ما الذي تبقَّى من كرامتنا؟

عرض المادة
ما الذي تبقَّى من كرامتنا؟
1979 زائر
10-11-2017

إجراءات حكومية للحد من بيع السودانيين لأعضائهم".

"قرار بمنع السفارات بالخارج من إصدار خطابات لعمليات الكلى".

"الصحة تمنع سفارات السودان من القيام بإجراءات عمليات زراعة الكلى"..

"حظر السفارات من إجراءات زراعة الكلى".. تلك كانت عناوين الأخبار في عدد من صحف الخرطوم الصادرة أمس..

حكى لي أحد القراء أن جاره بلغ به ضيق ذات اليد مبلغاً لا يطاق، ولما رأت ابنته ذات العشرين ربيعاً حال والدها وهو ينافح ويكافح ويحاول رتق ما فتقه الدهر بأنياب حداد بينما يتسع الفتق على الراتق، لما رأت ذلك جاءته تمشي على استحياء تستأذنه للعمل بجوار المنزل "بائعة شاي".. انتفض الوالد "الحمش" تلك "الانتفاضة" المباركة التي انتهت به إلى بيع إحدى كليتيه، وبعدها قرر أن يبيع كل ما يتيسر بيعه من أعضائه بما في ذلك "ضي العين" ليعيش بكرامة ما بقي على قيد الحياة وليحفظ كرامة ابنته الحبيبة ويصون شرفها، أو هكذا هداه تفكيره وأرشدته معتقداته ومفاهيمه وتقاليده...

تذكرت هذه القصة وأنا أطالع صحف الأمس، وتذكرت معها مليون قصة وقصة تقطع نياط القلوب الرحيمة، وتذكرت مسلسلاً طويلاً من التراجيديا المريرة، وتذكرت شريطاً من المآسي التي صنعتها السياسات القاسية التي لا تراعِ إلاّ ولا ذمة.. سياسات تطبخها مراكز صناعة القرار من أبراج عاجية دون أن يطوف بذهنها حديث المعصوم عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم: "من ولي من أمر أمتي شيئاً وشقَّ عليها اللهم فاشقق عليه". أو كما قال الحبيب عليه الصلاة والسلام..

الآن وبعد ثلاثة عقود من الشدة والمعاناة كانت النتيجة افقار أسر وتشريد أخرى، هلك منها من هلك وعاش على الكفاف والعوز منها من عاش، وهناك من امتهن التسول شيباً وشباباً، رجالاً ونساء، فتيات وولداناً عندما ضاق الحال... بعد كل سنوات الشدة العجاف تلك تفتقت عبقرية الفقراء والمحرومين من غلابى السودان فالتجأوا إلى بيع الأعضاء التي أصبحت تجارة رائجة لسد الرمق، واتقاء ذل السؤال والحاجة وصيانة للعرض والشرف، أو هكذا قادهم التفكير...

كنا ندرك أن الأمر بلغ سيله الذبى ووصل منتهاه وأصبح سيرة ترويها مجالس المدينة في ليالي السمر المريرة، ولكننا لم نكن نتوقع أن يكون الأمر ذاته وصل السلطات بهذه القوة للدرجة التي تصدر معها القرارات بمنع السفارات، ولعل القاريء الحصيف يقرأ ما بين السطور فيكفيني الحاجة إلى الاسهاب فيما لا أريد ذكره..

أخيراً أقول إن بيع الأعضاء ليس نزهة بل هو مغامرة قاتلة لا شيء يدفع نحوها إلا ما هو أقسى وأمرّ منها، وهي مؤشر إلى أن هذه الخطوة لم يبقَ دونها إلا الشرف، وهي البرزخ ما بين الانحلال والتفكك والانحطاط، والموت بكرامة، وهي خطوة تنبيك أن العوز عندنا وصل إلى هذه الدرجة وكفي... اللهم هذا قسمي فيما أملك...

نبضة أخيرة:

ضع نفسك دائماً في الموضع الذي تحب أن يراك فيه الله، وثق أنه يراك في كل حين..

   طباعة 
0 صوت
التعليقات : تعليق
« إضافة تعليق »
اضافة تعليق
اسمك
ايميلك

/500
تعليقك
4 + 2 = أدخل الكود
روابط ذات صلة
روابط ذات صلة
المادة السابقة
المواد المتشابهة المادة التالية
جديد المواد
جديد المواد
التمكين - أحمد يوسف التاي
من سير الأخيار - أحمد يوسف التاي
نبض الغلابى - أحمد يوسف التاي