المعاقون.. قوة تتحدى الصعاب 1ـ4

عرض المادة
المعاقون.. قوة تتحدى الصعاب 1ـ4
تاريخ الخبر 06-12-2017 | عدد الزوار 368

المكفوفون.. البصيرة تعوّض فقدان البصر

أمين اتحاد المكفوفين: نعاني من ضعف فرص التوظيف

أربعة من أسرة واحدة يتحدون الإعاقة

المدرسة تفتقر لأبسط المقومات والمعهد يقاوم التحديات

طريقة برايل تنقذهم من الجهل والأمية

بحري: مياه النيل مبارك

هم أربعة أشقاء تعرضوا للإصابة بالإعاقة البصرية عبارة عن ضعف في عضلات في شبكية العين، كانت الإصابة وراثية نتيجة لزواج الأقارب، فالأم والأب أبناء عمومة، أكبرهم (حسن) الذي حكى (للصيحة) بأنه قد ولد بضعف في العين اليسرى وصار يرى بعين واحدة، إلى أن تمدد ضعف النظر إلى العين السليمة، ولم يعد يقوى على المذاكرة، ترك المدرسة في المرحلة المتوسطة، وبما تبقى من بصره اتجه إلى العمل الحر الذي أتعبه كثيراً، ثم عاد مرة أخرى إلى مقاعد الدراسة ودرس بمعهد المكفوفين .

درجة نجاح عالية

قال (حسن): امتحنت مرحلة الأساس إلى المرحلة الثانوية بمعهد المكفوفين، تحصلت حينها على 235 درجة وكنت أستعين في مذاكرتي على تسجيل المواد الدراسية عبر أشرطة الكاسيت، وعند المرحلة الثانوية كانت رغبتي هي الدراسة بالمعهد العلمي للتفقه في علوم الدين واللغة العربية، امتحنت الشهادة السودانية وحصلت على 77% ودرست بقسم الدراسات الإسلامية جامعة الرباط الوطني في المرحلة الجامعية، أكثر ما كان يرهقني هو المشوار من أمدرمان وحتى جامعة الرباط الوطني في محطة القسم الشرقي بشارع عبيد ختم، ففي الفترة الصباحية كنت أستعين بشقيقتي التي تعمل على توصيلي حتى موقف جاكسون، وهناك أجد زملائي ينتظرونني أمام مواصلات أركويت، أما نهاية اليوم الدراسي فكانوا يتبارون في توصيلي حتى مواصلات السوق الشعبي أمدرمان وفي محطة شارع المنزل .. كل سكان الحي كانوا يعرفونني ويتبارون في توصيلي حتى المنزل والحمد لله بالرغم أن بصري قد كف تماماً حالياً، إلا أن جميع زملائي طيلة فتراتي الدراسية لم يبخلوا علي، وكانوا خير معين وسند.

قصة كفاح

أما (ميسون) والتي تصغره بعامين فقالت تعرضت إلى ضعف حاد في البصر وأنا على مشارف المرحلة الثانوية، عندها توقفت عن الدراسة قليلاً، وكنت مهتمة بقراءة القرآن فاتجهت إلى خلوة جامعة القرآن الكريم، وفعلاً كان لي ما أردت فقد حفظت المصحف كاملاً ودرست بعض المواد الإسلامية بالجامعة، وجلست إلى امتحانات الحفظة ، الشيء الذي أهلني لدراسة تخصص القراءات، وهو من التخصصات النادرة جداً وبها الكثير من الصعوبة والحمد لله توفقت فيه، إلى أن تخرجت هذا العام بتقدير امتياز مرتبة الشرف الأولى.

تحدي الظروف

(محمد) شقيقها الأصغر، تعرض لذات المشكلة في ذات العمر، ويقول: (كنت أود الالتحاق بالمساق العلمي، لكن جوبهت بمعاناة شديدة من بعض المعلمين الذين وقفوا في طريقي آنذاك، فقد كنت أحب مادة الكيمياء والأحياء، فما كان مني الإ أن تركت الدراسة لمدة عامين، واتجهت نحو العمل الحر، ولكن مع إصراري الزائد على نفسي ووقوف أسرتي بجانبي عدت إلى مقاعد الدراسة مرة أخرى، وامتحنت من المساق الأدبي لأنني في ذلك الوقت قد بدأ نظري يخفت كثيراً، ولم أستطع رؤية المذكرات لدرجة أنني صرت أكتب على الكراسات بالقلم الشيني، واتجهت صوب اتحاد المكفوفين وتعلمت لغة البرايل، ودرست المواد الدراسية عبر أشرطة الكاسيت إلى أن جلست لامتحانات الشهادة السودانية وحصلت على 75% وتم قبولي بكلية الاقتصاد والعلوم الاجتماعية، التي أيضاً واجهتني فيها العديد من الصعوبات، إلى أن تخرجت هذا العام بتقدير جيداً جداً مع مرتبة الشرف.

