أول سودانية تفوز بعضوية مجلس مدينة "إيوا" الأمريكية مزاهر صالح ابنة "ريس البنطون".. قصة نجاح باهرة بأمريكا

عرض المادة
أول سودانية تفوز بعضوية مجلس مدينة "إيوا" الأمريكية مزاهر صالح ابنة "ريس البنطون".. قصة نجاح باهرة بأمريكا
تاريخ الخبر 03-12-2017 | عدد الزوار 2716

تعتز بوالدتها حفصة وتفتخر ببيع (الزلابيا) والسمسمية في طفولتها

تميَّزت في جامعة السودان ولماذا كان أستاذها (يستغرب) من تصرفاتها

كفاءتها وجديتها تضعها في منصب مساعد مدير بسلسلة "ماكدونالدز" بأمريكا

لهذا السبب منحها الأمريكان أصواتهم في انتخابات مجلس أيوا

ما هي قصة العمارة التي انتصرت فيها (مزاهر) لسكانها؟

في سوق السجانة كادت أن تفقد الأمل ولكن

هذه أول هدية لأسرتها من أجرها الأول بالسودان وأمريكا

الخرطرم: صديق رمضان

"لابد أن أحول المحنة إلى منحة "، هكذا حدثت حفصة نفسها المكلومة، وكانت كلما تذكرت شريك حياتها محمد علي صالح الذي غادر الحياة بصورة مباغتة ومفاجئة تشعر بغصة في حلقها وتنزل على خدها دمعة، كان الحزن يحتل كل جوانحها، فصالح لم يكن بالنسبة لها زوجاً وحسب بل كان أخاً وصديقاً وأباً، بل كان كل حياتها، إلا أنها أدركت سريعاً أن عليها تجاوز محطة الأحزان والتدثر برداء المسؤولية، فالأشياء لم تعد هي ذاتها بعد رحيل زوجها، واختارت أن تدخل في تحدٍّ مع نفسها من أجل إكمال ما بدأه الفقيد في تربية ستة من الأبناء، منهم طفلة صغيرة كانت تساعد والدتها وهي تحمل ببراءة تشع من عينيها ما تصنعه من مأكولات في منزلها لتعرضها على المشترين، رغم سنواتها الغضة إلا أن ذكاءً لافتاً كان يميزها ممزوجاً بشجاعة ومقدرة تفوق سني عمرها في تحمل المسؤولية، لتمر الأيام على الصغيرة وهي تحمل بين جوانحها روحاً وثابة كانت سلاحها في قهر الصعاب والسباحة بمهارة في بحر متلاطم الأمواج، وبعد ثلاثة عقود ونيف، فإن صغيرة الأمس باتت عضواً في مجلس مدينة أيوا الأمريكية، إذن هي مزاهر محمد علي صالح التي جسدت معاني الصمود والتحدي وقوة الإرادة في أبهى صورة لتصبح نموذجاً يحتذى في العصامية.

مقاصر وصرخة الميلاد

في جزيرة وادعة تتوسط النيل وتقع إلى الشمال من مدينة دنقلا بالولاية الشمالية، أطلقت مزاهر في العام 1973 صرختها الأولى في الحياة، شاءت إرادة الله أن تتفتح عيناها على موطن أجدادها، فجل إخوتها خرجوا إلى الدنيا بعيداً عن جزيرة مقاصر التي تمتاز بجمال الطبيعة والنفوس وتمزج بين أصالة إنسان الشمال وسطوة المكان، فهنا تجتمع ثلاثية الماء والخضرة والوجه الحسن، لذا فإن النفوس مترعة بالكرم والبساطه والبشاشة، لم تكن علاقتها بها علاقة مولد وحسب فرغم أنها قضت جزءاً كبيراً من طفولتها وشبابها بعيداً عنها، إلا أن ارتباطها الوجداني بها لم ينقطع فهي تحرص على زيارتها كل عام حتى أن أبناء خالها علقوا على هذا الأمر بطرافة الدناقلة المعهودة بداعي أن "سرتها مدفونة بأرض الجزيرة"، ما زالت وفية لمسقط رأسها، فأبناوها الذين خرجوا إلى الوجود في أرض بعيدة عن السودان حيث الولايات المتحدة الأمريكية يعشقون الجزيرة، والسودان لديهم مختزل في مقاصر، ربما لطبيعتها الخلابة وقد يكون السبب شعورهم بالأمان وهم يأكلون "الكابيده" أو القراصة في أي منزل بأريحية، فالكل هنا أهل.

