تتعدَّد الأسباب والموت واحد المراكز الثقافية.. حالة موت سريري

عرض المادة
تتعدَّد الأسباب والموت واحد المراكز الثقافية.. حالة موت سريري
تاريخ الخبر 18-11-2017 | عدد الزوار 1584

الروائية زينب بليل: المثقف لن يحضر منتدىً وهو جائع

الناقد عامر حسين: المراكز الثقافية تعاني من ضعف التمويل

الروائي صديق الحلو: الوضع السياسي والاقتصادي له دور في الانحسار

تحقيق: نجاة إدريس إسماعيل

كانت المراكز الثقافية في الماضي شمعة في الظلام، إذ كانت تخرج الأزاهير من بين الأشواك، وقد خرج من المراكز الثقافية جميع المبدعين الموجودين في الساحة الثقافية الآن، ولم تكن الحركة الثقافية بالمراكز الثقافية تنتظم المركز فقط فقد برزت في أقاليم البلاد المختلفة عدد من المراكز الثقافية التي شكلت نورًا في الظلام، فكانت "رابطة الجزيرة للثقافة والفنون" وكانت "رابطة سنار الأدبية " وكانت"عنادل الدامر للآداب والفنون".. كما شهدت الخرطوم العاصمة عدداً من الأنشطة الثقافية بالمراكز الثقافية واتحادات الأدباء والكتّاب والفنانين والتشكيليين منذ "جمعية أبي روف الأدبية والتي تأسست في عام 1924 بقيادة خضر حمد والأخوين حسن وحسين أحمد الكد، ثم تعددت المراكز الثقافية وتفرعت الاتحادات للأدباء حتى بلغت خمسة اتحادات، وإن انحسرت نشاطاتها عن الماضي.. الآن انحسرت الأنشطة الثقافية بالمراكز الثقافية بالمركز والولايات لأسباب متعددة.."الصيحة " حققت في هذا الأمر.

موات بفعل الفقر

عزت الروائية زينب بليل رئيسة منتدى السرد والنقد حالة الموات التي تعتري المراكز الثقافية الآن بسبب الفقر، مشيرة إلى أن المراكز الثقافية تحتاج للمال لتسيير نشاطاتها وتحفيز النقاد الذين يشاركون في أنشطة المنتدى، مضيفة أن رواد المنتديات من المثقفين هم من قبيلة "الفقراء" وأحياناً لا يكون لديهم حتى ما يوصلهم لمكان الفعاليات الثقافية، لذلك كثيراً ما يفضلون وسائل التواصل الاجتماعي ويستعيضون بها عن اللقاءات الحقيقية بالمنتديات، لأنها لا تكلفهم شيئاً، ويمكنهم أن يشاركوا في نقاشاتها، وهم في منازلهم .. وأضافت أن "السوشال ميديا " لن تصبح بديلاً للمنتديات والمراكز الثقافية لأن رواد مواقع التواصل غير مختصين بالنقد، فالمنتديات والمراكز الثقافية هي أشبه بالمراكز التعليمية وجميع روادها يكون لهم ذات الهم في أن يكونوا كتاباً عالميين ويحصلون على جوائز عالمية، إضافة للمنافسة بين الأعضاء التي تخلقها الأجواء النقدية.

وختمت الروائية زينب بليل حديثها بأنه في ظل الوضع الاقتصادي المتردي تظل الثقافة ترفاً لأن الأديب يفضل شراء الخبز على الكتاب، ولن يحضر لمنتدى وهو جائع، لأنه سيوفر جنيهاته على قلتها لشراء لقمة عيشه.

توقف بفعل حالة

القاص محمد المختار عبد الرحمن من "نيالا " أشار إلى توقف النشاط الثقافي في ولاية جنوب دارفور لأسباب متعلقة بالأحداث التي شهدتها الولاية بسبب الحروب والتفلت الأمني على الرغم من أن الولاية كان لها باع في الأنشطة الثقافية من خلال "رابطة جنوب دارفور للثقافة والآداب" في سبعينيات القرن الماضي، والتي خرج منها الشاعر الكبير عالم عباس، وأضاف عبد الرحمن أن الحال السياسي بالولاية والتفلت الأمني وفرض حالة الطوارئ على المدينة أدى لتوقف النشاط الثقافي بالولاية لأن أي فرد يكون داخل بيته في الخامسة مساء، مضيفاً أن حالة الطوارئ والتي امتدت لآماد طويلة جداً قتلت روح حب الأدب والثقافة لدى مثقفي الولاية، فالحكومة الولائية كانت تمنع التجمعات أياً كان نوعها وبالتالي توقفت الأنشطة الثقافية تماماً بالولاية.. ويضيف عبد الرحمن أن الولاية الآن رغم استتباب الأمن إلا أن المثقفين تبرمجوا على رجوعهم لمنازلهم قبيل الخامسة مساء بفعل التعود، وقد جفت كل المراكز الثقافية التي كانت موجودة من قبل وتشتت أعضاؤها، لكن الآن تم تسجيل "الاتحاد العام للأدباء والكتاب السودانيين" بولاية جنوب دارفور رسمياً ليعاود نشاطه، كما نشطت مؤخرا مجموعات صغيرة قامت بعد أن انقشعت روح الاحتراب مثل مجموعة "تواصل" التي تميزت بنشاطاتها الثقافية المتنوعة شعراً وقصة ومسرحاً واستطاعت المشاركة داخلياً وخارجياً في المحافل الثقافية المتعددة.