الشقيقة الصغرى

اما (آلاء) وهي الشقيقة الصغرى، فقد حكت بأنها واجهتها تلك المشكلة وهي في الصف الثاني أساس، قالت بأنها ومنذ الصغر كانت تحاول أن تحتفظ بقليل من بصرها حتى يعينها على السير في الطريق وتحاول قدر الإمكان أن لا تشاهد التلفاز، رغم مقدرتها على رؤيته إلا أنها تستعين بالسمع فقط، وزادت بالقول: (لدرجة أنني كنت أضبط القنوات المحلية في التلفزيون على جهاز الراديو، درست الأساس بأحمد بشير العبادي، وكانت المدرسة بعيدة عن المنزل، كنت أتحسس جداً من أهمية وجود شخص متفرغ بالمنزل حتى يساعدني على الذهاب والإياب، خصوصاً في الفترات التي لا أجد فيها ترحيلاً، وبعد ذلك انتقلت إلى مدرسة أمدرمان الثانوية، امتحنت الشهادة السودانية، وفي تلك الفترة صرت لا أستطيع الكتابة والقراءة الشيء الذي اضطرني للاستعانة بإحدى تلميذات الصف الثاني لكتابة الأجوبة، وقد سبب لي هذا الأمر قلقاً شديداً أثناء المذاكرة فلم أحتمل فكرة أن يتولى شخص ما الكتابة عني في الامتحان.. ولكني اضطرت لذلك، وفعلاً نجحت، وتحصلت على نسبة 72% وتم قبولي بقسم علم النفس بجامعة أمدرمان الإسلامية .. عانيت كثيراً في بادئ الأمر خصوصاً أن المقررات كانت كثيرة جداً، إضافة إلى الدروس والمحاضرات العملية ومتطلبات الجامعة، ثم بحث التخرج الذي كان عن (تقدير الذات عند الأشخاص ذوي الإعاقة) الذي وجدت فيه نفسي كثيراً، وتخرجت بتقدير جيد جداً .

حيرة ودهشة

إذن تلك كانت قصة أربعة اشقاء من أسرة واحدة تحدوا الإعاقة البصرية وأثبتوا جدارتهم

وفي مكان آخر تملكتنا الحيرة الممزوجة بالدهشة والإعجاب ونحن نرى الثلاثيني عبد الله عبد الرحيم بمركز تأهيل المكفوفين ببحري وهو منهمك في عمله بمهنة النجارة، مصدر الحيرة ينبع من أن الشاب كفيف ، بيد أنه يتعامل باحترافية وإجادة واضحة في تطويع الأخشاب ليصنع منها منتوجات تضاهي تلك التي تأتي من وراء البحار، ذات المشهد وجدناه رغم بعض الاختلافات بمعهد النور، فهنا وهناك يقاوم كثيرون الإعاقة البصرية ويرفضون الاستسلام لواقعهم، فمنهم من يتلقى تعليمه ويحدوه الأمل بان يصبح رقماً في المجتمع، ومنهم من عمل بجد لتعلم مهنة تغنيه شر الحاجة وتبعده عن المسغبة، رغم أن قوة إرادة المكفوفين إلا أن ثمة معوقات تواجههم في حياتهم.

تدريب وصناعة

واصلنا جولتنا بمعهد تأهيل المكفوفين ببحري وطفنا على عدد من ورشه، واستوقفنا العمل الإبداعي للنجار الكفيف عبد الله الذي أشار إلى أنه التحق بالمعهد قبل عامين وتلقى التدريب على يد كفيف حتى أتقن وأجاد مهنة النجارة، ويوضح في حديثه لـ(الصيحة) أنه بات مساعد معلم، ويبدو سعيدًا بهذه المهنة التي يصف العمل فيها بالممتع، والغريب في الأمر أن عبد الله الذي اتخذ النجارة مهنة له يحمل شهادة دبلوم في الإعلام، ويبدو أنه يريد أن يمزج إبداع الإعلام بالنجارة، ويفاخر عبد الله بخريجيه وتلاميذه من المكفوفين الذين قال إن بعضاً منهم باتوا يمتلكون ورشاً بعدد من الولايات، مبيناً عن مشاركته في عدد من المعارض وفوزه بجوائز مختلفة.