الجنيد وسنوات الطفولة والشباب

بعد أن وضعت حفصة مولودتها التي اختارت لها اسم مزاهر عادت أدراجها إلى مصنع سكر الجنيد مقر عمل زوجها الذي كان مشهوراً بلقب الريس، ووقتها كان لبنطون الجنيد سطوته لأنه الشريان الرابط بين شرق وغرب النيل الأزرق بمنطقة وسط الجزيرة، وكان صالح سائقاً له، ومن الشخصيات المحبوبة والمشهورة بالابتسامة والتعليقات التي لا تخلو من الطرافة.

مضت الحياة بالصغيرة، وهي في كنف والديها بحي العمال، وقبل أن تكمل العشرة أعوام كانت على موعد مع الحزن، فحياتها التي كانت مستقرة شهدت تغييراً لم تتوقعه برحيل والدها المفاجئ، رغم سنوات عمرها الغضة أدركت أن ثمة أمر في حياتها قد استجد وأن عليها أن تتكيف معه وتعمل على تجاوزه، كانت وقتها تدرس في الصف الثالث ابتدائي وتقطن في منزل حكومي مع أسرتها، والدتها حفصة كانت أمام خيارين لا ثالث لهما بعد وفاة زوجها، إما أن تحزم امتعتها وتيمم صوب مسقط رأسها بجزيرة مقاصر أو أن تواصل مسيرة أسرتها بالجنيد، فانحازت إلى الخيار الثاني ليس لشيء سوى سهولة التعليم، فهي كانت تنظر إلى المستقبل بنظرة ثاقبة وقطعت عهداً على نفسها بأن يتعلم أبناؤها الستة حتى يخففوا عنها المسؤولية، كانوا يمتلكون منزلاً في ذات الحي ويسمى بالحي الشعبي، اختارت أن تشيده وتحوله إلى مأوى لصغارها التي كانت أكبرهم إشراقة ما تزال في المرحلة الابتدائية.

الصغيرة في مواجهة المتاعب

ولأن مجتمع الجنيد كان وما يزال يمتاز بالتكاتف، فإن إدارة المصنع وقتها وقفت بجانب الأرملة حفصة وعملت على مساعدتها في تشييد المنزل بتوفير مواد البناء، وفي إحدى المرات حملت الصغيرة مزاهر وهي ما تزال في الصف الثالث ابتدائي طلباً إلى المهندس المدني بقادي أوصتها والدتها أن تسلمه له، وانتهزت استراحة الفطور ولقرب المدرسة من قسم الهندسة توجهت صوب مكتب المهندس ورغم دهشة سكرتيرته من تلميذة الابتدائي الصغيرة وسعيها الحيلولة دون مقابلتها، إلا أن مزاهر تمكنت من الدخول إلى مكتبه وسلمته الخطاب الذي كان عبارة عن طلب مواد بناء، فضحك واستلمه منها، وقال لها "قولي لأمك حاضر"، هذا الموقف سرده المهندس بقادي لمزاهر حينما كانت طالبة جامعية، ويومها التقاها بالصدفة ولم يتعرف عليها، إلا أنه وحينما عرف أنها طالبة في كلية الهندسة، قال لها إنه كان مهندساً مدنياً بمصنع سكر الجنيد وسألته "هل انت بقادي" فأجابها بنعم، وحينما قالت له إنها مزاهر بت الريس ضحك وسرد لها الموقف الذي حدث حينما كانت طالبة في الابتدائية، إذن فإنها منذ وقت مبكر كانت تتحلى بالمسؤولية التي كان عليها أن تتجرع من كأسها الكثير.

