يبقى حتى السداد

عرض المادة
يبقى حتى السداد
2713 زائر
09-11-2017

في بداية عقد التسعينات ظهرت مادة قانونية جديدة في القانون الجنائي السوداني وأعطيت الرقم 179 وهذه المادة الجنائية لم يجد (الزول) الذي صنعها وابتدعها اسماً مناسباً وفكر وقدر و(حك رأسه) وأخيراً قال إن اسمها مادة: (الصكوك المردودة) والمعروف لأي (عبيط) أو (معتوه) أن الجرائم الجنائية عندها أسماء محددة تصف الجريمة وصفاً دقيقاً مثل السرقة، النصب، الاحتيال، القتل، القتل العمد، الحرابة، تسبب الأذى، الاغتصاب، الزنا وهلم جرا.. ولكل مادة جنائية رقماً في القانون.

ولكن المادة 179 اسمها الصكوك المرتدة ومن اسمها فالصكوك (ما فيها جريمة) والمرتدة لا تشير إلى أي جريمة.. وعليه فإن هذه المادة وابتداءً من اسمها يتضح أنها تحولت من نزاع مدني بين أطراف متعاملين إلى جريمة جنائية.. وقد قال المدافعون عن هذه المادة إنها استحدثت لكي تعطي الشيك قوة تجعله واجب الوفاء، ولكن ما حدث أن هذه المادة أفرغت للشيك من مقاصده المربوطة بالدفع وحولته إلى آلية ضمان.. ونجحت بعض المصارف وبعض تجار الربا والتجويك في استعمال قانون الصك المرتد ليكون بديلاً للضمان واستعمله المرابون في بث الذعر والابتزاز والخوف عند رجال الأعمال للزج بهم في السجون وبيع بيوتهم ومصانعهم ومزارعهم .

وقد كتب الكثيرون في الصحف عن الموضوع وتناولته القنوات الفضائية وطالبوا بإلغاء مادة الصكوك المرتدة التي دخل بسببها السجون كل شرائح المجتمع من أطباء ومهندسين وزراعيين ومحامين ورجال أعمال وصيادلة وربات بيوت وحرفيين، ولم يسلم من شرور هذه المادة حتى المزارعين وشيوخ الطرق الصوفية وأئمة المساجد والمؤذنين والمأذونين والفنانين والممثلين، وهذا وحده يدل على احتمالين وهما إما أن هناك خطأ في هذه المادة القانونية أو أن كل الشعب السوداني عبارة عن حرامية وقطاع طرق.

ولا أحتاج أن أؤكد أن من كل بيت في السودان هناك شخص أو شخصان قد وقعا تحت طائلة هذه المادة، والتي ساهمت البنوك والمصارف في توفير سلاح الجريمة فيها وهو الشيك وقامت بتوزيعه دون ضابط ولا رابط، والأسوأ من كل ذلك أن هذه المادة اللئيمة تنتهي بمادة أخرى اسمها (يبقى حتى السداد) وهي مادة في القانون تأمر بحبس المدين إلى أن يدفع أو إلى يوم يبعثون.

والغريب في الأمر أن بعض المحبوسين قد لا تتجاوز ديونهم مليونين أو ثلاثة أو حتى خمسة ملايين ويتم حبس المدين لعشرات السنين، فإذا علمنا أن تكلفة السجين في اليوم لا تقل عن ثلاثين جنيها أو أربعين فهذا يعني أن الحكومة تصرف على المدين في حبسه ما لا يقل عن سبعة آلاف جنيه في العام وسبعين ألف جنيه في العشرة أعوام.. والأغرب من كل ذلك أن الجهات الرسمية لا تطالب الدائن بدفع هذه التكاليف أو أي جزء منها.

على كل حال رأينا أن نكتب اليوم عن هذه المادة تضامنا مع المحبوسين في قضايا يبقى حتى السداد ويعدون بعشرات الآلاف ، علماً بأن بعضهم قد قضى سنوات عديدة فهل يستجيب وزير العدل لتعديل القانون أو يأمر الرئيس بإطلاق سراحهم

جميعاً

   طباعة 
0 صوت
التعليقات : تعليق
« إضافة تعليق »
اضافة تعليق
اسمك
ايميلك

/500
تعليقك
6 + 6 = أدخل الكود
روابط ذات صلة
روابط ذات صلة
المادة السابقة
المواد المتشابهة المادة التالية
جديد المواد
جديد المواد
في خشمو جَرادة ؟!!!! - د. عبد الماجد عبد القادر
شيخنا جابولو ولد..!! - د. عبد الماجد عبد القادر
ضرورة إلغاء صيغة المرابحة! - د. عبد الماجد عبد القادر
أنت ما تقول حاجة!!!؟ - د. عبد الماجد عبد القادر
آخر العلاج الكي !! - د. عبد الماجد عبد القادر