طباخة ماهرة

الذي يريد التعرف على قصص تحدي المكفوفين للإعاقة فعليه التوجه نحو هذا المعهد ليقف على حقيقة تمتعهم بقوة إرادة حقيقة تنحني أمامها القامات تقديراً واحتراماً، فالثلاثينية آسيا الحاج التي تخرجت من ذات المعهد تعمل حالياً مساعدة مدرب، تجيد صناعة الطعام، وتصف نفسها وهي ضاحكة بالطباخة الماهرة، وتكشف عن أنها تعتمد بشكل أساسي في أداء مهمتها على حاسة الشم، ورغم أنها باتت أستاذة بالمعهد إلا أنها تتمنى أن تعود إلى قاعات الدرس لإكمال تعليمها، أما فوزية عباس المعلمة بالمعهد وخبيرة التغذية منذ 27 عاماً وهي مبصرة وقد امتدحت سرعة بديهة المكفوفين وإجادتهم الطبخ.

النور الساطع

بعد ذلك توجهنا صوب معهد النور الذي تم تأسيسه في العام 1961 وهو مختص بالتعليم، حيث ينتهج طريقة برايل في منهجه ذات الخطوط والأحرف البارزة، وهنا يشير الخبير في هذه اللغة الأستاذ عمر والخبير في طريقة برايل بأن هذا الأسلوب التعليمي يعود في الأصل إلى العصر العباسى تقريباً وأول من كان وراء الفكرة هو زين العابدين الآمدي وهو عراقي الجنسية وكفيف ثم طورها الفرنسي برايل لاحقاً، ويعتبر معهد النور الوحيد على نطاق البلاد لتدريس مرحلة الأساس للمكفوفين، وتشتمل المدرسة أيضاً علي داخلية لأبناء الولايات، ويوضح وكيل المدرسة بشرى المشرف بأن أهم المعوقات التي تواجههم تكمن في الترحيل، حيث أصبحت جميع المركبات متهالكة وجزء منها توقف عن العمل ويحتاج إلى صيانة ويجد المعهد الدعم من السفارة الكورية، ويسع لـ (120) طالباً وطالبة ..(45) منهم يسكنون في الداخلية و75 خارجي، ويضيف: لا يستوعب المعهد أكثر، وكثيرًا ما يتم رفض قبول التلاميذ بداعي ضيق وقلة الفصول، مبيناً عن وجود مشكلة في قطعة الأرض التي تم منحها لهم لأنها مرهونة ولم يستلموا شهادة البحث حتى الآن، مبيناً بأن المعهد يستقبل الطلاب من عمر (10) سنوات إلى (17) عاماً، مبيناً أن عدد الطلاب الذين يجلسون يتراوح عددهم بين (12 إلى 15) تلميذاً، مؤكداً وجود مشكلة في توفير بعض وسائل التدريس، مشيدا بالجهد الذي تبذله منظمة رؤية لتأهيل المكفوفين، مبيناً أن أشهر خريجي المعهد العازف عوض أحمودي وعاطف عبد الحي والفنانة آمال النور والمادحة نبوية.

معاناة

وبالعودة إلى معهد بحري للتدريب والتأهيل الاجتماعي والنفسي للمكفوفين، فإن مديره إسماعيل الطاهر يشير إلى أنه بعد توقف الدعم الهولندي، فإن المعهد بات يعتمد بشكل أساسي على دعم الخيرين وما تقدمه وزارة التربية والتعليم، موضحاً أن التعليم في المعهد يشتمل على عدد من الحرف منها النجارة والحياكة وأعمال الخزف والأعمال اليدوية والمصنوعات الجلدية والبلاستيكية، وقال إن بالمعهد فصل لمحو الأمية، بالإضافة إلى وجود أجهزة سمعية للتعليم، وقال إن طلاب المعهد من كل أنحاء السودان، موضحاً توقفهم عن المشاركات الخارجية بسبب التمويل، وضعف إمكانياتهم، كاشفاً عن تفكيرهم في إنشاء فروع للمعهد بعدد من مدن البلاد منها كوستي والدمازين والدامر بالتعاون مع الاتحاد الأوربي، ويؤكد أن أكبر المشاكل التي تواجه المكفوفين ضيق المبنىز