البائعة الصغيرة

بالعودة إلى والدتها وبعد أن تمكنت من توفير منزل لصغارها، فإنها لم تنتظر عطايا الآخرين وبنفس عزيزة وكبرياء معهود عنها اتجهت لصناعة الزلابيا "اللقيمات " في منزلها، وكان على مزاهر وشقيقتها الكبرى إشراقة حمل اثنين من الجرادل قبل شروق الشمس والتوجه بها نحو المصنع لبيعها للعمال، كانت تفعل ذلك وهي سعيدة، وعند الفراغ من البيع تعود سريعاً رفقة شقيقتها لارتداء ملابس المدرسة والتوجه نحوها، ولكن قبل الوصول إليها كان عليها يومياً أن تذهب ناحية سوق الجنيد لتوصيل "الكسرة" التي تصنعها والدتها إلى أصحاب المطاعم ثم تعود عقب نهاية اليوم الدراسي لاستلام "القروش" لإيصالها إلى والدتها.

ويبدو أن روح المسؤولية التي تدثرت بها في تلك الأيام القاسية على أسرتها وهي ما تزال طفلة جعلتها تعمل على المساهمة بطريقة لا تخلو من طرافة حيث كانت تحمل حلوى السمسمية التي تصنعها والدتها لتبيعها سراً لزميلاتها لأن هذا الأمر كان ممنوعاً في ذلك الوقت بالمدرسة، بل لم تكتف بذلك بل نجحت بعد مرور سنوات قليلة وهي ما تزال تلميذة بالمرحلة الابتدائية من إنشاء طبلية صغيرة أمام منزلها لبيع الحلويات للأطفال، مزاهر وفي تأكيد على تفردها وتصالحها مع الماضي، فإنها ظلت تعتز بتلك الأيام وتفاخر بوالدتها التي لم تخرج من المنزل للعمل بل كانت تتخذه محلاً لصناعة المأكولات المختلفة .

كفاح متواصل

لتمضي السنوات بالصغيرة حتى وصلت المرحلة الثانوية بنجاح باهر، وأيضاً احتفظت بذات روح المسؤولية، ففي الإجازات الصيفية كانت تعمل في الرئاسة بالمصنع أول وظيفة كانت بقسم التأمينات الاجتماعية، ولصغر سنها فإن رئيسها المباشر عبد الكريم كلاي كان في حيرة من أمره حينما أمرها بارتداء الثوب الأبيض لصغر حجمها وسنها، بيد أنها فعلت ذلك حتى تتمكن من الحصول على الوظيفة لتجني بعض المال الذي تساعد به أسرتها، مزاهر ورغم تقادم السنوات، إلا أنها ما تزال تتذكر جيداً أبناء دفعتها بمدارس الجنيد ومنهن فاطمة مصطفى، مشاعر الرضي، شذى بدوي، أم بشار إبراهيم، وسناء بدوي، سامية مختار سوركتي، ومناهل صباح الخير وغيرهن، ومن الاولاد وقتها محمد السر، وليد خيري "مقيم بأمريكا" وعبد المنعم علي صالح وهو ضابط في الشرطة حالياً وشقيقه هو الراحل النقيب الشهيد أحمد علي صالح الذي كان قريباً من هذه الأسرة، وفي تلك المرحلة امتازت مزاهر بالذكاء والتوفق الأكاديمي، وتحكي عنها والدتها حفصة قائلة "كانت ما بتطفي النور إلا تطلع فوق السرير وتشوف بنات دفعتها والأولاد من الجيران طفوا الأنوار "، وفي العام 1990 أكملت مزاهر المرحلة الثانوية بعد أن درستها بمدرسة ود مدني للبنات وتم قبولها بجامعة السودان بكلية الهندسة المدنية لتواصل ذات رحلة كفاحها.

