الطّيشْ عِنْد اللّهْ بِعِيشْ..؟!

عرض المادة
الطّيشْ عِنْد اللّهْ بِعِيشْ..؟!
1956 زائر
13-12-2017

عندما كنا تلاميذ في المدارس الأولية والوسطى في الخمسينيات من القرن الماضي.. كنا نخاف جداً من يومين أحدهما يوم السبت واليوم الثاني هو يوم النتائج.. ولعل جميع تلاميذ فترة ما قبل الاستقلال وما بعده وإلى وقت قريب كانوا يكرهون ويخافون من السبت في المدارس لأسباب عديدة أهمها أن يوم السبت يمثل يوم التفتيش الإداري الخاص بالنظافة العامة سواءً في فناء المدرسة أو في أجسام الطلاب أنفسهم.

وكان الناظر يجمع التلاميذ من فصولهم الأربعة في الطابور الصباحي ومعه لجنة مكونة من أستاذين آخرين لمعاينة مستوى نظافة أجسام التلاميذ وملابسهم.. وعادة ما يطلب الناظر من الطلبة أن يمدوا أيديهم إلى الأمام ليرى إن كانت أظافرهم مقلّمة.. ويذهب أكثر من ذلك ليرى «السروال» أو الجزء الأكبر منه ليتأكد من نظافته وخلوه من حشرات القمل.. وبعض الطلبة كانوا يغشون المدرس بأن يثنوا جزاءً من أسفل الجلابية ويجعلونه يبدو وكأنه جزء من رجل السروال.. وقد يكتشف الناظر هذه الخدعة فيجلد الطالب.

على كل حال كان ذلك ما يحدث عادة في يوم السبت مما أدى أن تقوم كل الأجيال التي درست في تلك الفترة وربما حتى الثمانينيات بكراهية يوم السبت بحكم العقدة النفسية التي تراكمت عندهم منذ الصغر، وربما استمرت مع بعضهم حتى الآن خاصة أن يوم السبت كان يبدأ بحصة الرياضيات.. وإلى وقت قريب فإن كثيراً من الموظفين لا يستلطفون يوم السبت ويعتبرونه يوماً ثقيلاً.. أما يوم النتائج فيكرهه الجميع أيضاً الشاطر منهم والبليد.. فقد كان الأولاد الشطار من العشرة الأوائل وخاصة الأول منهم يتعرضون للجلد والضرب من زملائهم بعد سماع النتيجة وتوزيع النتائج مباشرة.. وأما البليدين منهم وخاصة الطيش فقد كانوا يخافون من «الزّفّة» التي يقيمها التلاميذ في شكل «سيرة» وتصفيق تبدأ من المدرسة لتنتهي في بيت الطيش، وفي بعض الأحيان لا يكتفي الطلاب بزفة الطالب الطيش بل يقومون بمناوشته ومهاوشته حتى تتمزق ملابسه و«خريتته» ولأولادنا بتاعين نمرة إثنين فإن «الخريتة» عبارة عن مُخْلاَيَة ـ دي برضو ما عارفنّها؟ مصنوعة من القماش تحتوي على ثلاثة جيوب أحدهما جيب صغير لحفظ الأقلام والجيبين الكبيرين أحدهما لحفظ الكتب والآخر لحفظ الكراسات ويقوم بصنع «الخريتة» الترزي بتاع الحلة والطلبة الفقراء يخيطون «خرايتهم» بأيديهم من الملابس القديمة.. وأولاد الأغنياء كانت لديهم شنط حديد صغيرة لها قفل وطبلة وشيّالة.. وعلى كل حال فالطالب الطيش لا يجد الاحترام بل يجد المضايقة..

وقد نقلت الأخبار العالمية قبل فترة ليست بالقصيرة أن دراسة قامت بها إحدى الجامعات في شرق آسيا كان نتيجتها أن أفضل وأول مائة جامعة في العالم كلها من أمريكا وتأتي على رأسها جامعة هارفارد وتليها جامعة كاليفورنيا.. وتأتي جامعة كيمبردج في إنجلترا في الترتيب الرابع وجاءت الجامعة العبرية في إسرائيل في الترتيب السابع والستين.. وخرجت كل الدول العربية من المنافسة ويبدو أن أفضل الجامعات العربية كانت جامعة الملك عبد العزيز، وكان ترتيبها رقم خمسمائة وشوية.. ولم يرد ذكر أي جامعة مصرية أو أُردنية أو سورية أو سودانية..

على كل حال فقد انهار التعليم في كل الأقطار العربية، ويقال إن سبب ذلك ناتج عن التداعيات الاقتصادية والسياسية والحجر على الحريات في مستوياتها المختلفة وفتح الجامعات الكثيرة من حيث العدد على حساب النوع.

وكما يقولون فإن الموت مع الجماعة عرس والحمد لله أننا «ما برانا» وما دام أن أول جامعة عربية جاء ترتيبها رقم خمسمائة وستون فنحن «ما فارق معانا» لو كان ترتيبنا رقم أربعة عشر ألف وثلاثمائة وسبعة وأربعين.. ونقول مثلما يقول التلاميذ الذين يقومون بزفة الطيش نقول «الطّيشْ عِنْد اللّهْ بِعِيشْ» والحمد لله أن الأمريكان لم يقرروا أن يكون يوم السبت هو يوم النظافة و«الفتاشة» في الجامعات العربية وبالتالي لم يضطرونا إلى أن «ندعك» صدرونا بالزيت حتى لا يظهر البياض بعد أن يشخت الناظر بعصاه.. ولعلنا نكون أفضل كثيراً من جامعات دول الجوار الأفريقي التي من المؤكد أن ترتيبها سيكون مائتين وسبعين ألفاً وثلاثمائة وتسعين.. وبرضو الطّيشْ عِنْد اللّهْ بِعِيشْ.

   طباعة 
0 صوت
التعليقات : تعليق
« إضافة تعليق »
اضافة تعليق
اسمك
ايميلك

/500
تعليقك
3 + 6 = أدخل الكود
روابط ذات صلة
روابط ذات صلة
المادة السابقة
المواد المتشابهة المادة التالية
جديد المواد
جديد المواد
الحلَّ دينو نامت عينو !!! - د. عبد الماجد عبد القادر
راجل نفيسة! - د. عبد الماجد عبد القادر
"بقلع" الأراضي - د. عبد الماجد عبد القادر
كيف تصبح مليونيرًا!!! - د. عبد الماجد عبد القادر
أنما يبكي على الحب النساء - د. عبد الماجد عبد القادر