها بإعادة تشغيله، وهذا الميناء وللعلم يعتبر الأقرب إلى ميناء جدة، فالرحلة التي تستغرقها الباخرة للإبحار بين سواكن وجدة تستغرق أكثر من أربع عشرة ساعة إلى أنها أن تحركت من أوسيف صوب المدينة السعودية الثانية فإنها ستصل إلى مينائها في خمس ساعات فقط، فالسكان المحليون في أوسيف يعتقدون أن هذا الميناء وحال تأهيله وتسيير رحلات منه صوب جدة لن يسهم في توفير فرص العمل لهم وحسب بل من شأنه العمل على خفض تكلفة النقل البحري، ويعتبرونه المنقذ الوحيد للمنطقة من البطالة، ورغم أن بعضهم يتعاطى نظرية المؤامرة ويجزم بوجود ثمة ضغوطات من الجانب المصري لعدم تأهيل وتشغيل هذا الميناء، إلا أنهم ينشدون رغم ذلك أن تلتزم هيئة الموانئ البحرية وعلى رأسها الدكتور جلال شلية بوعدها.

يعود المعتمد الشاب السمري ويؤكد على أنهم وفي سبيل الإبقاء على المواطنين في الجزء غير المحتل، فإن والي البحر الأحمر يبذل مجهودات مقدرة من أجل إعادة العمل في ميناء أوسيف .

استفهامات

قبل أن نتحرك صوب بوابة حلايب المحتلة، واصلنا تجوالنا بمدينة أوسيف وأكثر ما لفت نظرنا أن مشاريع البنى التحتية والخدمية التي شهدتها المنطقة خلال العامين الأخيرين جاءت بجهود مباشرة لحكومة ولاية البحر الأحمر وصندوق إعمار الشرق الذي لم نذكر أنه أيضًا ينفذ داخلية للطلاب هي الأضخم بالبلاد، وبحثنا كثيراً عن بصمات الوزارات الاتحادية التي يفترض أن تكون مجسدة على أرض الواقع من أجل الحفاظ على هذه الأرض لتظل سودانية وبعيدة عن أطماع المحتل الذي يتربص بها، وأيضاً من أجل إبقاء السكان عليها، ولكن للأسف لم نجد لها جهوداً ملموسة على الأرض فكلها تسجل غياباً كاملاً باستثناء وزارة الرعاية والضمان الاجتماعي التي تسير في بعض الأحيان قوافل نحو المنطقة تحمل دعماً للسكان، فالمواطنون يعتبرون هذا تهميشاً متعمداً أو عندما يختارون لغة وسيطة بعيدًا عن الشكوك والظنون فإنهم كحال الشاب حامد يؤكدون على أن المحلية التي تحتل مصر جزءاً منها أو فلنقل نصفها بالتمام والكمال لا تحظى بتمييز إيجابي على صعيد التنمية ،فهو يعتقد أن الكثير من المشروعات الاقتصادية كان من الممكن تنفيذها على الساحل للاستفادة من البحر الأحمر لتكون مورداً للسكان، كما أنه يتفق مع الشاب عثمان الذي وجدناه يقف بسوق أوسيف بالقرب من المسجد الجديد حينما أشار إلى أن مواطني حلايب خاصة الخريجين يجب أن يحظوا بفرص عمل وتمييز إيجابي أيضاً في هذا الجانب بقبولهم في الخدمة المدنية بالإضافة إلى إلحاقهم بالجامعات، معتبرين أن الظروف التي يرزحون تحت وطأتها تحتم التعامل معهم باهتمام من الحكومة المركزية، التي يؤكدون أنها تشكل غياباً تاماً وتترك مهمة المحلية الحدودية المحتلة لحكومة ولاية لا تتجاوز ميزانيتها في العام المائة مليون دولار .

"نحن منو "

في مدينة بورتسودان وقبل أن نتوجه إلى حلايب التقيت أحد شباب المنطقة الذي يعمل موظفاً بمرفق حكومي، وبدا ناقماً على تطاول أمد الاحتلال، وحكى لي كيف "يجازف" ويعاني حتى يتمكن من زيارة أسرته بالمثلث المحتل، ويقول إنه كثيرًا ما تسلل تحت جنح الليل عبر الجبال الموحشة حتى يتمكن من الدخول إلى مدينة أبورماد حيث توجد أسرته، وذلك لأنه من الناشطين والمطلوبين لدى المخابرات المصرية، هذا الشاب الذي نحتفظ باسمه خوفاً عليه إذا عاد أدراجه إلى حلايب المحتلة يبدو أيضاً ساخطاً على شركات التعدين بالمناطق غير المحتلة على الشريط الحدودي، ويؤكد أن بعضاً منها يحظى بحماية من نافذين في المركز وأنها لا تقدم خدمات للمواطنين ولا توفر لهم فرص عمل، ويجزم بأن مواطني حلايب في الجزء غير المحتل غير مستفيدين من عمليات التنقيب عن الذهب وأن خير منطقتهم يذهب بعيداً عنهم، الشاب لم يخف غضبه من واقع أهله الذي يصفه بالمتردي، ويقول إن حلايب تتعرض لظلم واضح من الحكومة السودانية، ومضى بعيداً في قوله الموغل في الإحباط واليأس وأضاف"داخل المثلث فإن الشركات المصرية والإماراتية رأيتها بعيني وهي تنهب ثرواتنا خاصة الذهب، وخارج المثلث المحتل تفعل نظيرتها السودانية ذات الشيء، وما بينهما نحن نقف مكتوفي الأيدي نتفرج على مواردنا تذهب بعيداً"، وتساءل الشاب وقد بلغ الإحباط مداه عنده وقال "نحن منو وتابعين لياتو دولة "؟ لم ينتظر مني إجابة وواصل حديثه، مشيراً إلى أنهم يتعرضون للتضييق والاعتقالات والظلم بالجزء المحتل وللتهميش في المناطق غير المحتلة، وقال إنهم في الدولتين يشعرون بأنهم أغراب وغير مرغوب فيهم .

0 صوت
التعليقات : تعليق
« إضافة تعليق »
اضافة تعليق
اسمك
ايميلك

/500
تعليقك
4 + 1 = أدخل الكود