المعاناة تتواصل

لم يكن الطريق أمام مزاهر مفروشاً بالورود وهي تضع قدميها بالجامعة، فقد كان عليها أن تتسلح بالصبر والمضي قدماً في ذات طريق مقابلة التحديات بقوة الإرادة والتصميم، فالمنصرفات الجامعية وحتى لا تثقل كاهل والدتها، فقد اتجهت للبحث عن عمل يوفر لها ما يساعدها على مواجهة التكاليف اليومية ، فكان أن ابتسم لها الحظ وحظيت بفرصة عمل في روضة الخليج، كانت تواصل بإصرار عملها ودراستها وكثيراً ما كانت تقطع المشوار بين وسط الخرطوم وجامعة السودان وهي تهرول من أجل اللحاق بالمحاضرات، وكانت تحرص على الوصول قبل محاضرة أحد الأساتذة "دكتور بكري" لأنه يمنع الطلاب من دخول القاعة بعد بداية المحاضرة، إلا أن مزاهر كانت عند منعها لا تذهب بعيداً عن القاعة بل تجلس تحت لهيب الشمس بالقرب من الباب لسماع المحاضرة وتدوينها، وهذا الفعل حينما تكرر لفت نظر الدكتور بكري (عليه الرحمة) ـ الذي تدين له مزاهر بالفضل والوفاء وتؤكد أنه لعب أدواراً هامة في حياتها ـ تحدثت معه وسردت له أسباب تأخيرها المتمثلة في عملها بالروضة فتفهم موقفها، وذات الدكتور وحينما غادر السودان إلى لندن لنيل درجتي الماجستير والدكتوراه بعث بخطاب إلى زميله ويدعى ناجي وأوصاه بالوقوف بجانب الطالبة المجتهدة والمثابرة مزاهر، والتي ابتسمت لها الظروف في الجامعة بأن جمعتها مع أربع زميلات تتحدث دوماً عنهن بإعجاب وتقدير وهن "هالة وشذى وغادة ونضال"، وتقول إنهن وقفن بجانبها وكن أربعتهن ينحدرن من أسر ميسورة الحال، وذات الصديقات الوفيات كن عند حضور مزاهر الأخير من خارج البلاد في استقبالها بمطار الخرطوم مع عدد من زملاء الجامعة بالورود والزهور التي نثرنها في صالة الاستقبال وهن يعبرن عن فرحتهن بنجاحها في بلاد العم سام، صداقة ظلت راسخة ومتواصلة لما يربو على ربع قرن من الزمن لم ينل منها التباعد الجغرافي، فالتقارب الوجداني قرب بينهن طوال هذه الفترة.

إلى العمل

لتكمل مزاهر سنوات الجامعة الأربع، وتحصل على درجة الهندسة المدنية بتفوق باهر، ولأنها تضع أسرتها وظروفها نصب عينيها، لم تعد أدراجها إلى الجنيد واختارت قبل أن تستلم شهادتها الجامعية أن تطرق أبواب العمل، لأنها كانت تنتظر هذه اللحظة على أحر من الجمر عساها تتمكن من رد ولو جزء يسير من الدين لوالدتها المكافحة وللمساعدة في تعليم إخوانها "مشاعر، معاوية، فيروز وخالد" بعد أن سبقتها إشراقة في التخرج من الجامعة ومساعدة والدتها، وفي جامعة السودان تخرج أمامها الطالب خالد عبد الفتاح الذي كان يملك والده شركة إنشاءات هندسية وكانت مزاهر بحكم الزمالة تقول له إنها بعد أن تتخرج ستعمل في شركة والده، وبالفعل حقق الله لها ما تريد رغم أنها لم تعمل في ذات الشركة، ولكن خالد عبد الفتاح أتاح لها فرصة الإشراف على تشييد منزل بالمنشية، كانت تعشق العمل الميداني بالمواقع لتكتسب خبرة جيدة من هذا العمل، إلا أن طموحها الذي ليس له سقف دفعها لخوض مغامرة أخرى حينما علمت أن الخطوط الجوية السودانية بصدد طرح عطاء لتأهيل مبنى الشحن الجوي بالمطار، ولأنها لا تمتلك اسم عمل ولا شركة حتى تتمكن من التقديم للعطاء لم تجد غير الاستعانة بصديقة عمرها شذى التي كان شقيقها ياسر عثمان يمتلك مع آخرين منهم وليد بيرم شركة، فكان أن تقدمت للعطاء عبرها وقد وقف بجانبها كثيراً خالد ووليد، وكانت تطلب من والدتها أن تدعو الله بأن يرسو عليها العطاء لأنها كانت تشعر أن حدوث هذا يعني نقلة في حياتها إلى الأمام، وبعد فتح المظاريف جاءت الرياح على عكس ما تشتهي الشابة المكافحة وفازت شركة أخرى، بيد أن إرادة السماء وكأنها استجابة لدعوات والدتها فقد اعتذرت الشركة التي فازت وكان ترتيب شركتها الثانية ليأتيها العطاء طائعاً مختاراً.