أسباب شتى

ويعزو الشاعر والقاص عبد الرحيم حسن حمزة أسباب غيابه عن المراكز الثقافية إلى عدة أسباب متشابكة متضافرة منها في الأساس: المنهجية التي تدار بها هذه الأماسي والنهارات، والتي تغيب عنها في كثير من الأحيان عملية الخلق والابتكار والأفكار الحاملة لجينات الجذب، بينما تكمن سطوة الإبداع في غواياته وقدرته المائزة على مراوغة المألوف.. وفي رحلة تنقلك المأذونة من ندوة إلى أخرى قد يصادم وجهك ذلك الوجه المتكرر للأستاذ زيد بن عبيد بذات عباراته الهشة المختلقة والتي حفظتها بنات الزمان عن ظهر قلب فأشبعت الآفاق بإيقاع الملل المتثاقل بما يستدعي الكوميديا المسرحية العتيقة (ضيعة تشرين) للنجم السوري (دريد لحام) وتلك المرددة التي حفظها جميع أهل الضيعة:(مختار الجديد جداً جداً يتحدث إليكم ).. وما من جديد!!..أسبابي الأخرى تكمن في هذا الجيل الغريب العجيب من شباب سني التحصيل المعرفي على المظنة، والذي أدمن الحرجل والبندول من أغنيات هذه الأيام، وانغلق عما سواها، وهذه لا يمكن فصلها بحال عن السياق السياسي ومن ثم المعيشي والمجتمعي الحادث، أما كبارهم ممن تشبعوا من ثقافات العقود الذهبية المنصرمة فقد انخرطوا في ماراثون مجنون من أجل الفوز بلقمة العيش فصار عندهم ارتياد هذه الأماكن الحالمة نوعاً من الترف ولو أنني أعتقد بقدرة بعضها على تزويق طرقاتها ببعض الديباج النفيس، إذ استطاعت تتبيل (جزرتها) ببعض البهارات النفاذة..

أسباب اقتصادية وسياسية

الروائي والقاص صديق الحلو أشار في حديثه لـ(الصيحة ) إلى أن الوضع السياسي والاقتصادي له دور في هذا انحسار النشاط الثقافي بالمراكز والاتحادات الثقافية، وطالب الجامعات بتشجيع الطلاب على النشاطات الثقافية والفكرية وترفيع قيمة الفلسفة؛ لأن كل هذه الأشياء مجتمعة تقلل العنف الطلابي الموجود في الجامعات باستيعاب هذه الطاقات الشابة في جهد أدبي مثمر ومفيد، وذلك بإقامة الجمعيات الأدبية وإنشاء المسابقات في الشعر والقصة والمسرح والتشكيل.

أسباب خلافية

الشاعر والباحث أحمد البدوي قال في حديثه لـ"الصيحة "أرى أن انحسار النشاط الثقافي في المنتديات الثقافية أسبابه عديدة منها الاقتصادية ومنها أسباب خلافية بين بعض روادها، وهناك من يقول إن منتديات "السوشيال ميديا "هي أحد الأسباب التي أدت إلى انحسار النشاط الثقافي في المراكز الثقافية واستعاضة مرتاديها بها، ولكن أنا ضد هذا الرأي، لأن هناك بعض المراكز الثقافية لا زالت محتفظة بروادها مثل منتديات الوافر(منتدى أماسي الخليل) بحي الأمراء بأمدرمان هو من المنتديات النشطة وله رواده ومحبوه ولا زال يواصل نشاطه بلا انقطاع كل إثنين، ومنتديات أخرى كمنتدى "الدكشنري"، ومنتدى دار فلاح وغيرها من المنتديات، وهنالك منتديات انحسر نشاطها كما أسفلت لأنها تعتمد في إدارة نشاطها على جيوب روداها ونسبة لأسباب خلافية بين روداها توقف نشاطها.