غياب رسمي

الأستاذة إيمان التي تدرس الصف الثامن قالت بأنها درست الأساس والثانوي بالحصاحيصا ثم جامعة النيلين تخصص لغة عربية وتتأهب للحصول على شهادة الماجستير من ذات الجامعة، وهي أستاذة كفيفة وتقول إن المعهد يشمل تأهيلا أكاديمياً ويستوعب الفاقد التربوي من الذين لم يتمكنوا من الدراسة فى الصغر إلى مرحلة الجامعة وبعدها تجولنا داخل قسم الحاسوب وكان أن التقينا الأستاذ إبراهيم أحمد الذي شرح لنا كيفية تدريس الحاسوب للكفيف، وقال: أنا في المعهد منذ تأسيسه وفي السابق كنا نعتمد على الآلة الكاتبة قبل إدخال نظام الحاسوب الناطق الذي تم إدخاله، توجهنا إلى الصف الثامن وتحدثت مع عدد من تلاميذه وتفاجأت بأن بعضهم يستعد للجلوس لامتحان شهادة الأساس رغم أنهم لم يتلقوا تعليماً من قبل، وقد تخطى عمر بعضهم الثلاثين عاماً ،يقول أسعد فاروق إنه لم يحدد ماذا يريد في المستقبل، أما عز الدين النور قال إنه يريد دراسة جامعة القرآن الكريم ويصبح شيخاً كبيراً، أما ياسر الذي حضر من كسلا لعدم توفر مدرسة للدراسة، قال إنه لم يسبق له أن درس في مدرسة وهو سعيد الآن وأخبرنى الأستاذ بأنه متفوق جدًا ولاحظت وجود معلمين متطوعين من طلبة الخدمة الوطنية، ولاحظت وجود قاعة مختصة بالحياكة، بعدها تجولنا في المكتبة والتقيت بالأستاذ حذيفة صلاح وقال إنه حضر منذ عامين إلى المعهد ويعمل في تقديم كافة الخدمات للمكفوفين.

اتحاد المكفوفين والمفاجأة

بعدما أكملت جولتي داخل المعهد ومدرسة النور توجهت صوب اتحاد المكفوفين والتقيت بالأمين العام لاتحاد المكفوفين بولاية الخرطوم الأستاذ الإعلامي صهيب الطاهر الهادي الذي درس مرحلة الأساس بولاية الجزيرة بمدرسة الشرفة بركات وبعد المدرسة الثانوية التحق بجامعة أم درمان الإسلامية كلية القانون، كما درس علم النفس والإعلام ويتأهب لإنجاز رسالة الماجستير بعنوان (الاتزان الانفعالي لدي الأشخاص ذوي الإعاقة البصرية) بجامعة النيلين كما درس الإعلام، ويقول: الإعاقة البصرية لم تتسبب فى إقعادي عن التعليم وساعدني في ذلك والداي لأنهما معلمان، وقال بأن أنسب الوظائف لذوي الإعاقة البصرية مفتوحة في كل المجالات باستثناء الطب والهندسة لاعتمادهما على النظر، مبيناً تعيين عدد من المعملين من أصحاب الإعاقة البصرية بعد استيفاء الشروط، مبيناً أن عدد المكفوفين يبلغ (20) ألفاً يتوزعون على (18)، وقال إن ولاية غرب كردفان تضم أكبر عدد من المكفوفين، ويقول إن العاصمة وجهة المعاقين نظرياً، مؤكدًا على أن الإعاقة تؤثر كثيراً على الكفيف لأنها تحد من حركته وعمله، مبيناً أن أبرز المشاكل التي تواجههم تتمثل في قلة فرص التوظيف وضعف التوعية المجتمعية وارتفاع الأمية والفاقد التربوي وسط المكفوفين، وقال إن عدد المكفوفين في العاصمة يبلغ ثمانية آلاف كفيف، كاشفاً عن وجود معهد واحد لتدريب وتعليم المكفوفين بالخرطوم، وقال إنه أيضاً المعهد الوحيد في السودان وإنهم بصدد إنشاء مدرسة بالكلاكلة بالتعاون مع وزارة التربية والتعليم، وقال إنهم يعملون على استخراج بطاقات تخول للمكفوفين عدم دفع قيمة المواصلات، موضحاً وجود متطوعين من الشباب يعملون على إعانتهم، موضحاً أن جمعية الصداقة تتبرع سنوياً للمكفوفين الذين لديهم مراكز في أماكن متفرقة، وقال إن رئيس الاتحاد الأسبق عوض مصطفى أستاذ جامعي.

0 صوت
التعليقات : تعليق
« إضافة تعليق »
اضافة تعليق
اسمك
ايميلك

/500
تعليقك
7 + 7 = أدخل الكود