صعوبات وانفراج

حسب شروط العقد كان على الشابة التي لم يسبق لها خوض مثل هذه التجارب الكبيرة أن تدخل في تحدٍّ حقيقي، فقد كان مطلوباً منها توفير ثلث مواد البناء في الموقع حتى يتم منحها القسط الأول من المقابل المادي لهذا العمل، لم تكن تملك من حطام الدنيا سوى روح تثق في الله، وإرادة حديدية، لم تجد غير الاستعانة بعدد من زملاء الجامعة الذين وقفوا بجانبها ووفروا معها معظم المواد، غير أن عقبة كؤوداً وقفت في طريقها وهي الزنك الذي لم تكن تملك المال لشرائه ورفض كل أصحاب المغالق والموردين بيعه عبر شيك حررته بعد أن فتحت حساباً ببنك التضامن، لتمر بها الأيام وهي ترى شبح ذهاب العطاء منها بعيداً يلوح في الأفق، فلم يتبق من الوقت المحدد لها سوى يوم واحد، كانت الهواجس والمخاوف تسيطر عليها، بيد أنها لم ترفع راية الاستسلام، فقد حضرت كالعادة إلى سوق السجانة قبل يوم من نهاية المدة وظلت تسعى لإيجاد حل، وحينما عجزت عن شراء الزنك، جلست بمغلق مع بعض من زملاء الجامعة، لتشاء إرادة الله أن يحضر أحد أصدقائهم فلفتت نظره لمحة الحزن التي تغطي وجهها والحيرة التي تلفها فحينما سأل عن قصتها أشار له أصدقاؤها بالمغلق "دي عاوز تمسك السماء وهي في الأرض"، فسألها ذلك الشخص ويدعى خالد الحاج عن قصتها فسردها له أصدقاؤه بالمغلق، فتعاطف معها فكشف لها عن معرفته بصاحب مغلق يبيع الزنك وأنه سيضمنها، فكان لها ما أرادت لتدخل مزاهر في سباق مع الزمن وتتمكن من إيصال مواد البناء في الموقع قبل غروب شمس ذلك اليوم، وعند شروقها في اليوم الثاني بدأت رحلة عملها التي انتهت بنجاح وأعادت الأموال لكل أصحابها وما تبقي منها خصصت جزءاً مقدراً منها لعلاج شقيقها معاوية بالسعودية وشراء ثلاجة كولدير لأسرتها تقول إنها لا يمكن أن تنساها.

الهجرة والطموحات

رغم أن مزاهر بدأت تضع قدميها في أول عتبات سلم النجاح، إلا أن طموحاتها الكبيرة جعلتها تطرق أبواب الهجرة نحو الولايات المتحدة الأمريكية، وفي العام 2000 وصلت إلى أرض الأحلام وبعد أسبوعين فقط وعقب رحلة بحث لم تتخللها راحة حظيت بفرصة عمل في وظيفة "كاشير" بسلسلة مطاعم ماكدولندز للوجبات السريعة، أظهرت تفوقًا واضحاً ونجاحاً منقطع النظير، فروح المسؤولية التي ظلت بين جوانحها ساعدتها على التألقم سريعاً على الغربة وتجاوز مربع مرارتها، فكان أن أرسلت أول أجر تتلقاه إلى اهلها بالسودان لشراء طوب في قطعة أرض اشتراها والدها، لم تكتف بالعمل لمدة ثماني ساعات، فعملت في فرع آخر في دوام ثانٍ في وظيفة خارج المطعم مهمتها معرفة طلبات الذين لا يترجلون من سياراتهم وإحضارها إليهم واستلام الأموال منهم، مضت من نجاح تلو الآخر في ماكادونز وخضعت لكورس تدريبي حتى تتولى منصب مساعد مدير، غير أنها لم تستمر فقد لاحت لها فرصة عمل في شركة اتصالات بأجر يبلغ سبعة دولارات في الساعة وبالفعل اجتازت كل المعاينات لتتخصص في مجال الاتصالات، وتتنقل من شركة إلى أخرى حتى وصلت مرحلة العمل في شركة موبايلات كبرى بمقابل 13 دولاراً في الساعة، وفي خضم نجاحاتها المهنية التقت في أمريكا بشريك حياتها أسعد لينجبا خمسة من الأطفال أكبرهم لُما ذات الخمسة عشر عاماً ومحمد، وليد، رامي ومازن.

