من أجل عاصمة حضارية

عرض المقالات
من أجل عاصمة حضارية
4400 زائر
07-11-2017

عجبتُ لمن يصرون على أن تظل عاصمتنا إلى الأبد عشوائية ومتخلّفة تعاطفاً مع بعض اللائي يحصلن على رزقهن من بيع الشاي والكسرة حتى لو تسبّب ذلك في أن يحتلها تجار الجنس والمخدرات وتنتشر فيها الأوبئة والقاذورات.

أقول ذلك مثمناً الإجراء الشجاع الذي تأخر كثيراً وطويلاً والذي اتخذته سلطات ولاية الخرطوم بشأن شارع النيل بعد أن بلغ السيل الزبى وتبرّجت المظاهر السالبة في أعظم وأجمل شوارع العاصمة.

ظللتُ أرقب من عام لآخر تمدّد ظاهرة ستات الشاي اللائي تكاثرن حتى أوشكن أن يتصادمن بالأكتاف، ففي كل ركن في عاصمتنا (الحضارية) ست شاي، وفي كثير من الأحيان لا يفصل بين الواحدة والأخرى أكثر من بضعة أمتار قد تقل إلى دون الخمسة أمتار في بعض الأسواق والمناطق المكتظة بالناس.

تطور الأمر إلى استجلاب الكراسي التي تؤجّر للباحثين عن تزجية الوقت وقتل الفراغ ثم أدى التنافس المحموم لجذب الزبائن إلى استخدام مخدر الخرشة وحبوب الترامادول وغيرها، الأمر الذي أحال شارع النيل إلى منطقة جاذبة لفئات معينة من الشباب (المترفين) من النوعين جالبين معهم بعض السلوكيات الشاذة إلى أن قدر الله أن ينتشر عبر الواتساب ذلك الفيديو الذي كشف ما بلغه الحال في ذلك الشارع السياحي وتلك البقعة المطلة على أعظم انهار الكرة الأرضية والتي حباها الله بجمال وسحر يستحق أن يتبارى الشعراء في التغني بتفرّده وعظمته.. كان فيديو حبوب الترامادول (المدلوقة) في الشارع مؤشرًا للتردي الذي حمل السلطات (المترددة) على إصدار القرار الذي تأخر كثيراً بحظر ستات الشاي في ذلك الشارع .

تغافل المسؤولون عن أن تلك الظاهرة تتمدد بسرعة الصاروخ، ذلك أنها لا تكلف صاحبتها أكثر من كانون وكفتيرة وبضعة أكواب تتكاثر في أيام معدودات فضلاً عن أنها كانت ولا تزال (مطلوقة) بدون رقيب ولا حسيب، ولذلك لا غرو أن تتكاثر مُمتهِناتها وتبلغ أعدادهن الآلاف في كل من محليات العاصمة!

تخيلوا مقدار الأمراض التي تنشرها تلك الظاهرة وغيرها خاصة وقد ثبت أنه حتى ما حسبناها مياهاً صحية اتضح أنها مياه ملوثة، فقد كشف وزير الصحة بروف مامون حميدة أن كل المياه المنتجة في (147) مصنعاً في العاصمة ليست صالحة للشرب ما عدا ما يُنتج في ستة مصانع، ورغم ذلك نتساءل باستغراب: من أين جاءتنا الإسهالات المائية؟! أما مياه الحنفيات فحدّث ولا حرج فكيف بالله عليكم تغسل (الكبابي) وما هي ثقافة اللائي يغسلنها من ستات الشاي ناهيك عن طريقة إعداد الشاي الملوّث بالخرشة والمخدرات!

شارع النيل أصبح، للأسف الشديد، قبل الإجراء الأخير مكاناً لعقد صفقات الدعارة مما تقوم به بعض ستات الشاي!

ظاهرة ستات الشاي ليست وحدها فهناك الكثير من المظاهر غير الحضارية مثل بائعات الكسرة اللائي يمكثن الساعات الطوال في قارعة الطريق في شوارع تمور وتموج بحركة الراجلين وأصحاب السيارات وأمامهن أطباقهن المتسخة ولا أحد يعلم أين تمت (عواسة) تلك الكسرة، ومن أي عجين وكيف تم خلطه وبأي ماء وبأي أيدٍ وفي أي بيئة؟!

لا أزال أذكر تلك القصة التي انتشرت في وقتها لتلك المرأة المصابة بالسل والتي كانت تنفخ كيس البلاستيك بفمها حتى تفتحه لتضع فيه الكسرة قبل أن تقدمها للمشتري المسكين!

محلات التمباك (ود عماري المظبوط) الذي تبذل وزارة الصحة مجهوداً إعلانياً في التحذير منه ومن أمراضه وسرطاناته بالرغم من أن المحليات تمد ألسنتها الساخرة بعد أن تقبض قيمة الرخصة.. تلك المتاجر تجاور أحياناً محلات الكسرة والشاي لتزيد الطين بلة!

هذا غيض من فيض من بعض مظاهر التخلّف التي تضج بها عاصمتنا، وللأسف فإن تلك الآفات انتشرت في مختلف مدن السودان التي تتخذ الخرطوم مثلاً أعلى!

أعجب من المدافعين عن تلك الظواهر بل من سياسيين تدفعهم مواقفهم المعارضة إلى حشد أولئك النسوة وتنظيمهن لكي يرجعن إلى مواقعهن وكأن أبواب الرزق كلها قد سُدت إلا بيع الشاي والكسرة أو كان أولئك النسوة تخرجن في كليات إعداد الشاي وحرام أن يُحرمن من مهنتهن التي بذلن في سبيل تحصيلها أعمارهن!

أتعاطف مع أولئك النساء وأطالب وزارة الرعاية الاجتماعية بالبحث عن إيجاد بدائل لهن ولكن ليس من خلال العودة إلى تلك الظاهرة التي ينبغي أن تختفي إلى الأبد وتنظم وتقام البدائل الحضارية المعمول بها في بلاد الدنيا الأخرى.

يحتاج والي الخرطوم ومعتمدها أبو شنب إلى عدم التردد في إنفاذ توجهاته لجعل الخرطوم عاصمة حضارية، فقد قرأت قبل نحو عام أن الولاية أمهلت بعض الفئات وأصحاب الممارسات غير الحضارية ستة أشهر لإعادة تنظيم أنفسهم ولكن عاماً أو أكثر مضى ولم يحدث شيء في سبيل إنفاذ تلك القرارات.

كمائن الكوب .. معسكرات اللاجئين حول العاصمة والتي تقرر أن تُزال ويُنقل قاطنوها إلى ولايات أخرى .. التعدي على الشارع العام.. السكن العشوائي الذي للأسف تغفل عنه المحليات إلى أن يقوم ويبنى ثم تقوم بهدمه بدلاً من منعه ابتداء كما تفعل كل دول العالم، هذه وغيرها مظاهر ينبغي أن تُعالج بدون خوف أو وجل ولا يصح إلا الصحيح.

   طباعة 
0 صوت
التعليقات : تعليق
« إضافة تعليق »
اضافة تعليق
اسمك
ايميلك

/500
تعليقك
6 + 6 = أدخل الكود
روابط ذات صلة
روابط ذات صلة
المقالات السابقة
المواد المتشابهة المقالات التالية
جديد المواد
جديد المواد
هبوط اضطرارى - مقالات وآراء
استفهامات - مقالات وآراء
نبض للوطن - مقالات وآراء
القراية ام دق - مقالات وآراء