بسبب "السوشيال الميديا"

عزا مزمل إسماعيل – أحد المهتمين بالشأن الثقافي – انحسار النشاط الثقافي بالمنتديات والمراكز الثقافية بسبب "السوشيال ميديا" مضيفاً بأنها وسيلة رخيصة وغير مكلفة كما أنها غير مكلفة في ظل كثرة مشاغل المهتمين بالحقل الثقافي .

تصنيف مراكزي

الناقد عامر محمد أحمد حسين، قال في حديثه لـ"الصيحة " إن المراكز الثقافية الأجنبية تقوم بدورها في ظل علاقات سياسية راسخة مع الدولة المستضيفة، أما المراكز الثقافية الوطنية فتعاني من ضعف التمويل والتصنيف من الموالاة والمعارضة، ومن هنا يبدأ البلاء في الحقل الثقافي وينتقل من وظيفته التنويرية إلى حالة إثبات الالتزام بالعمل الثقافي ويتحول الجدال من التنوير إلى قراءة النوايا والأهداف بمنظور مختلف، وهنا ينشأ التراخي عن الرسالة والاهتمام بحالة التربص والتصنيف واستدامة التنصيف السياسي من أنصاف الكتاب وتبخيس وتجريم كل نشاط لا يرتبط بآليات السلطة.

تغييب الذاكرة التاريخية

وأضاف حسين: "لذلك كل عمل ثقافي يجب إخضاعه لشروط المعرفة والعلمية وإضافتها بعيداً عن الشروط غير المعرفية المسيسة وبدون ذلك، فإن شرط المال يمثل آلية الانسحاب من المشهد وفق شروط العجز عن استكمال الحقل الثقافي لدوره وتتم بذلك خطط الاستعمار في تغييب الذاكرة التاريخية وبناء الهشاشة وتفريغ الحركة الثقافية بكل ألوانها من كل عمل جاد يضيف الوعي إلى آليات النهضة تقافيًا وفكرياً ووطنياً".

تشظي

الأمين العام للمجلس القومي للثقافة والفنون الأستاذ عاطف عثمان قال في حديثه لـ(الصيحة) إن مشكلة انحسار النشاط الثقافي مشكلة قديمة متجددة (من زمن حفروا البحر) وكان يمكن أن يكون السؤال هل تعي الروابط والمراكز الثقافية الموجودة في الساحة الثقافية دورها؟ ويؤكد عثمان أن الاتحادات والمنتديات الموجودة في المشهد الثقافي الآن غير قومية وذات عضوية محدودة، إضافة لكونها متشظية.

ويرى عثمان أن جميع الاتحادات الثقافية منقسمة على نفسها، فعلى سبيل المثال اتحادات الكتاب خمسة واتحاد الدراميين مقسمة لاثنين واتحادات الفنانين منقسمة لأكثر من كيان بشقيه الحديث والشعبي، وحتى اتحادات المادحين لم تسلم من الانشقاقات.

لا ندعم

وأضاف عثمان: في ظل هذه الانشقاقات لا يمكننا دعم جهة على حساب جهة أخرى، لكننا وفرنا صالة المجلس للكيانات الثقافية المتعددة، وكثيرًا ما نقدم لهذه الكيانات الضيافة وساوند الصوت، ولكننا لا نستطيع أن ندعم بأكثر من ذلك، لأن دعم الثقافة شحيح أصلاً. وعن انشقاقات الكيانات ودور المجلس في الحد منها في ظل التصاديق التي تخرج منه، قال عثمان بأن المجلس محكوم بقانون يعطي كل مجموعة تتكون من 25 شخصاً الحق في تكوين جسم ثقافي وهذه مشكلة القانون .

من المحررة

وأياً كانت الأسباب في انحسار الأنشطة الثقافية بالرغم من الأعداد المتسارعة بمتوالية هندسية للكيانات الثقافية، إلا أن ضعف التمويل وعدم وجود مقار والانشقاقات والتنافر بين الأعضاء بسبب الأيدولوجيا إضافة إلى وجود مواقع ثقافية في مواقع التواصل الاجتماعي لتحل محل الأنشطة الثقافية بالمنتديات تظل أبرز الأسباب التي أدت لانحسار النشاط الثقافي بهذه المراكز.

0 صوت
التعليقات : تعليق
« إضافة تعليق »
اضافة تعليق
اسمك
ايميلك

/500
تعليقك
5 + 9 = أدخل الكود
روابط ذات صلة
روابط ذات صلة
المادة السابقة
المواد المتشابهة المادة التالية