نجاح جديد

من خلال وجودها بمدينة أيوا كانت مزاهر من الناشطات مجتمعياً وأنشأت مع آخرين مركز عدالة العمال وهدفه خدمة هذه الشريحة ورفع الحد الأدنى من أجور منسوبيها، وظلت قريبة من هذه الطبقة، وفي ذات الوقت على اتصال بالطبقة العليا في المجتمع لحل قضاياهم وعملت على تقريب وجهات النظر بين الطبقتين لشعورها بوجود عدم تفاهم وفجوة بينهما، وتفتخر مزاهر بأنها أحد الذين خاضوا تفاوضاً لعام وستة أشهر مع سلطت المدينة واحد المستثمرين للحيلولة دون تشريد 150 أسرة كانت تقطن بمنازل في مساحة كبيرة اشتراه المستثمر وأراد تحويلها إلى فندق، وبعد التفاوض الماراثوني وافق على تشييد مساكن بذات الموقع للسكان، تقول إنها حينما فكرت في ترشيح نفسها لنيل عضوية المجلس المحلي عبر الحزب الديمقراطي وجدت تشجيعاً كبيراً من سكان المدينة، وتشير إلى أن النائب البرلماني في أمريكا مهمته تنحصر في خدمة المواطنين الذين أتوا به، فكان أن ترشحت وسط دعم من معظم شرائح المدينة، وكان عليها أن تظفر بمقعد من ثلاثة مقاعد يتنافس عليها خمسة ومن ضمن المرشحين كان اثنان من النواب الحاليين، فكان أن احتلت المركز الثاني بفارق 65 صوتاً من الفائز بالمركز الأول الذي أحرز 78% من الأصوات فيما أحرزت مزاهر 77% من الأصوات، ونال المرشح الثالث 59%، وهؤلاء هم الثلاثة الذين فازوا في الانتخابات، رغم أن طموحاتها تعانق عنان السماء ولا سقف لها إلا أنها تؤكد عدم استعجالها دخول الكونجرس فهي تريد أن تتدرج في خطواتها حتى تكتسب المزيد من الخبرات.

واليوم فإن الفتاة التي كانت تحمل "جردل الزلابيا " قبل ثلاثة عقود ونيف باتت عضواً في مجلس أحد المدن الأمريكية، إنها قصة كفاح ونجاح وعصامية تؤكد علي أصالة معدنها، وهذا ما يؤكده قريبها اللواء معاش بهاء الدين وخالها أحمد محمد عبد الله خيري، فهما كانا معنا عندما التقينا مزاهر بمنزلها عقب حضورها قبل أيام من أمريكا.

وفاء نادر

مزاهر محمد علي صالح التي (وبهذه المناسبة فقد نشأنا معاً في حي العمال بمصنع الجنيد) تم تكريمها أمس الأول من قبل رابطة قدامى العاملين بشيخ مصانع السكر، يلهج لسانها بالشكر للجنيد التي قطعت بأنها محطة لا يمكن أن تتجاوزها وأن أيامها ستظل في الذاكرة وأهلها في وجدانها، وكذلك جزيرة مقاصر، ولم تكتف بذلك بل مارست من خلال حديثها لـ(الصيحة) أسمى وأرفع مراتب الوفاء حينما أكدت بأن كثيرين وقفوا بجانب أسرتها، وهنا تتحدث عن العم ساتي ساتي علي والد الزميل الصحفي الطاهر ساتي، وتؤكد أنه كان الأب الروحي لهم بعد رحيل والدهم، وأنها لا يمكن أن تنسى وقوفه بجانبهم في أحلك الظروف التي مروا بها، وكذلك تؤكد بأن زميلها في الجامعة محمد عابدين ساتي من الذين وقفوا بجانبها.

0 صوت
التعليقات : تعليق
« إضافة تعليق »
اضافة تعليق
اسمك
ايميلك

/500
تعليقك
8 + 8 = أدخل الكود